عمي زهرة الربيع ١
حاول دفع خالي، لكن خالي كان أضخم منه وأشد بأسًا، فقبض على دراع عمي بقوة وقال:
“لو راجل ومفيش في ذمتك حاجة، اقعد واشرب كوباية شاي واستناني لحد ما أرجع من المعمل. ساعتها لو طلعت لحمة بقر زي ما بتقول، هاجي أركع تحت رجلك وأبوس رأسك وأستسمحك قدام العيلة كلها. لكن لو طلعت حاجة تانية.. حسابك معايا ومع ربنا هيبدأ النهاردة.”
تحولت ملامح عمي في لحظة خاطفة من التوسل إلى الذعر القاتل. نظرت إليه، ورأيت قطرات العرق البارد تتصبب من جبهته رغم برودة الجو. استغل لحظة ارتباك الجميع، ودفع خالي بقوة غير متوقعة، ثم كسر زجاج الطاولة الجانبية وصنع هرجًا ومرجًا في الصالة، وجري نحو الباب الخارجي. فتح الباب وخرج يركض على الدرج كالمجنون، يتهادى ويسقط ثم يقوم ليواصل الركض في ظلام الليل!
ساد الصمت البيت، صمت ثقيل ومحمل بالرعب. قعدت أمي على الأرض تصرخ وتلطم خدودها، وعمتي جلست تبكي بحرقة وهي تتذكر السنين الخمس الماضية، وكل جمعة كان يدخل علينا فيها عمي عبد الصمد وهو يحمل الكيسين الأسودين الثقيلين.
قال خالي وهو يغلق الباب بخيبة أمل ورعب:
“أنا ماشي للمعمل.. محدش يلمس حاجة في الثلاجة، ومحدش يفتح الباب لأي حد.”
مرت الساعات التالية كأنها أدهار. كان الليل يمر بطيئًا وقاسيًا. جلسنا في الصالة نتبادل النظرات الفازعة. كنت أفتكر كل مرة أكلت فيها من هذا اللحم.. طعمه الثقيل، عدم وجود أي دهن فيه، لونه الأحمر القاني الصافي، والساعات الطويلة التي كان يحتاجها على النار كي ينضج. كيف كنا نفرح بـ “الكرم” الزائف؟ كيف كنا ندعو له على موائدنا بينما كان يطعمنا من هذا السر المظلم؟
في تمام الساعة الثالثة فجرًا، سمعنا خطوات سريعة تصعد السلم. قفزنا جميعًا من أماكننا. فتحت أمي الباب بفتحة صغيرة، فكان خالي أحمد.
دخل خالي، لكنه لم يكن الخالي الذي خرج قبل ساعات. كان جسده يرتجف، وعيناه زائغتان، وفي يده ورقة مطوية يضغط عليها بيده حتى كادت تمزق. أغلقت أمي الباب خلفه وهرعت إليه:
“إيه يا أحمد؟ قول الله يخليك.. الورقة دي فيها إيه؟ اللحمة دي إيه؟”
جلس خالي على الأريكة، وسقطت الورقة من يده على الطاولة. وضع كفيه على وجهه وظل يئن بصوت مكتوم، كأنه يحاول طرد كابوس بشع من رأسه.
