تلاجة جديدة حكايات بسمة ١
حماتي قالت إن جوزي لازم يجيب لأخته تلاجة جديدة، وأنا كنت لسه مغيرة تلاجتي بعد ما حوشت تمنها سنين، فا جوزي بصلي بمنتهى البساطة وقال: —هنبيع بتاعتك ونجيب لها واحدة. فضلت باصة له ثواني، مش مصدقة اللي سمعته. قلت له: —بتاعتي أنا؟
رد كأنه بيتكلم عن كرسي قديم:
—آه يعني إيه المشكلة؟ إنتِ تستحملي شوية، وأختي محتاجة التلاجة دلوقتي.
ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة وقلت:
—أنا اللي حوشت تمنها من مرتبي، وأنا اللي كنت بشتغل ساعات إضافية عشان أجيبها. وإنت عايز تبيعها عشان أختك؟
دخلت حماتي في الكلام من غير حتى ما تستأذن:
—يا بنتي دي أخته! هو يعني لما يساعد أخته يبقى غلط؟ وبعدين التلاجة مش هتغلى عليكِ، إنتِ تقدري تعيشي من غيرها كام شهر.
بصيت لها وقلت:
—وأنا ليه أعيش من غيرها عشان هي تشتري واحدة جديدة؟
حماتي اتضايقت وقالت:
—إنتِ من ساعة ما اتجوزتي ابني وإنتِ بتحسبيه على كل حاجة!
الجملة دي وجعتني، خصوصًا إن أنا عمري ما حسبت جوزي على حاجة.
كنت دايمًا بعتبر فلوسنا فلوس بيتنا، وأي حاجة تخصه تخصني.
لكن واضح إن العكس ماكانش صحيح.
جوزي وقف قدام التلاجة وقال:
—خلاص يا سارة، ماتكبريش الموضوع. إحنا هنبيعها وخلاص.
بصيت له وقلت:
—طيب.
هو استغرب إني وافقت بسرعة.
حماتي ابتسمت بانتصار.
—أهو كده الكلام! الست العاقلة بتعرف تقف جنب أهل جوزها.
ما رديتش.
دخلت أوضتي، وقعدت على السرير.
فضلت أفكر في كلمة واحدة:
“هنبيعها.”
مش “نشتري لأختي من فلوسي”.
مش “أنا هدبر لها”.
لكن بكل بساطة، الحاجة اللي أنا تعبت سنين عشان أجيبها، بقت في نظرهم حق مكتسب لأخت جوزي.
تاني يوم، جوزي قال لي:
—في واحد هييجي يشوف التلاجة بالليل.
قلت له:
—تمام.
وبعدها سألته:
—والفلوس هتروح لمين؟
قال:
—لأختي طبعًا.
ابتسمت وقلت:
—ماشي.
دخل الحمام، وأنا طلعت موبايلي واتصلت برقم كنت محتفظة بيه من زمان.
—ألو، أستاذ محمود؟ أنا جاهزة.
الراجل سكت لحظة وقال:
—حضرتك متأكدة من القرار؟
قلت:
—أيوه. نفّذ زي ما اتفقنا.
تاني يوم، أخدت أجازة من الشغل وروحت مكان ماحدش من عيلتي يعرفه.
كنت بخلص إجراءات تخص حاجة اشتريتها من فلوسي من أكتر من سنتين.
حاجة كنت مخبياها عن جوزي مش عشان أخونه أو أعمل حاجة غلط…
لكن عشان كنت عارفة إنه لو عرف، ممكن يعتبرها حق للعيلة زي ما اعتبر تلاجتي حق لأخته.
رجعت البيت بالليل، لقيت حماتي وأخت جوزي قاعدين.
أخت جوزي كانت بتتكلم عن التلاجة الجديدة اللي اختارتها.
ولما شافتني قالت:
—معلش يا سارة، عارفة إن التلاجة بتاعتك جديدة، بس أنا فعلًا محتاجاها.
ابتسمت وقلت:
—ولا يهمك.
حماتي قالت:
—برافو عليكِ، كده بدأتِ تفهمي يعني إيه عيلة.
بصيت لجوزي وقلت:
—بالمناسبة… أنا موافقة نبيع التلاجة.
ابتسم.
لكن قبل ما يتكلم، كملت:
—بس مش عشان نجيب لأختك واحدة.
وشه اتغير.
—أمال؟
طلعت ورقة من شنطتي وحطيتها قدامهم على الترابيزة.
حماتي مسكتها وبصت فيها.
وبعد ثواني وشها اتغير تمامًا.
جوزي خطف الورقة من إيدها.
—إيه ده؟
قلت بهدوء:
—دي ملكية الحاجة اللي اشتريتها من فلوسي.
سكت.
وبعدين بصيت له وقلت:
—أنا فعلًا قررت أبيع حاجة.
حماتي قربت مني وقالت:
—هتبيعي إيه؟
ابتسمت وقلت:
—الشقة اللي باسمـي… واللي إنتوا فاكرين إنها باسم جوزي.
جوزي قام مرة واحدة.
—إنتِ بتقولي إيه؟!
بصيت له وقلت:
—بقول الكلام اللي كان المفروض يتقال من زمان. الشقة دي ملكي أنا، بعقد مسجل من سنتين، بالفلوس اللي أصلًا كنت بساعدك بيها في أول جوازنا واللي قولت لي إنك كتبتها باسمك عشان “المنظر قدام أهلك”.
السكوت كان يرعب. حماتي اللي كانت لسه مبتسمة بانتصار، إيدها بدأت تترعش والورقة تتهز في إيد ابنها. جوزي كان مذهول، عينيه بتتحرك بين الورقة وبين وشي، مش قادر يستوعب إن الست المطيعة الهادية اللي كانت بتهز رأسها وتقول “تمام” و”ماشي”، كانت في الحقيقة بتبني سقف يحميها في السر.
قال بصوت مبحوح ومصدم:
—أنتِ بتلعبي من ورايا يا سارة؟ أنتِ بتستغفليني؟
رديت بمنتهى الثبات وأنا بربع إيدي:
—أنا ما استغفلتش حد. أنت اللي أخدت تحويشة عمري وشقايا وكتبت الشقة باسمك بحجة إنك الراجل، وأنا وثقت فيك وسكت. لكن لما حسيت إن كل حاجة بعملها بتبقى حق مكتسب ليك ولأهلك، كان لازم أحمي نفسي. الأستاذ محمود اللي كلمته مبارح هو المحامي اللي سجل الشقة باسمي رسميًا بعد ما رجعت الحق لأصحابه بالقانون، والتأجير أو البيع بقى قراري أنا بس.
حماتي وقفت، وشها أحمر من الغضب وزعقت:
—أنتِ ست نكدية وخرابة بيوت! عايزة تطردي ابننا من بيته عشان خاطر تلاجة؟ أنتِ ما عندكيش أصل!
بصيت لها بابتسامة باردة جداً وقلت لها:
—الموضوع عمره ما كان تلاجة يا طنط. الموضوع إنكم شايفين إن شقايا ومجهودي وتدبيري ملهمش قيمة، وإن أي حاجة تخصني ممكن تتاخد مني ببساطة عشان تتوهب لغيري. ابنك أخد فلوسي وكتب بيها الشقة باسمه، والنهاردة عايز ياخد التلاجة اللي جيبتها بمرتبي يديها لأخته. بكره كان هيبيع إيه تاني؟
أخت جوزي قامت وهي مرتبكة ومتوترة، وقالت بصوت واطي:
—أنا.. أنا ماليش دعوة يا أبيه.. أنا ماشية.
جوزي ما بصلهاش حتى، كان مركز معايا، عيونه فيها مزيج من الغيظ، الخوف، والصدمة. قرب مني محاولاً يستعرض قوته وقال بصوت عالي:
—أنتِ فاكرة إنك كده أذيتيني؟ أنتِ مراتي، ومهما عملتي الشقة دي بيتي، وما تقدرينش تخرجيني منها ولا تبيعيها!
طلعت فوني وحطيت صبيعي على شاشته وقلت له:
—الراجل اللي هييجي تشوف معاه التلاجة بالليل، أنا غيرت ميعاده. في مشتري تاني هييجي بكرة الصبح يعاين الشقة كاش. وأنا قدامي مهلة أسبوع أفضّي البيت، أو تدفع لي تمن الشقة بالكامل كاش فوراً، بتقرير تقييم عقاري حقيقي مش بالصوت العالي.
حماتي صرخت:
—والله لأخلي ابن يربيكِ ويطلقك وترجعي لبيت أهلك بشنطة هدومك!
بصيت لجوزي وقلت له:
—قرار الطلاق ده أسهل حاجة ممكن تتاخد دلوقتي، بس قبل ما يفكر فيه، خليه يحسب حساب الفلوس اللي عليا والديون اللي سدادتها عنه والورق اللي معايا بيثبت كل قرش دخل البيت ده.
جوزي قعد على الكرسي حاطط إيده على دماغه، مش قادر ينطق كلمة. الغرور والتسلط اللي كان بيتكلم بيهم عن التلاجة اختفوا تماماً، وحل محلهم إدراك مر إنه قدام ست مش هتسمح لحد يستغلها تاني.
وقف وبص لي بعيون مليانة حيرة وقال:
—أنتِ هدمتي كل حاجة يا سارة عشان تلاجة؟
رديت وأنا ماشية ناحية أوضتي وبقفل الباب:
—أنا ما هدمتش حاجة.. أنا بس عرفتكم حجمكم الحقيقي في حياتي.
قفلت الباب ورايا بالمفتاح، وسبتهم في الصالة يتوشوشوا ويتخانقوا مع بعض، وأنا قاعدة على السرير لأول مرة من سنين حاسة بقمة الهدوء والحرية.
الصوت في الصالة بره كان عامل زي خناقة مكتومة. حماتي كانت بتصرخ بصوت واطي عشان الجيران ما يسمعوش، وجوزي كان بيحاول يهدّيها لكن نبرة صوته كانت مكسورة تماماً. لأول مرة من يوم ما اتجوزت، أسمع حماتي بتلوم ابنها وبتقول له: “أنت السبب! إزاي تسيبها تعمل كدة من ورايا؟ إزاي تسيب الورق معاها؟”.
قعدت على السرير، حاطة إيدي على ركبتي، وبصيت للتلاجة الصغيرة اللي كانت في أوضتي قبل ما نجيب التلاجة الكبيرة. افتكرت كل مرة كنت بضغط فيها على نفسي، كل ساعة شغل إضافية، وكل مرة كنت برفض أشتري لنفسي حاجة حلوة عشان “نوفر لبيت نومنا”. افتكرت إزاي كان بيشوف تنازلي ده ضعف، وإزاي أهله اعتبروا حقي استباحة.
فجأة، الخبط على باب الأوضة بدأ. مش خبط عالي، لكن خبط متوتر.
—سارة.. افتحي، لازم نتكلم.
ما رديتش. قمت بهدوء، فتحت الدولاب وطلعت شنطة كبيرة، وبدأت ألم فيها أوراقي المهمة، شهادة ميلادي، عقود الحسابات البنكية، والذهب اللي كنت شرياه من شغلي الخاص والمحتفظة بفواتيره باسمي.
الخبط زاد، وجوزي نادى بصوت أهدى بكثير من نبرته الأولى:
—سارة، عشان خاطر ربنا افتحي. أمي وأختي مشيوا، تعال نتكلم كبار.
فتحت الباب. كان واقف وشة أصفر، عيونه زايغة، وشكله مهزوم بشكل ما شوفتوش بيه قبل كدة. يبدو إن أمه لما حسّت إن الموضوع بجد وأن الشقة ممكن تروح، سابته ومشيت وهي زعلانة منه هو بالذات لأنه “ما عرفش يسيطر على مراته”.
قعدت على طرف الكنبة في الصالة وقلت له بهدوء:
—أنا سامعاك. قول اللي عندك.
قعد قدامي، وحط إيده على ركبه، ونزل رأسه للأرض.
—أنتِ بجد هتبيعي الشقة؟ أنتِ عايزة تخربي بيتنا وتفضحيني قدام أهلي والناس؟
قلت له ونبرتي خالية من أي انفعال:
—مين اللي بدأ يخرب البيوت يا خالد؟ مين اللي وقف قدام أمه وسابها تعاملني كإني خادمة مالهاش رأي؟ مين اللي جه ببال مرتاح وقال لي “هنبيع حاجتك ونديها لأختي” وكأن مجهودي وسهر الليالي ده مالوش قيمة؟ أنت اللي فضحت نفسك لما اعتبرت مراتك مالهاش حق، ولما كتبت شقتي اللي مدفوع تمنها من شقايا باسمك عشان “المنظر”، وأنا اليوم بس استرديت حقي.
رفع رأسه وبص لي بغيظ مكتوم:
—بس أنا جوزك! الفلوس اللي بيننا مش حاسب وحاسبيني! أنتِ نسيتي إننا بيت واحد؟
ضحكت بمرارة:
—بيت واحد؟ لما تكون عايز تاخد مني يبقى بيت واحد، ولما أطلب حقي أو أرفض إنك تفرّط في حاجتي تبقي “حاسبي وبتحسبي عليا”؟ الست العاقلة اللي أمك كانت بتتكلم عنها مش هي الست المغفلة يا خالد. أنا صبرت وسكتّ وعملت نفسي مش فاهمة حركة العقد اللي عملتها من سنتين، وقلت بكرة يعقل ويقدر.. لكن أنت واجهت صبري بالطمع.
سكت شوية، وبعدين قال بصوت محشرج:
—طب والحل إيه دلوقتي؟ المحامي اللي كلمتيه ده بجد؟ والشقة هتتباع؟
طلعت الفون، ورّيته مسج من المحامي فيها ميعاد المعاينة بكرة الساعة 10 الصبح، مع اسم المشتري والمبلغ المعروض.
عينيه وسعت من الصدمة:
—أنتِ متفقة على كل حاجة من بدري؟
—أنا جهزت الورق من يوم ما حسيت إن وجودي معاك بقيمتي المشروطة بس. لما حطيت رجلك على خط أحمر، الدرب كان جاهز. أنت قدامك خيارين مالهمش تالت يا خالد: يا إما تجيب تمن الشقة الحقيقي كاش وتسجّلها باسمي ونعيد كتابة كل حاجة في حياتنا بشروط جديدة، يا إما المشتري هييجي بكرة يسلمني العربون، وأنا ألم هدومي وأمشي، وأنت تدور لك على بيت تاني تقعد فيه أنت وأهلك.
قام وقف وهو بيضرب كف بكف، ويتنفس بصعوبة:
—أنتِ بتتشرطي عليا؟ أنتِ بتلوي دراعي؟
قمت وقف قصاده، وبصيت في عينيه بثبات يهد الجبال:
—أنا مش بلمس دراعك حتى.. أنا بحط حد للإنهاك اللي عشته معاك. والتلاجة؟ الراجل اللي جاي يشوفها بالليل؟ أنا اتصلت بيه ولقيت إنه مش هييجي.. لأني لغيت البيعة. التلاجة دي هتفضل هنا، أو هتطلع معايا لبيتي الجديد.. لكن مش هتروح لأختك.
مشيت خطوتين ناحية الأوضة، وقبل ما أدخل التفت له وقلت:
—قدامك لحد بكرة الصبح الساعة 9. لو ما حسابتنيش بالورق والقانون، المشتري هيكون هنا الساعة 10.. والقرار قرارك.
قفلت الباب، وسبته واقف في الصالة الضلمة، بيسمع صوت عقارب الساعة وهي بتعد الثواني اللي فاضلة له.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
