انا واختي روماني مكرم ٢

 

كلام أمي كان المفروض يكسر جبل، كان المفروض يخليني أركع تحت رجليها وأبوسها وأطلب رضاها.. بس الشيطان لما بيتمكن من البني آدم بيعمي عينه وقلبه. كلام أشرف جوزي كان بيرن في ودني وزي ما يكون شاحنّي وعاملّي غسيل مخ: *”أنتي بنتها زيها زي سمر.. ليكي النص بالنص.. متخليش حازم يلهف القرشين!”*

وقفت مكاني، وبدل ما أطاطي راسي خجل من الكلام اللي قالتهولي عن فلوس زمان والمساعدات، لقيت الغرور والعناد ركبوني، وقولت بقلب جحد فيه كل معاني الرحمة:

“جرى إيه يا أمي؟ وإيه يعني لما كنتي بتديني زمان؟ ما أنتي كنتي بتدي سمر برضه! وبعدين أنا بنتك من لحمك ودمك، وزيي زي سمر بالظبط.. طالما سمر بتاخد المعاش والإيجار في إيدها وبتصرف منهم وتأكل بيتها ديلفري، يبقى أنا من حقي آخد منك زي أختي! الفلوس دي فلوس أبويا الله يرحمه، وإحنا الاتنين بناته، والشرع والقانون والناس يقولوا إن اللي يدخل ليكي يتقسم على بناتها بالعدل، مش ناس تعيش في العز وطلبات الديلفري وناس تقعد تتفرج!”

أول ما نطقت الجملة دي، حازم جوز أختي وقف طوله، ووشه بقى أحمر من الغضب، وصوته طلع جهوري زلزل المكان:

“لحد هنا وكفاية يا مدام منى! احترمت إنك في بيتي، واحترمت إنك أخت مراتي وبنت الست الكبيرة اللي شيلانا وشايلينها فوق راسنا.. بس تتبلي علينا وتقولي بنلهف وبنأكل بيتنا من فلوسها؟ أنا مهندس بترول يا مدام، والخير اللي في بيتي من عرق جبيني، وأمك هنا في مقام أمي، واللقمة اللي بتطلبها وبتدفع تمنها ده بمزاجها وبحبها لعيالنا، مش عشان إحنا طمعانين! فوقي لنفسك، أنتي جاية تحاسبي أمك على مالها وهي عايشة؟”

سمر قامت من مكانها وجت وقفت قدامي وهي بتعيط بحرقة، وقالت بصوت مخنوق:

“أنتي إيه يا شيخة؟ معندكيش دم ولا إحساس؟ أمك بتقولك كانت بتديكي وبتسند جوزك في مقاولاته، وبتقولك أنا شايلاها في عيني وأنتي رميتيها.. وجاية برضه تتكلمي في الفلوس؟ أنتي مريضة؟ أشرف جوزك عماكي للدرجة دي؟”

زعقت في سمر وقولتلها: “ملكيش دعوة بأشرف! أشرف بيتكلم في الأصول.. طالما في داخل، يتقسم علينا إحنا الاتنين، وإلا بقى الشقة المقفولة دي تتباع وكل واحدة تاخد نصيبها، والمعاش يتقسم في البنك بالفيزا!”

أمي بصتلي بنظرة خذلان موتت كل حاجة حلوة كانت باقية جواها ناحيتي.. قعدت على الكرسي وهي بتنهج وتعبانة، وشاورت بإيدها وقالت لحازم بصوت مكسور:

“خرجها من هنا يا حازم.. خرجها ومش عايزه أشوف وشها تاني.. دي مش بنتي.. دي واحدة جاية تاكل في ج*ثتي وأنا صاحية”.

حازم قرب مني وشاورلي على الباب بنبرة حاسمة ومفيهاش رجوع:

“اتفضلي يا مدام منى.. من غير شوشرة ومن غير ما تتعبي قلب أمك أكتر من كده.. الباب يفوت جمل”.

أخدت شنطتي ولميت عبايتي وقولت وأنا ماشية ورايحة ناحية الباب بعند وعيون مليانة شر:

” ماشي يا سمر.. ماشي يا أمي.. أنا هامشي، بس الموضوع ده مش هيتقفل، وأشرف مش هيسيب حقي، ومحدش هيلوي دراعي.. والفلوس دي هاخدها يعني هاخدها!”

نزلت السلم وأنا رجلي بتترعش من كتر الغضب، مكنتش شايفه قدامي، وكل اللي بفكر فيه هو رد فعل أشرف لما أرجعله وإيدي فاضية، والحرب اللي هتبدأ من بكرة…

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

 

خرجت من بيت سمر وأنا دمي بيغلي، ركبت التاكسي وأنا مش شايفة قدامي من كتر الغيظ والعند. الشيطان كان عمال يوز في ودني ويقولي: *”أنتي صح.. هما اللي طمعانين في الفلوس وعايزين يستحوذوا عليها لوحدهم، وحازم بيعمل الشويتين دول عشان يثبت رجله!”*

أول ما وصلت الشقة ودخلت، لقيت أشرف قاعد مستنيني على نار، حاطط رجل على رجل والسيجارة في بوقه وعينه كلها لهفة مستني يعرف الأخبار.

هزيت راسي بغضب ورميت الشنطة على الكنبة وقولتله: “شُفت يا أشرف؟ شُفت اللي حصل؟ أمي وأختي وجوزها وقفوا ليا لقمة في زوري، وأمي بتقولي مفيش مليم، وحازم طردني من البيت!”

أشرف وقف فجأة، وعينه لمعت بشر وشرار، وزعق بصوت عالي: “نعم يا اختي؟ طردوكِ؟ وبصفتهم إيه يطردوكِ؟ وبصفتها إيه أمك تمنع عنك الفلوس؟ دي شكلها سمر وجوزها لاعبين في دماغها ومخلينها تعملهم التوكيل عشان يلهفوا الـ 18 ألف جنيه كل أول شهر لحسابهم!”

قعدت أعيط وأقوله: “أمي فكرتني بفلوس زمان، وبتقول إنها ياما وقفت معانا وياما سمر شالتها وأنا رفضت”.

أشرف خبط بقبضة إيده على السفرة وقال بعصبية وعناد:

“فلوس زمان دي كانت لله وللوطن، ومحدش بيمسك على حد جميله! وبعدين إحنا مالنا ومال الشيل والحط؟ أنتي بنتها وليكِ حق شرعي وقانوني في الفلوس دي، طالما الفلوس بتتبأهق في بيت سمر على الديلفري والفسح، يبقى إحنا أولى بنصيبنا يجيلنا لحد هنا.. أنا مقاول والقرشين دول يسندوا معايا في السوق، مش هنسيبهم هما يتنمنموا بيهم!”

طلع أشرف تليفونه من جيبه وعينه كلها جحود، وقال بنبرة مليانة تحدي: “والله ما هسكت.. أنا هكلم حازم بنفسي وأجيبلك حقك، والكلمة كلمتي ومش هتنزل الأرض!”

طلب رقم حازم، وفتح الإسباكر عشان أسمع. التليفون رن مرتين وتلاتة، ولما حازم رد، كان صوته باين عليه الضيق والتعب من اللي حصل.

أشرف دخل في الموضوع علطول ومن غير سلام ولا مقدمات، وبنبرة كلها غطرسة قال:

“جرى إيه يا بشمهندس حازم؟ من أولها كده بتطردوا مراتي من البيت عشان بتطالب بأصول وحقها؟ إحنا ناس بنفهم في الأصول والشرع برضه، والست الكبيرة ليها معاش وإيجار شقة، يعني ميزانية داخلة بيتك، ومراتي منى بنت الست دي وزيها زي سمر بالظبط، ولينا نصيب ثابت في القرشين دول يجيلنا كل أول شهر!”

سمعت صوت حازم من الناحية التانية وهو بياخد نفس طويل بيحاول يمسك فيه أعصابه، ورد بصوت جهوري وحاسم:

“جرى إيه يا أشرف يا مغازي؟ أنتي بتكلمني أنا في بيت وعيب وفي الأصول؟ الأصول بتقول إنك لما حماتك اتوفت جوزها وجاتلك، قفلت بابك في وشها وقولت شقتي ضيقة ومش هتحمل، ودلوقتي جاي تعين نفسك وصي على فلوسها ومعاشها وهي لسه عايشة وسطنا؟ الفلوس دي فلوس الست الكبيرة وهي حرة فيها، إن شالله تولع بيها، محدش ليه دعوة!”

أشرف ضحك بـاستهزاء وزعق في التليفون:

“لا يا بشمهندس، متعملش فيها الشهم الشريف! إحنا عارفين البئر وغطاه، وعارفين إنكم مقضيينها ديلفري وفسح من فلوس الست.. من الآخر كده وبقصر الكلام، إحنا لينا جزء ثابت من المعاش ومن الإيجار دة، نصيب منى يتبعتلها كل شهر، وإلا بقى الشقة المقفولة دي تتباع والكل ياخد نصيبه، والـ 14 ألف بتوع المعاش نعمل بيهم ق*ضية حجر ونقسّم الفيزا بالنص في البنك!”

حازم صوته اتحول لغضب مرعب، وقال لأشرف بلهجة شديدة مفيهاش تراجع:

“ق/ضية حجر؟ تحجروا على أمكم وهي بكامل قواها العقلية عشان الفلوس؟ أنتوا إيه يا أخي مب تشبعوش؟ بني آدمين صنفكم إيه؟ أعلى ما في خيلكم اركبوه، والقرش اللي بتتكلم عليه ده مش هتشوفوا منه مليم واحد، وأمكم حلفت ما يدخلكم بيت ولا تشوف وشكم تاني، والخط ده هيتقفل ومش عايز أسمع صوتك وصوت مراتك تاني!”

وقفل حازم السكة في وش أشرف!

أشرف بص للتليفون وهو وشه أحمر وعروقه بارزة من كتر الغيظ، وبصلي وقال وعينه كلها شر:

“بقفل السكة في وشي أنا يا حازم؟ وبيرفض يديرنا حقنا؟ ماشي.. وحياة دمعتك دي يا منى، وحياة الكسرة دي، لأقلبها عليهم طين، وطالما جم بالعين الحمراء، يبقى القضايا والمحاكم هي اللي هتحكم بيننا وبينهم، والفلوس دي هناخدها غصب عن عينهم!”

كنت قاعدة بسمع كلام أشرف والخوف بدأ يتسحب لقلبي، بس الطمع والعناد كانوا أقوى، ومكنتش عارفة إن الخطوة اللي جاية هتدمر كل حاجة باقية…

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *