حماتي قعيدة روماني مكرم ٣
جلستُ في الغرفة الهادئة ببيت الحاجة أم أمل، وأمامي المستندات التجارية الجديدة التي تسلمتها من المحامي. كانت الأوراق تكشف المستور وتعرّي المستنقع الذي حاول حسن وشركاؤه التستر عليه. لم تكن الشركة في الخارج مجرد عمل تجاري صغير كما أدعى، بل كانت منظومة مالية مسجلة باسم صوري، استخدم فيها حسن مدخراتي ليغطي بها على تحويلات ضخمة، هرباً من الضرائب ومن التزاماته المالية تجاهي وتجاه طفله. كان يظن أن تحايله الذكي سيبقى بعيداً عن أيدي القانون المصري، لكنه نسي أن العقود والتحويلات التي جرت بين حسابي وحسابه كانت تحمل توقيعات وأرقام تتبّع استطاع خبير الخبراء في المحكمة الاقتصادية فك شفراتها بسهولة. الضربة القاضية في المحكمة الاقتصادية في صباح اليوم التالي، انعقدت الجلسة في المحكمة الاقتصادية لمراجعة الحجز التحفظي وتتبع الأصول المالية. حضر حسن من محبسه برفقة حراسة المشددة، ووجهه الذابل يحمل علامات الانكسار والقلة. كانت ملابسه مجعدة، وعيناه غائرتين، وقد زالت عنه كل مظاهر الخيلاء والبرود التي واجهني بها يوم عودته. وقف محاميّ أمام القاضي وأبرز مستنداً رسمياً مختوماً من جهات التحقيق المالي: “سيدي القاضي، نحن لا نطالب فقط بنفقة ومبالغ مسلوبة بغير وجه حق، بل بنقدم للعدالة أدلة قطعية على قيام المدعى عليه بعمليات غسيل أموال وتدليس تجاري، بتمويل مباشر من الحساب الشخصي لموكلتي، وتأسيس كيانات تجارية وهمية بهدف التهرب من السداد وإخفاء ذمته المالية.
ونطالب بالتحفظ الشامل على كافة حصصه وأصوله وأرباحه داخل البلاد وخارجها بالتنسيق مع الجهات المختصة.” وقع الخبر على حسن كالصاعقة. اتسعت عينها برعب، ونظر إلى محاميه بقلة حيلة. حاول محاميه التلعثم والمطالبة بأجل للاطلاع، لكن القاضي كان حازماً بعد الاطلاع على الأدلة الدامغة: “تُحجز كافة الحسابات والأصول الخاصة بالمدعى عليه، ويُحيل الملف إلى النيابة العامة لاستكمال التحقيقات في شبهة التدليس المالي وتزوير المحررات العرفية، مع استمرار حبسه على ذمة القضايا القائمة.” سقط حسن على الكرسي خلفه كالجثة الهامدة. ضربة واحدة أطاحت بكل ما جمع في غربته، وجعلت أمواله وشراكته هباءً منثوراً. سقوط قلعة الظلم بينما كان حسن يواجه مصيره خلف القضبان، كانت الأوضاع في بيته القديم قد وصلت إلى الانهيار الكامل: * أخته شيماء، التي ظنت أن الشنطة الفخمة ستجعل منها هانم، وجدت نفسها عاجزة عن سداد إيجار البيت أو توفير الطعام. اضطرت إلى بيع الحقيبة الماركة والهدايا التي أحضرها حسن بأسعار بخسة لتدفع ثمن العلاج الأولي لأمها. * أم حسن، المقعدة التي صقفت لإهانتي، أصبحت تبكي ليلاً ونهاراً من شدة ألم الفراش والمهانة. أدركت أن الشغالة التي استأجروها يومين سرقت ما تبقى من طعام ومال وهربت، وأن ابنتها شيماء لا تطيق النظر إليها. وفي يوم حار، جاءت شيماء إلى بيت الحاجة أم أمل للمرة الثانية، لكن هذه المرة لم تكن تصرخ، بل كانت تجر قدميها بكسرة ونفس زكية. وقفت على الباب وصوتها يتلعثم بالدموع: “يا صباح… أمي بتموت في البيت.
الدكاترة قالوا عندها تقرحات خطيرة ومحتاجة مستشفى ونظافة ودوا مش موجود… حسن محبوس والفلوس اتجمدت وما حيلتناش جنيه… أرجوكي يا صباح، أنتِ قلبك كبير، تعالي انقذي أمي حتى لو مش عشان حسن… عشان ربنا!” خرجتُ إليها وأنا أقف بكل ثبات وقوة، ونظرتُ إليها بنظرة فارغة من العاطفة: “لما كنتُ بشيلها على كفوف الراحة، كنتوا بتقولوا عليا خدامة وتدوني ميدالية ببلاش… لما كنت بصرف عليها من شقايا، كتبتوا مصاريفي في أجندة سودة وشتمتوني… أنا مش هعامل أمك بقسوتكم، ولا هسيب ست مريضة تموت… بس مش هرجع بيتكم ولا هكون خدامة لحد.” الرحمة في موضع القوة بمساعدة الحاجة أم أمل وابنها، قمتُ بنقل أم حسن إلى دار رعاية متخصصة لكبار السن، وتم سداد التكاليف الأولى من المبالغ التي استرددتها رسمياً وبحكم محكمة من أصول حسن المحجوزة. عندما دخلتُ على أم حسن في غرفة المستشفى قبل نقلها، بكت العجوز بحرقة، ومسكت يدي المبلولة بدموعها: “سامحيني يا صباح… يا بنتي سامحيني! ظلمناكي وأنتِ الأصيلة الوحيدة في البيت ده… حسن ضاع وشيماء ضاعت، وأنتِ الوحيدة اللي صنتينا لما الكل باعنا…” سحبتُ يدي ببطء وهدوء وقُلتُ لها: “أنا عملت ده عشان ربنا وعشان ضميري… مش عشان حسن ولا عشانكم. حقك عليا في المرض أخدتيه، وحقي في الإهانة والضرب أخدته بالقانون.” المواجهة الأخيرة قبل الزلزال ذهبتُ لمقابلة حسن في محبسه بطلب منه، بعد أن توسل للمحامي كي يراني ولو لخمس دقائق.
/> جلستُ أمامه يفصل بيننا حاجز سلكي. كان وجهه شاحباً، وقد فقد كل مظاهر الغرور والعنجهية. قال بصوت مكسور يملؤه التوسل: “صباح… التنازل يا صباح! أرجوكي تنازلي عن القضايا… أنا خسرت كل حاجة! الشركة راحت، والفلوس اتجمدت، وأنا هنا بموت كل يوم ألف مرة… خدي كل اللي أنتِ عايزاه بس خرجيني من هنا!” ابتسمتُ ابتسامة هادئة ورصينة، وقُلتُ له: “فاكر لما قلتلي إيدك بلاش تلفحي بيها العلبة عشان مش نضيفة؟ إيدي دي هي اللي جابتلك حاسبك بالمليم… وفاكر الميدالية المجانية؟ الميدالية دي بقت ذكرى أعلقها في بيتي الجديد عشان تفكرني دايماً إني أخرجت نفسي من حفرة الظلم.” سألني بلهفة وخوف: “يعني مش هتتنازلي؟” رددتُ عليه بثبات يزلزل الجبال: “التنازل ده للرجال اللي يصونوا الأصول يا حسن… مش للي يضرب مراته ويبيع شقاها عشان هدايا لشريكته. أنت هتفضل هنا لحد ما تسدد آخر جنيه من عرق سنواتي، والقضية الكبيرة لسه جلساتها تبدأ الشهر الجاي.” قام حسن يصرخ ويبكي خلف السلك وهو يناديني، بينما مشيتُ بخطوات واثقة نحو الخارج، والشمس تشرق على وجهي بأمل جديد. لكن ما لم أكن أعرفه، هو أن شيماء، وفي لحظة يأس وجنون بعد إفلاسهم الكامل، قررت أن تلجأ لشخص غامض من الماضي… شخص كان يكره حسن ويسعى لتدميره منذ سنوات، وكانت هذه الخطوة هي البداية لمأساة جديدة س تهدد الجميع!