علبة اكل زهرة الربيع ٣
الضابط بص في عيني بتركيز شديد وقال: “لو الأكل ده مسموم بقاله ست شهور بالثانية والدقيقة، وأنتِ مكنتيش بتاكلي منه وبتبدليه مع زميلتك.. سامح مكنش بيلاحظ إنك مرجعتيش البيت تعبانة؟ مكنش بيراقب أعراض السم عليكي في البيت؟ إزاي ست شهور كاملين يعدوا وهو مقتنع إن السم شغال في جسمك وأنتِ قدامه زي الجن؟”
السؤال نزل عليا زي الصاعقة. عقلي لَفّ بيا وراجعت شريط الست شهور اللي فاتوا كلهم في ثانية واحدة.
افتكرت نظرات سامح ليا بالليل وأنا قاعدة بشتغل على اللاب توب.. كان دايماً يسيبني ويدخل الأوضة التانية يتكلم في التليفون وصوته واطي.
وافتكرت كمان لما كان دايماً يدخل المطبخ يعملي عصير ليمون أو كركديه ويصر إني أشربه كله قدام عينيه ويقولي: “عشان الشغل مياخدش من صحتك يا مروة”.
جسمي كله اتنفض، وبصيت للضابط برعب حقيقي وقلت وصوتي بيقطع: “العصير.. المشروبات اللي كان بيعملهالي في البيت! هو.. هو مكنش بيراقبني وبس يا فندم.. هو كان فاكر إن مفعول السم بطيء وبيبان بالتدريج، ولما كان بيلاقيني كويسة، كان دايماً يعملي مشروبات دافية وعصير بالليل!”
ندى صرخت وهي بتعيط من الوجع والخوف: “يعني.. يعني المشروبات دي هي اللي كانت بتهدي السم؟ ولا كان بيحطلك فيها حاجة تانية؟”
الضابط هز راسه بأسف وقال: “ده اللي هينطق بيه تقرير الطب الشرعي والمعمل الجنائي لما يحللوا علبة الفاصوليا، ولما قوة من المباحث تروح تفتش البيت وتحرز كل المواد اللي في المطبخ.”
التفت الضابط للعساكر وقالهم بقسوة: “خدوه على البوكس، واقفلوا على الأوضة دي لحد ما حرز الأكل يتنقل رسمي.”
سامح وهو بيتسحب من وسط العساكر، بصلي بنظرة كلها غل وعيون جاحظة وقال بصوت كأنه جاي من القبر: “مفكرتيش للحظة أنا ليه كنت مستعجل؟ مفكرتيش مين اللي كان بيمضيكي على تنازلات ووصولات وأنتِ مش دريانة وسط ورق الشغل اللي كنت بجيبهولك البيت تمضيه؟ الشقة باسمي يا مروة.. الشقة والفلوس خلاص بقوا بتوعي أنا وأمي، وأنتِ ملكيش لقمة واحدة فيها!”
الكلام وقع عليا زي المهدة. ورق الشغل؟
سامح كان بيشتغل محاسب في شركة مقاولات، وساعات كان بيجيبلي عقود مراجعة أو ورق لشغل جانبي ويقولي: “امضيلي هنا يا مروة كشاهدة” أو “ساعديني واكتبي إمضاكِ هنا عشان نخلص بسرعة”. وأنا عشان كنت بثق فيه ثقة عمياء، مكنتش بقرأ كلمة واحدة!
أستاذ حازم رئيس الأمن زعق فيه: “اخرس خالص يا مجرم، كلامك ده كله مسجل في كاميرات الأوضة وهيوديك حبل المشنقة!”
العساكر زقوا سامح لبره، والممر كله اتقلب بصوت زعيقه وشتيمته. الضابط طلب عربية إسعاف فوراً لندى اللي كانت خلاص مش قادرة ترفع راسها وجسمها بدأ يتلج.
قربت من ندى وحضنتها وأنا بنهار: “سامحيني يا ندى.. أنا السبب.. أنا اللي حطيتك في الوش.. ذنبك في رقبتي يا حبيبتي!”
ندى هزت راسها بتعب وقالت بصوت مش مسموع: “ادعيلي أعيش يا مروة.. ادعيلي أطلع منها.”
المسعفين جم وشالوا ندى على النقالة، والضابط بصلي وقال: “يلا يا مدام مروة.. على القسم عشان نعمل المحضر، ومنه على النيابة.. وفيه قوة تانية اتحركت حالا عشان تقبض على والدته في البيت قبل ما تخلع.”
ركبت عربية الشرطة وأنا حاسة إني في كابوس مش قادرة أصحى منه. الشوارع اللي كنت بمشي فيها مع سامح وأنا فاكرة نفسي أسعد ست في الدنيا، بقت بتلف بيا وأنا رايحة القسم.
أول ما وصلنا القسم، قعدت قدام وكيل النيابة اللي جيه مخصوص لما عرف إنها ق*ضية تسمم وشروع في ق*تل. بدأت أحكي كل حاجة من أول يوم.. من أول علبة أكل مشطشطة لحد الفحص الطبي السنوي بتاع الشركة.
وأنا بتكلم، دخل العسكري ووشه متغير، وقرب من وكيل النيابة وهمس في ودنه بكلمتين..
وكيل النيابة ملامحه اتغيرت وبصلي بنظرة شفقة وغموض، وقلب الورق اللي قدامه وقال بصوت جهوري: “هاتوا المتهم التاني بسرعة!”
الباب اتفتح، ودخلت قوة من الشرطة ومعاهم حماتي.. بس الصدمة مكنتش في دخولها.. الصدمة كانت في الست اللي دخلت وراها وهي ماسكة في إيدها شنطة سودا كبيرة وبتبكي بانهيار، وأول ما شافتني صرخت وقالت: “الحقيني يا مروة.. أنا هقول على كل حاجة.. أنا مكنتش أعرف إن الموضوع فيه مـوت!”
وقفت في مكاني وأنا مش مصدقة عيني.. الست دي مكنتش غريبة.. دي كانت..
الست دي مكنتش غريبة.. دي كانت “هبة”، أخت سامح الكبيرة وطليقة المحامي بتاعه!
وقفت مذهولة وأنا بصه ليها، دموعي اتجمدت في عيني من كتر المفاجآت اللي عمالة تنزل فوق دماغي ورا بعض. هبة اللي كانت دايماً تيجي تقعد معايا وتشتكي من ظلم الدنيا وطليقها، واقفة قدام وكيل النيابة وبتترعش ورافعا إيدها بالشنطة السودا.
حماتي أول ما شافت بنتها داخلة ومعاها الشنطة، وشها اتقلب ميت لون، وزعقت فيها بصوت جهوري هز الجدران: “اخرسي يا مقصوفة الرقبة! هتقولي إيه؟ أنتِ هتتبلي على أخوكي وأمك عشان ترمينا في السجن؟”
وكيل النيابة خبط على المكتب بقوة: “اسكتي خالص! مسمعش صوتك لحد ما يجيلك الدور في الكلام!”، وبص لهبة وقالها بحزم: “قولي اللي عندك يا مدام هبة، إيه الشنطة دي؟ وإيه علاقتك باللي حصل؟”
هبة اترمت على الكرسي وهي بتبكي بانهيار وبتبصلي بعيون كلها ندم: “سامحيني يا مروة.. والله العظيم أنا مكنت أعرف إن الموضوع فيه قـت*ـل وسم! أمي وأخويا فهموني إنهم بس بيعملولك عمل وسحر عشان تسمعي كلامهم، ويديجوا المشروبات دي بالليل عشان السحر يثبت في جسمك ومترفضي لسامح طلب!”
جسمي كله قشعر.. سحر؟ سم فئران مسميينه سحر عشان يداروا جريمتهم قدام أختهم؟
هبة كملت وهي بتفتح الشنطة السودا وبتطلع منها دفاتر شيكات، وعقود، وورق كتير جداً: “أمي كانت دايماً مقومة سامح على مروة.. كانت بتقوله دي بنت القاهرة وشايفة نفسها علينا وفلوسها كتير من الشغل ومبتديكش منها حاجة، وإحنا أولى بالقرشين دول عشان نكبر شغل المقاولات بتاعك.. المحامي طليقي هو اللي خطط معاهم، وعمل العقود دي.. دي عقود بيع نهائية لشقتك يا مروة، وتنازل عن حساباتك البنكية اللي باسمك، ووصولات أمانة على بياض بمبالغ خيالية!”
وكيل النيابة سحب الورق وبدأ يفرزه بعناية، وعينيه بتوسع من الصدمة. هبة بصت لوكيل النيابة وقالت: “سامح كان بيستغل إن مروة بتثق فيه ثقة عمياء، ويحط الورق ده وسط ورق الشغل اللي بتراجعه بالليل ويخليها تمضي في النص وهي مش واخدة بالها.. الورق ده كله كامل وممضي بإمضاء مروة الفعلي! والنهاردة الصبح، المحامي طليقي كلمني وقالي إن سامح خلاص بيشطب على الموضوع، والورق ده لازم يتشال في مكان أمان لحد ما مروة تموت وفاتها تبان طبيعية.. ساعتها أنا قلبي نقح عليا وخفت، ولما لقيت الشرطة داخلة تقبض على أمي، عرفت إن الموضوع فيه جـر*يـمـة وقـ*تـل مش سحر، فجبت الورق وجيت وراهم فوراً عشان أبري ذمتي!”
حماتي صرخت في الأوضة وبدأت تدعي على بنتها وتصوت، والعساكر ثبتوها بالعافية وهي بتقول: “كدابة! دي بتتبلى علينا عشان طليقها كرهها فينا! مروة دي كانت عايشة معايا زي الأميرة!”
أنا كنت قاعدة على الكرسي، حاسة إن روحي بتتسحب مني. ست شهور.. ست شهور وأنا عايشة مع تعبان، بيأكلني سم بالنهار، ويمضيني على ورق ضياعي بالليل، ويسقيني مشروبات مهدئة عشان السم ميموتنيش فجأة والطب الشرعي يكشفه.. كان مرتب كل حاجة بالملّي عشان يورث الشقة والفلوس ويسجنوني بوصولات الأمانة لو فكرت أهرب!
وكيل النيابة بص لضابط المباحث وقال بنبرة صارمة: “يتحرز الورق ده كله فوراً.. وينزل أمر ضبط وإحضار للمحامي الهارب شريكهم في الج*ريمة.. ويتم التحفظ على المتهمة الثانية (حماتي) مع ابنها سامح على ذمة التحقيق بتهمة التزوير، والشروع في القت/ل العمد مع سبق الإصرار والترصد.”
التفت ليا وكيل النيابة وقال بنبرة هادية: “مدام مروة.. تقدري تتفضلي دلوقتي ترتاحي، والنيابة هتابع معاكي، والورق ده كله باطل ومش هيكون ليه أي قيمة قانونية بعد شهادة أخته وإثبات التدليس.”
خرجت من أوضة النيابة وأنا مش شايلاني رجلي، هبة جرت ورايا وبتحاول تمسك إيدي وهي بتعيط: “سامحيني يا مروة.. بالله عليكي سامحيني.” سحبت إيدي منها وبصيتلها بنظرة مكسورة، ومطقتش بولا كلمة.. ركبت تاكسي وطلعت جري على مستشفى السموم عشان أطمن على ندى.. ندى اللي شالت عني الموت من غير ما تقصد.
وصلت المستشفى، وجريت في الممرات لحد ما وصلت لغرفة العناية المركزة.. لقيت الدكتور لسه خارج من عندها ووشه عليه علامات إرهاق شديدة.
جريت عليه وأنا بنهج وضاربة سلك: “طمني يا دكتور! ندى عاملة إيه؟ أرجوك قولي إنها عاشت!”
الدكتور بصلي بأكفان عينيه، وخد نفس طويل وقال بصوت هادي غامض خلاني أتحط في صدمة جديدة مكنتش متوقعاها أبداً!