الشال حكايات زوزو ٢

وقفت في قلب الزقاق، الفلاشة الفضية في كفي كأنها قطعة جمر. صوت الترزية في السماعة كان زي دقات الساعة اللي بتعد تنازلي لحياتي اللي كنت عارفاها.

“أنا موافقة،” قلت بصوت مخنوق. “قوليلي أروح فين.”

أملتني الست عنوان قهوة شعبية في منطقة وسط البلد، بعيدة تماماً عن كافيات الكورنيش اللي بيتردد عليها شريف. “هتلاقيني قاعدة في آخر الترابيزة اللي ورا، ما تفتحيش الفلاشة مع حد، وما تفتحيهاش على كمبيوتر متصل بالنت، شريف وأمثاله عندهم برامج بتلقط الإشارة بمجرد ما الجهاز يلمس أي شبكة.”

قفلت الخط، ورميت الشريحة القديمة في بالوعة الصرف اللي في الزقاق، كأنني بقطع آخر خيط بيربطني بالماضي اللي اتضح إنه سراب.

ركبت تاكسي، وطول الطريق كنت ببص من الشباك، عيني بتترصد أي عربية ماشية ورانا. كنت حاسة إن شريف مش مجرد زوج، ده بقى “عدو” محترف بيراقبني، وربما كان عارف إني مش في البيت دلوقتي. وصلت وسط البلد، المنطقة كانت زحمة، ناس كتير بيتحركوا في كل اتجاه، وده أداني إحساس خادع بالأمان.

دخلت القهوة. كانت ريحتها دخان شيشة وشاي تقيل. بصيت في آخر ركن، شفت الست. كانت لابسة نفس الطرحة الغامقة، وباصة في فنجان قهوة. قعدت قدامها بهدوء، وحطيت الفلاشة على الترابيزة.

رفعت عينيها وبصتلي. لأول مرة شفت ملامحها بوضوح؛ وجه نحيل، وعينين حادة فيها نظرة ألم دفين.

“شريف مش بس بيبيع معلومات يا ندى،” بدأت الكلام من غير مقدمات. “شريف جزء من شبكة بتغسل أموال شركات الأدوية الكبرى، وبتحول أبحاث طبية لدول تانية عشان يصنعوا أدوية رخيصة ومغشوشة. الشريحة اللي كانت في الشال مكنتش بس عشان يسمعك، دي كانت بتبعت لوكيشن لحظي، وبتبعت صوت وصورة. هو كان بيستخدمك كـ “ميكروفون متحرك” في أماكن هو مكنش يقدر يدخلها، زي اجتماعات عيلتك، أو حتى مقابلاتك مع صديقاتك اللي شغالين في قطاعات حساسة.”

حسيت بدموعي بتجف من كتر الصدمة. “يعني هو اتجوزني عشان كده؟ عشان أنا مدخل ليه؟”

الست ابتسمت بمرارة. “الحب؟ لا يا ندى. هو اختارك لأن حياتك كانت هادية، مالكيش عيلة بتسأل كتير، وموظفة في بنك بيسمحلك تتحركي في أماكن هو عايز يوصلها. كل خطوة خطيتيها في السبع سنين دول كانت مرسومة.”

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *