مصاريف ولادتي زهرة الربيع

قبل ما نخرج من الباب، عادل حاول للمرة الأخيرة ووقف قدام أبويا وقال له بصوت مخنوق ومترجي يا عمي أرجوك، ما تمشيش وهي زعلانة، الناس في الشارع والعمارة هيقولوا إيه لما تشوفكم نازلين بالشنط والبيبي في نفس اليوم اللي رجعت فيه من السفر؟
!
أبويا بص له من فوق لتحت وقال له بصرامة اللي يخاف على كلام الناس، يعمل حساب لكرامة أهل بيته الأول يا عادل! كلام الناس ما يهمنيش في حاجة، اللي يهمني إن بنتي تتربى في عز، وترجع لبيت يعرف قيمتها ويصونها.
خرجنا وسيبناه واقف لوحده في الشقة الفاضية، وسمعت صوت الباب بيهبد ورانا. نزلت مع أبويا وأمي، وحسيت لأول مرة من يوم ما اتجوزت إن ليَّ ضهر وسند حقيقي مش ممكن يتكسر. أبويا شال عني شنطة الهدوم وركبنا التاكسي، وطول السكة كان بيبص لي بحنية ويقولي ما تزعليش يا سمر، حقك عندي، والراجل اللي ما يعرفش قيمة النعمة اللي في إيده، لازم يعطش عشان يعرف تمن المية.
أول ما وصلنا بيت أهلي، أمي أخدت الولد في حضنها وقعدت تهديني، وأبويا قفل تليفونه وقال مفيش كلام معاه خالص دلوقتي، سيبوه يتستوي في نار أعماله.
من نفس الليلة، يبدأ عادل رحلة التوسل. التليفون ما بطلش رن، رسائل على الواتساب بالساعات، يعتذر فيها ويبوس الأيادي، ويبعت صور للفلوس وهي على الترابيزة ويقولي والله ما لمست الفلوس، والله العظيم الفلوس دي جرحتني أكتر ما جرحتكم، أنا عرفت إني غبي وحقير، أرجوكِ قولي لأبوكي يسامحني.
لكن أبويا كان مصمم على موقفه، ورفض يرد على أي مكالمة منه لمدة أسبوع كامل. وفي الأسبوع ده، عادل عرف يعني إيه البيت يفضى عليه، ويعني إيه يبقى معاه الفلوس بس محروم من مراته وابنه اللي بيملوا عليه الدنيا. كان بيكلم أختي الكبيرة ويتحايل عليها تدخل، ويقولها إنه مش عارف ينام ولا يأكل، وإن الشقة بقت كئيبة ومن غير روح من غيرنا.
بعد أسبوع من
المرار اللي عاشه عادل، أبويا وافق يقابله، بس بشرط المقابلة مش هتبقى في بيتنا ولا في بيته، المقابلة هتبقى في بيت كبير العيلة، عمي الحاج كمال، وقدام كبار العيلة كلهم!
يوم القعدة، جه عادل وهو شكله متغير خالص، وشه شاحب وعينيه منفوخة من كتر التفكير وقلة النوم. أول ما دخل وقعد قدام الرجالة، عمي الحاج كمال بص له وقال له جرى إيه يا عادل؟ بقى جاي تحاسب راجل طيب زي الحاج على مصاريف بنته وعلاج ابنك؟! هي دي الأصول اللي تربيت عليها؟!

