جاري العجوز

وبدل الفلوس، بقى كل يوم حد لما أوصل الطلبات نقعد شوية سوا. نتكلم كأننا أصحاب من زمان، كأن مفيش فرق سن بين شاب في مقتبل العمر وراجل عجوز بيودع الدنيا. مرات يتكلم عن ماضيه، عن بيته القديم وشغله زمان في هيئة الآثار، ومرات يتكلم عن حياتي ومشاكلي في الشغل ويديني نصايح من دهب، ومرات تانية نقعد نتكلم عن حاجات مالهاش
أي أهمية في الدنيا، زي حالة الطقس أو ماتش كورة قديم. بس القعدة نفسها، والتفاصيل الصغيرة دي، كانت أهم من أي كلام. ومع الوقت، الزيارة دي والوقت ده بقى من أكتر الحاجات الثابتة والمقدسة في أسبوعي، لدرجة إني كنت برفض أي خروجة أو موعد مع أصحابي يوم الحد الصبح عشان ميعاد عم إبراهيم.
الفصل الثالث غياب النور المفاجئ
مرت السنين سريعاً، وعم إبراهيم كبر قدام عيني، شعره بقى أبيض كالتلج وحركته بقت أبطأ، لكن عقله فضل حاضر وواعي. دخلنا في السنة الثانية عشرة من الخدمة دي، وبقى جزء لا يتجزأ من عيلتي. لحد ما جه صباح يوم حد بارد من أيام الشتاء. نزلت من بيتي وأنا شايل أكياس الخضار والفاكهة والأدوية اللي طلبها مني في التلفون قبلها بيومين. وأنا بقرب من بيته، لاحظت حاجة غريبة خلت قلبي ينقبض… نور البلكونة عنده لسه منور، والستارة مقفولة تماماً. عم إبراهيم كان منظم جداً، ومن المستحيل يسيب نور البلكونة شغال بعد شروق الشمس.
طلعت السلم بسرعة وقلبي بيدق پعنف. خبطت على الباب مرة واتنين وتلاتة… مفيش رد. حاولت أتصل بتلفونه، سمعت صوته بيرن جوه الشقة من ورا الباب، لكن محدش بيرد. الخۏف تملك مني، نزلت جري نديت على بواب العمارة وجار تاني، وبمساعدة الجيران كسرنا الباب الخشبي القديم. دخلت الشقة وأنا بزعق عم إبراهيم! أنت جوه؟ ولما وصلت النوم، عرفت الخبر الصاډم… كان عم إبراهيم نايم في بهدوء تام، ملامحه كانت مسترخية وراضية، وروحه طلعت لبارئها وهو نايم. توفّى عن عمر يناهز 84 سنة، ساب الدنيا وساب فراغ كبير في قلبي.
الفصل الرابع الچنازة والمحامي الغامض
المرام كانت سريعة وحزينة. الچنازة كانت صغيرة جداً، أصغر بكثير مما توقعت لراجل عاش العمر ده كله. مكنش فيه غيري أنا وعدد قليل جداً من جيران الشارع والبواب، مفيش أي قرايب أو أهل ظهروا في ، وده خلاني أستغرب أكتر، هو فين عيلته؟ وليه عاش وماټ لوحده بالشكل ده؟ بعد ما ډفناه ودعينا له بالرحمة، وقفت على باب وأنا حاسس بحزن حقيقي ومكسور من جوايا على فراق الصديق العجوز اللي كان بيمثلي طاقة حنان وحكمة كل أسبوع