جنين مشوه روماني مكرم ٣

“شيماء.. تعال يا شيماء، خدي الجواب ده.”

قربت خطوتين وقُلت له: “جواب إيه ده؟”

رد وهو بينزل عينيه في الأرض والندم بياكل ملامحه:

“دي ورقة طلاقك يا شيماء.. أنا عرفت إنني لو فضلت معلقك هكون بظلمك تاني، وأنتِ ما تستاهليش إلا كل خير.. أنا دمرت حياتي بس مش هسيبك أذاكي أكتر من كده.. أوراقك كلها هتجيلك للبيت بالمأذون، مع كل حقوقك والمؤخر والنفقة.”

مسكت الظرف بإيدي، وبصيت له، لقيت عيونه مطفية تماماً، خالي من أي أمل، وكأنه سلم خلاص بعقابه الأبدي. وقبل ما يلف ويمشي، وقف ودور وشو لي وقال لي بنبرة تقطع القلب:

“أنا طلقتك بقلمي، بس والله يا شيماء، عمرك ما هتروحي من قلبي، وهفضل أندم على اليوم اللي زعلتك فيه لحد ما أنزل القبر!”

مشى وسابني واقفة بالورقة في إيدي، حمزة مسك في إيدي وهو بيقول: “بابا عيط ومشى يا ماما!”.. سكت وبصيت للسماء وأنا حاسة إن صفحتي القديمة اتطوت بالكامل، بس الأيام كانت بتجهز لمرحلة جديدة خالص في حياتي وحياة ابني!

مرت الأيام وتوالت السنين، والورقة اللي استلمتها في مركز الشباب كانت النهاية الرسمية لقصة مليانة بالوجع، بس كانت البداية الحقيقية لحياة جديدة بنيتها بعرق جبيني وكرامتي. خرجت من تجربة زواجي وأنا فاهمة إن الضعف استسلام، وإن الست لما بتنداس كرامتها مالهاش غير سند نفسها وأهلها اللي صانوها.

حمزة كبر وبقى يروح الروضة، ولد زي الفل، عينيه مليانة ذكاء وشقاوة، وكل ما يكبر كل ما يبهت أثره القديم في قلبي ويتحول لحب مطلق للطفل اللي بقى كل دنيتي. رجعت كملت دراستي المفتوحة اللي كنت وقفتها أيام الجواز، وبدأت أشتغل في حضانة خاصة في البلد، ومنها لتفصيل وتطريز الهدوم اللي تعلمته من أمي. بقيت أعمل قرشي بأيدي، ومرفوعة الراس، لا مستنية نفقة تتأخر ولا منّة من حد. أبوي كان يبص لي وأنا قاعدة على ماكينة الخياطة في الليل والولد نايم جنبي، ويقول لي وهو بيعدل شاله: “الله يرضى عليكِ يا بتي، رفعتي رأسنا وصنتي نفسك، والقرش اللي ييجي بعرقك هو اللي فيه البركة.”

في الناحية التانية، كان الليل ما بيمشيش على القاهرة. جوزي السابق -اللي بقى بالنسبة لي مجرد ذكرى بعيدة- كان عايش في القاع اللي صنعته أمه بأيدها. الشقة الكبيرة اللي كانت سبب الفتنة بقت زنزانة متأخرة. أمه كبرت في المرض، الجلطة تمكنت من نص جسمها التاني، وبقت طريحة السرير، لا بتقدر تتكلم كلام مفهوم ولا تتحرك. كانت تقضي اليوم كله بتبص للسقف ودموعها نازلة، وكل ما تدور عينها في الأوضة وتشوف التراب والمكان المكركب، تفتكر النهار اللي وقفت فيه في وسط الأوضة وقالت لي: “أنزل نضفي شقة أختك ومينفعش تنزل تلاقيها كده وأنتِ موجودة زي القضاء والقدر!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *