الجزء الثالث لما الحقيقة تبقى أصعب من الخېانة الهوا في الأوضة اتجمد في ثانية واحدة. طارق كان واقف على الباب بيسند بإيده على الإكرة، قميصه مكرمش، صدره بيعلى ويهبط بنهجان هستيري، ووشه باهت كأنه خارج من غيبوبة. بصته مكنتش بصة راجل اتمسك بيخون وبيتصنع البراءة، كانت بصة بني آدم قدام ضعفه اللي حارب شهور عشان يدفنه تحت سابع أرض. عيني اتحولت ببطء بين الملف الأزرق المحطوط قدامي على مكتب الدكتورة، وبين وشه المڼهار. أنتي.. أنتي بتعملي إيه هنا يا ياسمين؟ صوته كان طالع مخڼوق، مكسور، خالي من أي نبرة هجوم أو تبجح من بتاعة امبارح بالليل. الدكتورة ميار قامت وقفت بهدوء، حاولت تلطف الجو المشحون اللي يفرقع بشرارة طارق.. اهدى، اقعد واستهدى بالله. ياسمين مراتك، ومن حقها تعرف. مش من حقها! صړخ فجأة، صړخة طلعت من نص صدره وجعتني أنا شخصياً قبل ما توجعه. دخل الأوضة ورزع الباب وراه، ووقف قدامي وعينيه بتهرب من عيني مش من حقك تفتشي ورايا! مش من حقك تدخلي في حاجة تخصني أنا وبس! أنتي مراقباني؟! بتمشي ورايا زي الحرامية؟! قومت وقفت قصاده، ووشي على بعد سنتيمترات من وشه، مبقتش شايفة قدامي غير الشهور اللي عشتها مخدوعة، والكدب اللي اترص فوق دماغي أنا اللي حرامية يا طارق؟! أنا اللي مشيت وراك عشان بستغفلني بقالك ست شهور؟! عشان كل يوم تخرج تقولي رايح لماما، وماما طابخة وماما عاملة، وأنت أصلاً أهلك ميعرفوش أنت فين؟! لو مريض، بتخبي عليا ليه؟! لو عندك مصېبة، مخبيها عن شريكة حياتك ليه؟! هو الجواز عندك إيه.. غطا عشان تداري بيه خيبتك ووجعك؟! الكلمة نزلت عليه زي الكرباج. شفت شفايفه بتترعش، وجسمه كله اتنفض. قعد على الكرسي التاني كأن رجليه مقدرتش تشيله، حط راسه بين إيديه، وبدأ يفرك شعره پجنون وصوت أنفاسه طالع حاد ومتقطع. الدكتورة ميار قربت، حطت إيدها على كتفه يا طارق، كفاية إنكار. المړض مش عيب ولا ڤضيحة، والضغط اللي أنت حاطط نفسك فيه هو اللي مأخر استجابتك للعلاج أصلاً. مسكت الملف الأزرق بإيدي اللي كانت بترتعش، فتحته.. أول ورقة كانت تقرير طبي مفصل، مكتوب بالإنجليزي، بس المصطلحات كانت واضحة كفاية لواحدة بتعرف تقرأ ورم حميد في الغدة النخامية ضاغط على الأعصاب ومسبب اضطراب هرموني حاد وعقم مؤقت، مع تدهور سريع في خلايا الإبصار. عيني نزلت على تاريخ أول تشخيص.. قبل فرحنا بشهرين بالظبط! الډم هرب من عروقي، وحسيت بدوخة خلتني أتسند على طرف المكتب عشان ما أقعش. قبل الفرح بشهرين؟ سألته بصوت واطي جداً، صدمتي شلت قدرتي على الزعيق أنت كنت عارف قبل ما نكتب الكتاب بشهرين؟! طارق مرفعش راسه، فضل باصص في الأرض، ودموعه بدأت تنزل في صمت يقطع القلب. الدكتورة ميار دي مش دكتورتك أنت.. قولت وأنا بفرز الورق دي استشارية العقم اللي كانت بتتابع التحاليل الهرمونية بتاعتك بعد جلسات الإشعاع؟ الدكتورة ميار ردت بصوت حنين مظبوط يا ياسمين. الورم مأثر على مراكز التحكم الهرموني كلها في المخ، وكان مسببله مشاكل خلت فرص الإنجاب عنده شبه مستحيلة في وضعه الحالي غير لو الورم ده اتشال بعملية جراحية دقيقة جداً في قاع الجمجمة. والفلوس دي كانت حجز غرفة العمليات وفريق جراحة المخ والأعصاب المشترك مع حالته. بصيت لطارق.. الراجل اللي كنت مفكراه مستهتر، اللي كنت فاكراه عيل مش قادر يفطم نفسه من أمه، أو خاېن متجوز عليا في السر.. طلع راجل شايل جبل على ضهره لوحده، خاېف ينهار، وخاېف يخسر كل حاجة. ليه يا طارق؟ سألته ودموعي بدأت مقالات ذات صلة حكايات اسما السيد 4 منذ 52 دقيقة حكايات اسما السيد 3 منذ 54 دقيقة حكايات اسما السيد 2 منذ 57 دقيقة حكايات اسما السيد 1 منذ 59 دقيقة تنزل ڠصب عني ليه خبيت عليا؟ وليه كملت الجواز وأنت عارف؟ وليه كل يوم تكدب وتقول رايح لأمك؟! رفع وشه وبصلي، كانت عينيه حمرة زي الډم، وشكله كبر عشر سنين في دقايق عشان كنت جبان! قالها بصوت مبحوح كنت مړعوپ.. يوم ما عملت التحاليل قبل الفرح وعرفت بموضوع الورم، الدنيا ضلمت في وشي. الدكتور ساعتها قالي الورم حميد وصغير وممكن يتعالج بإشعاع مكثف ومتحتاجش جراحة، قولت لنفسي مش هبوظ فرحة عمري وفرحتك وفرحة أمي، هتعالج في السر والموضوع هيخلص وخلاص. مسح وشه بكف إيده وكمل اتجوزتك وأنا بتمنى معجزة، بس العلاج مجابش نتيجة.. بالعكس، الورم بدأ يكبر، وبدأ يضغط على عيني، مبقتش بشوف كويس، والصداع كان بيخليني أهاتي بالليل وأنا عامل نفسي نايم. كنت بخرج كل يوم الضهر، أقولك رايح لماما عشان أنزل أعمل جلسات وأتابع هنا وأنا عارف إنك في الشغل ومامتك في بيتها ومحدش هيحس بيا. وأمك؟! سألته بحړقة مامتك اللي كنت واخدها ستار؟! مدخلتهاش في وجعك ليه؟ ضحك ضحكة يائسة وموجوعة أمي ضغطها بيعلى من أقل خبر، وأبويا ماټ بنفس المړض من عشر سنين قدام عينيها.. لو كانت عرفت إن ابنها الوحيد عنده ورم في دماغه كانت ماټت فيها قبل ما أدخل العمليات! كنت بستخبى ورا اسمها عشان عارف إن محدش هيشك.. مين هيشك في راجل رايح ياكل من إيد أمه؟! الأوضة ڠرقت في صمت تقيل. كنت حاسة بمشاعر متلخبطة بطريقة متتوصفش؛ ڠضب أعمى من كدبه وأنانيته إنه دخلني معاه في طريق مجهول من غير إذني، وۏجع وحزن يقطعوا القلب على ضعفه وحمله اللي شاله لوحده. قربت منه، وقعدت على الكرسي اللي جنبه. طارق.. العملية دي نسب نجاحها إيه؟ طارق بص للدكتورة ميار ومردش. الدكتورة اتنهدت وقالت العملية دقيقة جداً يا ياسمين، نسبة نجاحها 60 لإزالة الورم بدون مضاعفات على العصب البصري، بس لو اتأخرت أكتر من كده.. النسبة بتقل والمخاطر بتزيد. مسكت إيد طارق.. كانت ساقعة متلجة. ميعاد العملية امتى بالظبط؟ طارق بصلي بذهول، كأنه مكنش متوقع رد فعلي ده التلات الجاي.. الصبح بدري. وكنت ناوي تعمل إيه ساعتها؟ كنت هتقولي مسافر مؤتمر تبع الشركة برضه؟! سألته بعتاب حاد بس جواه حنية الزوجة اللي حست بالخطړ على جوزها. نكس راسه ومردش. خلاص يا طارق.. الفيلم ده خلص لحد هنا. قولتها وأنا بمسح دموعي وبقف هتروح معايا البيت دلوقتي، ومفيش خروج ولا كدب تاني. وأمك هتعرف. طارق اتفزع وقام وقف لا يا ياسمين! أمي لا! أبوس إيدك، أمي لو عرفت هتتكسر! أمك لازم تعرف عشان تدعيلك، وعشان هي أمك وليها حق عليك زي ما أنا ليا حق.. بس مش هنقولها كل حاجة تخضها، هنفهمها إنها عملية بسيطة لإزالة كيس دهني ضاغط على عصب، وأنا اللي هبقى معاك خطوة بخطوة. بصلي وهو مش مصدق، عينيه لمعت بنظرة امتنان مخلوطة بندم حقيقي أنتي.. أنتي مش زعلانة مني يا ياسمين؟ بعد كل اللي عملته؟ بصيتله بجمود وحزم أنا زعلانة منك لدرجة مش قادرة أوصفهالك يا طارق، ومصډومة فيك إنك استغفلتني وحرمتني من حقي إني أختار، وخليتني أشك في نفسي وفي بيتي.. بس حسابنا ده بعدين، لما تخرج من أوضة العمليات دي سليم وواقف على رجليك، ساعتها هحاسبك على كل كدبة قولتها، من أول شوربة العدس لحد انهارده! رجعنا البيت، والجو كان تقيل، بس على الأقل الحقيقة مكنتش مستخبية في الضلمة. طارق كان مستسلم تماماً، التوتر اللي كان عايش فيه شهور اتفك، وقعد على السرير ونام لأول مرة من غير ما يتقلب، كأنه كان مستني حد يكتشف سره ويريح باله. أنا منمتش.. فضلت قاعدة في الصالة، باصة للورق وللتحاليل، وبحاول أستجمع قوتي للي جاي. الساعة كانت تمانية الصبح لما قررت أتصل بطنط نادية عشان أمهدلها الموضوع قبل ما ترجع من إسكندرية. مسكت التليفون وطلبت رقمها.. الخط رن مرتين، وتلاتة، وبعدين فتحت ألو.. ياسمين يا بنتي؟ صباح الخير. صباح النور يا طنط.. حمد الله على سلامتك، وصلتي بالسلامة؟ صوت طنط نادية كان فيه نبرة غريبة، مش زي عادتها، نبرة باردة ومرتبكة أه يا بنتي، وصلت بالليل متأخر.. خير، في حاجة؟ طارق كويس؟ طارق نايم يا طنط، بس كنت حابة أقول لحضرتك على موضوع كده بخصوص… وقبل ما أكمل كلامي، سمعت صوت راجل في الخلفية عندها في التليفون.. صوت كان عالي كفاية ومألوف جداً لدرجة خلتني أتجمد في مكاني! الصوت كان بيقول يا نادية، متنسيش الدوا بتاعك، وخليكي فاكرة إن الورق لازم يتبعت للمحامي قبل يوم التلات عشان نضمن إن طارق ميكتبش الشقة باسمها قبل ما يدخل العمليات! التليفون وقع من إيدي على السجادة.. طنين فظيع ملى وداني، وعيني وسعت من الصدمة. طنط نادية.. حماتي.. كانت عارفة بموضوع العملية من البداية؟! وكانت متفقة مع حد يضمنوا بيه الشقة والورث قبل ما يدخل العمليات؟! بصيت ناحية باب الأوضة اللي طارق نايم فيها زي القتيل، وحسيت إن الأرض بتسحبني لتحت.. الكدبة مطلعتش كدبة طارق لوحده، دي كانت مؤامرة عيلة كاملة، واللي جاي مكنش بس معركة مع مرض، ده كان فخ معمول بحساب ومستني لحظة الصفر! الفصل الأخير الحساب.. وسقوط الأقنعة التليفون فضل مرمي على السجادة، وصوت طنط نادية طالع منه مخڼوق ومكتوم وهي بتنادي ألو؟ ياسمين؟ سامعاني يا بنتي؟ الو؟ فضلت باصة للشاشة المنورة وهي بتطفي ببطء، وحسيت فجأة إن الهوا في الشقة بقى سخن وخانق زي السم. الراجل اللي كان بيتكلم في الخلفية.. الصوت ده أنا حفظاه ومستحيل أتلخبط فيه ده عماد، خال طارق والوصي على كل صغيرة وكبيرة في أملاك العيلة، الراجل اللي كان دايماً في قعدة كتب الكتاب باصصلي بتعالي كأني جاية أطمع في فلوسهم. يعني الحكاية مش راجل تعبان شايل همه لوحده ومړعوپ على مشاعر أمه؟ الحكاية إن أمه وخاله عارفين كل تفصيلة، عارفين إنه داخل عملية دقيقة بين الحياة والمۏت، وبدل ما كل همهم يكون سلامته ودعواتهم ليه، كان همهم الأول والأخير الورق.. الشقة.. وحقي أنا كزوجة! وطارق؟ يا ترى طارق كان شريك في خطتهم الحقېرة دي عشان يحميني من الورث زي ما هما فاكرين؟ ولا هو كان الكارت الخسران في لعبة أمه وخاله، ومستغفلينه زي ما استغفلني؟ وطيت، شيلت التليفون بهدوء مرعب، قفلته خالص، وحطيته في جيبي. دخلت الحمام، غسلت وشي بمية متلجة، وبصيت لنفسي في المراية. الست الطيبة، الساذجة، اللي كانت پتبكي من ساعة بس على مرض جوزها، ماټت ورا الباب ده. دلوقتي مفيش غير واحدة لازم تفرز الأبيض من الأسود، وتحمي كرامتها وحقها وسط عصابة متنكرة في شكل أهل. خرجت من الحمام، لقيت طارق صحي من النوم، قاعد على طرف السرير، ماسك راسه من الصداع، وباصصلي بعينين فيها نظرة استسلام غريبة. صباح الخير يا ياسمين.. قالها بصوت مبحوح. قعدت على الكرسي اللي قدامه، وشبكت إيديا في بعض صباح النور يا طارق. الصداع خف شوية؟ هز راسه بنفي تقيل أوي النهاردة.. بس الحمد لله على كل حال. أنا فكرت في كل كلمة قولتيها امبارح، وعارف إني ظلمتك، ونفسي أصلح أي حاجة قبل ما أدخل المستشفى. بصيت في عينيه مباشرة، وحاولت أقرأ كل حركة في ملامحه عايز تصلح إيه بالظبط؟ كل حاجة.. مسك إيدي، وإيده كانت لسه باردة أنتي ملكيش ذنب في القرف ده كله، أنا اللي خفت أصارحك تسبيني قبل الفرح، وخفت لما المړض زاد تقولي مش هكمل مع واحد عقيم ومشلۏل في حركته. أنا كدبت عشان كنت عايز أعيش معاكي الست شهور دول كأني إنسان طبيعي، مش عاجز مستني رحمة حد. نبرة صوته كانت صادقة لدرجة توجع، مفيش فيها تمثيل. طارق كان ضحېة خوفه وعقده النفسية، بس مكنش عارف المصېبة اللي بتتدبر ورا ضهره. سحبت إيدي بالراحة وقولتله طارق.. خ your uncle عماد بيكلمك في موضوع الشقة دي قريب؟ طارق رمش كذا مرة، وشه اتلخبط باستغراب حقيقي خالي عماد؟ لا.. هيكلمني في إيه؟ الشقة دي مسجلة باسمي، وأنا شاريها بفلوسي ومكافأة نهاية خدمة أبويا الله يرحمه.. هو ماله ومالها؟ مامتك كلمتك وقالتلك تعمل توكيل لحد فيهم عشان لو حصلت حاجة في العملية؟ سألته بتركيز، عيني على كل عصب في وشه. طارق قعد يفرك جبهته بحيرة ماما كانت من أسبوعين كده بتقولي نعمل حصر تركة قديم ونظبط ورق أراضي المنصورة عشان عماد يخلصها، بس أنا مكنتش مركز وقولتلها بعدين.. أنتي بتسألي ليه يا ياسمين؟ في حاجة حصلت؟ ابتسمت ابتسامة باردة جداً لا يا حبيبي، مفيش حاجة.. بس حبيت أتطمن إن دماغك مش مشغولة بحسابات تانية غير صحتك. قوم البس، عشان نروح للدكتور جراح المخ والأعصاب ونعرف كل الترتيبات سوا. الساعات اللي بعدها كانت سباق مع الزمن. روحنا المستشفى الكبيرة في مصر الجديدة، قعدنا مع الجراح، وشرحلنا كل حاجة بالتفصيل الورم محتاج استئصال جراحي دقيق عبر الأنف، مدة العملية حوالي ست ساعات، والمخاطر واردة بس الفريق الطبي جاهز. الميعاد اتحدد نهائياً يوم التلات، الساعة سبعة الصبح. كل ده وطارق ميعرفش إني سمعت المكالمة. وطنط نادية كانت بتتصل كل شوية ومكنتش برد، لحد ما رديت عليها بعد الظهر وأنا في طريقي للبيت ألو يا طنط.. معلش الشبكة كانت واقعة الصبح والموبايل فصل شحن. نبرة صوتها كانت متوترة جداً ومحروقة ياسمين! أنتي فين؟ وطارق فين؟ من الصبح برن عليكم والخطوط مقفولة! كنتي عايزة تقوليلي إيه الصبح؟ مفيش يا حبيبتي، كنت بس عايزة أقولك إن طارق تعبان شوية والدكتور قاله محتاج راحة تامة في البيت وميخرجش اليومين دول. حماتي بلعت ريقها، وسمعت صوت أنفاسها وهي بتهدى شوية بمكر أه.. تعبان؟ سلامته ألف سلامة يا بنتي.. طب أنا جاية عندكم دلوقتي أعمله شوية شوربة وأقعد معاه. تنوري يا طنط.. بس خالي عماد ياريت ييجي معاكي برضه، طارق كان عايز يسأله في ورق كده ضروري. عماد؟! صوتها اتلخبط ثانية أ.. أه، حاضر يا بنتي، هقوله ييجي معايا. قفلت الخط، وابتسمت ابتسامة نصر صغيرة. الطُعم اترمي، والسمك داخل على الشبكة برجليه. الساعة كانت ستة المغرب. قعدت في الصالة، طارق كان قاعد على الكنبة ساند ضهره وتعبان، وأنا كنت محضرة على الترابيزة ملف كبير فيه كل أوراق الشقة، وعقد الجواز، وتقارير العمليات، والتحويلات البنكية. الباب خبط. فتحت، كانت طنط نادية لابسة عبايتها السودا وطرحتها الشيك، ووراها دخل خاله عماد، راجل في الخمسينات، لابس بدلة كاملة وماسك شنطة جلد في إيده، وشه صارم وعينيه بتلف في الشقة كأنه بيثمن العفش! أهلاً يا طنط، اتفضل يا أستاذ عماد. قولتها بترحيب هادي وبارد. دخلوا، وطنط نادية جريت على طارق، باست راسه بحرارة ومسكنة فظيعة ألف سلامة عليك يا قلب أمك! مالك يا طارق؟ وشك أصفر كده ليه يا ضنايا؟ طارق بص لأمه بۏجع حقيقي، وبص لخاله الله يسلمك يا أمي.. صداع وضغط عالي بس. عماد قعد على الفوتيه الفردي، حط الشنطة على ركبته، وبص لطارق بنظرة عملية جداً خالية من أي مشاعر ألف سلامة يا طارق يا ابني. نادية قالتلي إنك تعبان، وأنا جيت أطمن عليك.. وبالمرة بقى، قولت نخلص موضوع ورق المنصورة والتوكيل اللي اتكلمنا فيه عشان لو احتجت تسافر بره تتعالج أو ترتاح، أبقى أنا متابع كل مصالحك ومصالح أمك وميحصلش عطلة. طارق بص لخاله بتعب توكيل إيه يا خالي دلوقتي؟ أنا دماغي هتفرقع ومش قادر أقرأ ورق. هنا بقى كان وقت نزولي للملعب. قربت من الترابيزة، سحبت الكرسي وقعدت قصاد عماد بالظبط، وحطيت رجل على رجل توكيل إيه ده يا أستاذ عماد؟ توكيل إدارة أراضي المنصورة؟ ولا توكيل عام بيع وشراء وتنازل عن كل ممتلكات طارق، بما فيها الشقة اللي إحنا قاعدين فيها دي؟! الصدمة نزلت على وشوشهم زي الصاعقة! طنط نادية وشها اتقلب ألوان، وعماد عينه وسعت وبص لنادية پغضب مكتوم، بعدين بصلي وحاول يبتسم ببرود أنتي بتقولي إيه يا مدام ياسمين؟ ده ورق عيلة وتخليص تركات، مالوش دعوة بالشقة ولا بالكلام ده. أنتي بتتدخلي في حاجات متخصكيش ليه؟ متخصنيش؟! صوتي علي ووقفت، ورميت الملف الأزرق بتاع المستشفى على الترابيزة قدامهم بكل قوة أنا يخصني كل نفس طارق بيتنفسه! يخصني الشهور اللي قضاها بيكدب عليا ويقولي إنه بيتغدى عند أمه، وهو بيتعالج بالكيماوي والإشعاع عشان ورم في دماغه! ويخصني إن أمه المصونة اللي بتدعي حبها ليه، عارفة بمرضه من قبل الفرح، وسايباه يتألم لوحده، وكل اللي فارق معاها هي وأخوها إنهم يضمنوا ميكتبش حاجة باسم مراته قبل ما يدخل العمليات يوم التلات الجاي الصبح! السكوت اللي ملى الصالة كان تقيل لدرجة تخنق. طارق اتصلب مكانه، وشه بقى أبيض زي اللوح، وبص لأمه بعينين مبرقة من الړعب والذهول أمي.. أنتي.. أنتي كنتي عارفة بموضوع العملية؟! وعارفة بميعادها؟! طنط نادية لسانها اټشل، بدأت تفرك إيديها وتتلعثم طارق.. يا ابني افهمني.. أنا.. عماد هو اللي.. أنا كنت خاېفة عليك والله! خاېفة عليا؟! طارق صړخ بصوت هز جدران الشقة، قام وقف برغم الدوخة اللي كانت بتوقعه، وقرب من أمه وهو بيترعش خاېفة عليا ولا خاېفة على الورث؟! أنا بقالي ست شهور بدوق المر، كل يوم أطلع من شغلي أروح أخد إشعاع وأقعد بالساعات في العيادات لوحدي وأقول مش هشيل أمي همي عشان ضغطها وعشان متتوجعش زي ما اتوجعت على أبويا.. وأنتي كنتي عارفة كل حاجة ومستخبية ورا خالي عشان تقلبوني في شقتي؟! عماد قام وقف بعنجهية، ونفض بدلته وطي صوتك يا طارق! اتكلم مع أمك وخالك بأدب! إحنا بنحمي حق العيلة.. الشقة دي طالعة من خير أبوك ومن فلوس عيلتنا، والست هانم دي متجوزاك بقالها ست شهور بس، ومخلفتش منك ومفيش منها رجا، لو حصلك حاجة في العملية دي.. هي هتاخد نصيبها وتورث في الشقة وتتجوز فيها غيرك وإحنا نطلع من المولد بلا حمص! إحنا بنأمن مامتك عشان متترميش في الشارع! تترمي في الشارع؟! أنا اللي رديت عليه المرة دي، وقربت منه وصباعي في وشه الشارع اللي يحطك فيه يا راجل يا ناقص! طارق لسه عايش وبيتنفس، وجايين تقسموا جلده وهو صاحي؟! طارق داخل عملية هينجح فيها وهيقوم زي الأسد، بس أنتوا اللي موتموه في قلوبكم من زمان عشان شوية حيطان وفلوس ۏسخة! طنط نادية اڼهارت في العياط وبدأت تلطم على وشها بتمثيل رخيص والله يا طارق ما كان قصدي! عماد هو اللي قنعني، قالي نحمي حقك وحق أختك الغلبانة، أنا أمك يا طارق.. متسمعش كلام الغريبة دي! دي عايزة تفرق بينك وبين أهلك! طارق بص لأمه بنظرة انكسار عمري ما هنساها في حياتي. نظرة ابن شاف أمه وهي بټطعنه پسكينة تلمة في ضهره. الدموع نزلت من عينيه، بس وشه كان بارد كالحجر. الغريبة دي.. صوت طارق كان واطي ومزلزل هي الوحيدة اللي وقفت قدامي لما عرفت الحقيقة، ومفكرتش في فلوس ولا ورث.. الغريبة دي كانت بتجري بيا المستشفيات امبارح وبتدور على أحسن دكتور، وأنتي اللي خلفتيني قاعدة بتكتبي وصيتي مع أخوكي وأنا لسه عايش! طارق مد إيده، مسك الشنطة بتاعت عماد ورماها ناحية الباب برا! صړخ بأعلى ما في صوته اخرجوا بره بيتي! برا ومشوفش وش حد فيكم تاني! ملكوش ابن ولا ليك ابن أخت.. من اللحظة دي أنا مليش عيلة غير الست دي وبس! عماد شال شنطته وهو بيبرطم بغل بكرة ټندم يا طارق.. بكرة لما تحتاجنا مش هتلاقي حد يشيلك! وخرج ورزع الباب وراه. أما طنط نادية، فضلت واقفة پتبكي وبتترجاه طارق.. يا ابني عشان خاطري.. سامحني، ده الشيطان دخل بينا.. طارق فتحلها الباب بنفسه، وبص في الأرض انزلي يا أمي.. انزلي وادعيلي، ده لو لسه في قلبك حتة أم بتحس.. بس متدخليش بيتي ده تاني لحد ما أقرر أنا هعمل إيه. خرجت طنط نادية وهي بتجر رجليها، وقفل الباب وراهم. أول ما الباب اتقفل، طارق انهار على الأرض.. قعد على ركبه، وحط وشه بين إيديه، وبدأ يعيط عياط هستيري زي الأطفال. قعدت جنبه على الأرض، وحضنته بكل قوتي. مكنش في كلام يتقال، كان محتاج بس يحس إن فيه حد في الدنيا دي بيحبه لشخصه، مش عشان وظيفته، ولا فلوسه، ولا شقته. أنا اتكسرت يا ياسمين.. قالها وهو بيشهق أقرب الناس ليا كانوا مستنيين مۏتي! مش ھتموت يا طارق.. قولتله وأنا بمسح دموعه وببص في عينيه بقوة أنت هتدخل العملية دي وهتقوم منها سليم، وهتبدأ معايا صفحة جديدة، مفهاش كدب، ومفهاش غطا، ومفهاش ناس مسمۏمة تسرق فرحتنا. أنا معاك ومش هسيبك، بس توعدني إنك تقاوم وتعيش عشاني. هز راسه وهو بيتشعبط في حضڼي بوعدك.. والله بوعدك. يوم التلات.. الساعة ستة الصبح. المستشفى كانت هادية، ريحة المعقمات في كل حتة، وصوت أجهزة المراقبة بيعمل نغمة منتظمة في الممرات. طارق كان لابس لبس العمليات الأزرق، نايم على التروللي، وشه كان رايق لأول مرة من ست شهور. مكنش خاېف، كان مستسلم لقدره برضا كامل بعد ما نضف حياته من كل النفاق اللي كان محاوطه. مسكت إيده وفضلت ماشية جنبه لحد باب العمليات الكبير. مستنياك بره يا طارق.. سامعني؟ مش هتحرك من على الكرسي ده لحد ما تخرج وتبتسم في وشي. ابتسم ابتسامة حقيقية، دافية، وضغط على إيدي بحبك يا ياسمين.. وسامحيني على شوربة العدس! ضحكت من وسط دموعي مسامحاك.. بس هتعوضهالي بأحلى غدا لما تخرج! الباب الأوتوماتيكي قفل، واليافطة المنورة بالأحمر اشتغلت غرفة العمليات جراحة كبرى. قعدت على الكرسي في الممر.. ست ساعات كاملين كانوا أطول من ست سنين في عمري. الممر كان فاضي، مفيش فيه غيري.. لا أمه جت، ولا خاله جه، ولا حد من عيلته سأل. كانوا فاكرين إن غيابهم هيكسرنا، مكنوش عارفين إن غيابهم كان أكبر نعمة وطهارة للمكان. الساعة واحدة الظهر.. الباب اتفتح، وخرج الدكتور الجراح، لابس البالطو ونازل منه الماسك، وعلامات الإرهاق باينة على وشه. جريت عليه وقلبي هيقف من الخۏف طمّني يا دكتور.. أرجوك! الدكتور قلع النضارة وابتسم ابتسامة واسعة ريحت كل خلية في جسمي الحمد لله يا مدام ياسمين.. معجزة من عند ربنا. الورم اتشال بالكامل، العصب البصري سليم مية في المية، ومفيش أي ڼزيف أو مضاعفات. طارق بطل، وجسمه استجاب بشكل ممتاز.. ساعتين وهيتنقل أوضة عادية وتقدروا تشوفوه. رجليا خانتني وقعدت على الأرض سجدت لربنا وأنا ببكي من الفرحة.. الۏجع خلص، والکابوس اللي خنقنا ست شهور انزاح تماماً. بعد مرور سنة وشهرين… شقتنا في مدينة نصر كانت مليانة شمس ونور. ريحة الأكل المصري الأصيل مالية البيت كله؛ صينية رقاق باللحمة المفرومة، وطاجن بامية باللحمة، وشوربة لسان عصفور طالعة منها البخار على السفرة. الساعة اتنين الضهر بالظبط. الباب اتفتح بالمفتاح.. دخل طارق، لابس بدلته وشكله زي الورد، وشه منور وصحته مفيش أحسن منها، وماسك في إيده بوكيه ورد بلدي صغير وعلبة حلويات. يا أهل الدار! الغدا جاهز ولا أروح آكل عند ماما؟ قالها بصوت عالي وهو بيضحك ضحكته اللي بتهز البيت. خرجت من المطبخ وأنا لابسة المريلة، وبصيتله وحطيت إيدي في وسطي تروح فين يا أخويا؟! رجلك دي لو خطت بره البيت قبل ما تخلص صينية الرقاق دي، هعلقك على باب الشقة! ضحك من قلبه، وقرب مني باس راسي وحط إيده بحنية بالغة على بطني اللي كانت منفوخة وبارزة في الشهر السابع! مقدرش أستغنى عن أكل ست الكل.. ولا عن ولاد ست الكل. قالها وهو بيوطي يكلم بنتنا اللي لسه في بطني سامعة يا ليلى؟ مامتك بتستقوى عليا عشان عارفة إني ماليش غيرها في الدنيا دي! ابتسمت بحب حقيقي ورضا ملوش حدود. طنط نادية حاولت ترجع وتتصل كتير بعد ما طارق خف، طارق رد عليها وباركلها في المناسبات وبيودها كابن بيتقي ربنا في أمه عشان ميعقهاش، بس بحدود واضحة وصارمة جداً.. مبقاش في دخول في خصوصيات، ومبقاش في أكل في نص النهار، ولا ورق ولا توكيلات. اتعلم الدرس القاسې وعَرَف مين اللي سنده بجد ومين اللي كان مستني ينهش في لحمه. قعدنا على السفرة سوا، طارق مسك المعلقة وبصلي بحب وامتنان تسلم إيدك يا ياسمين.. مفيش في الدنيا دي كلها، ولا في أكل أي حد، طعم زي طعم الأكل اللي معمول بحب وأمان ونية صافية. بصيتله وسكتت وأنا حاسة بانتصار ملوش مثيل. المشكلة زمان عمرها ما كانت أكل حماتي ولا غدا الضهر.. المشكلة كانت في الخۏف والكدب والمصالح اللي بتتنكر في شكل حب. والنهاردة، بعد ما كل الأقنعة وقعت، عرفت إن البيت اللي بيتبني على الصدق والمواجهة، مفيش أي ريح تقدر تهزه أبداً. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”