ثلاث سنين روماني مكرم ٢
الجزء الثالث:
مرّت الـ 48 ساعة وزي ما أهنت نفسي زمان عشانهم، كنت واقفة وببص في ساعتي بمنتهى الحسم. سماح كانت بتلم الهدوم في أكياس زبالة سوداء وهي بتعيط وتلطم، ووالدتي قاعدة على الكنبة بتبكي بحرقة وتبص لي نظرات عتاب وكأنني أنا الجانية مش الضحية، أما أبويا فكان واقف في الصالة ساند ضهره على الحيطة، عاجز وعينه مكسورة لأول مرة في حياته.
سماح وهي خارجة من الباب سحبت شنطتها وبصت لي بغل وقالت:
* “مبسوطة يا ميادة؟ خربتي بيت أخوكي وشردتي ابنه اللي لسه ما جاش الدنيا؟ ذنب الغلبان اللي جوة السجن ده في رقبتك ليوم الدين!”
بصيت لها من فوق لتحت ببرود تام وقلت لها:
* “الذنب ذنب اللي خطط وسرق ورمى لحمه للكلاب يا سماح.. خدي حماتك وحماكي في إيدك، ويلا برة.. الباب يفوت جمل.”
خرجوا كلهم، وقفت في نص الصالة لوحدي، ريحة البخور كانت لسه موجودة بس مخلوطة بريحة الخوف والكسرة اللي سابوها وراهم. قفلت الباب بالمفتاح، ولأول مرة من سنين، عيطت.. عيطت على البنت الجدعة الطيبة اللي ماتت جوة سجن القناطر، وعلى ميادة الجديدة اللي بقيت بشوفها في المراية ومش عارفاها.
تاني يوم، بدأت رحلة تدمير يوسف القانونية. الأستاذ رأفت كلمني ورحت له المكتب، لقيت معاه تقرير الفحص الفني للتسجيل الصوتي اللي أكد إنه سليم 100%، وكمان تقرير شركة التأمين اللي أثبت إن العربية مكانتش تحت قيادتي وقت الحادثة بناءً على شهادة الشهود الجداد وثغرة الكاميرات اللي المحامي جابها.
الأستاذ رأفت بص لي وقال بابتسامة عملانية:
* “يوسف موقفه انتهى يا ميادة.. النيابة وجهت له تهمة التزوير، وشهادة الزور، والتسبب في حبس بريء، ده غير إعادة محاكمته في قض..ية الحادثة الأصلية اللي فيها إصابة مستديمة للضحية. يوسف لابس حكم مش أقل من 5 لـ 7 سنين سجن مشدد.”
حسيت بنغزة في قلبي، بس افتكرت الـ 500 جنيه وافتكرت كلمة “فضيحة ماشية على الأرض”، فجمّدت قلبي وقلت له:
* “والشغل بتاعي والشركات اللي خسرتها؟”
رأفت ابتسم وقال:
* “هنا بقى ييجي دور الـ 10 مليون جنيه.. الفلوس دي مش بس تعويض، دي هتكون رأس مال لشركة المقاولات والديكور الجديدة اللي هنفتحها باسمك. هنبدأ نكبر، والكل هيسمع عن ميادة من جديد، بس المرة دي كـ سيدة أعمال.”
خلال أسبوعين، بدأت الإجراءات، اشتريت مقر شركة فخم في المعادي، وبدأت أعيّن مهندسين وموظفين. كنت بنزل كل يوم من شقتي في الزمالك بكامل أناقتي، عربيتي الجديدة واقفة تحت، والناس كلها بتبص لي باحترام. نسيت تماماً إن كان فيه يوم اسمي فيه “سوابق”، الفلوس والسلطة بيمسحوا أي حاجة في عيون المجتمع.
وفي يوم وأنا قاعدة في مكتبي بالشركة، السكرتيرة دخلت وقالت لي:
* “بشمهندسة ميادة، فيه واحدة برة مصممة تقابلك، شكلها تعبان وبتقول إنها قريبتك.”
قلت لها تدخّلها.. ودخلت سماح.
كانت لسه في شهرها السابع، بس شكلها اتمهدل تماماً، وشها شاحب، ولابسة عباية قديمة ومبهدلة. أول ما دخلت وقفت قدام مكتبي، ودموعها نزلت، وبشكل مفاجئ ركعت على ركبها قدام المكتب ومسكت في إيدي وهي بتعيط:
* “ببوس رجلك يا ميادة.. ارحمينا.. يوسف هيموت جوة، السجن اتقلب عليه جحيم ومش مستحمل، وأبوكي جاله جلطة من الزعل ومرمي في مستشفى حكومي مش عارفين نعالجه، وأنا مش لاقية آكل أنا واللي في بطني.. إحنا اتعاقبنا خلاص، والبيت وأخدتيه، خدي الفلوس اللي معاكي وكل حاجة بس اتنازلي عن القض..ية وخلي أخوكي يخرج!”
بصيت لمنظرها وهي تحت رجلي.. نفس الست اللي من كام أسبوع كانت بتبخ عليا مطهر وبتقول لي شوفي لك لوكاندة.
سحبت إيدي منها ببطء، وقفت ورا مكتبى وبصيت لها وقلت:
* “تفتكري الكلمة اللي هقولها لك دي يا سماح؟”
سماح رفعت عينيها المليانة دموع بأمل، فكملت كلامي بمنتهى القسوة:
* “زمان يا سماح كنتِ بتقولي إني بقيت فضيحة وما ينفعش أعيش معاكم.. دلوقتي يوسف هو الفضيحة، وروحي قولي لأمي اللي كانت خايفة على مشاعرك، إن البنت اللي كانت حمل تقيل، شالت عيلتكم كلها ورمتها في الزبالة.. ومفيش تنازل.”
سماح صرخت وخرجت من المكتب وهي بتدعي عليا.. بس اللي مكانتش تعرفه سماح، ولا يعرفه يوسف، إن خطوتي اللي جاية مش بس حبس يوسف.. أنا كنت بجهز لمفاجأة تانية تقلب حياتهم وتخليهم يشوفوا الجحيم الحقيقي، مفاجأة هتعرفها في المحكمة الأسبوع الجاي..
الجزء الرابع:
خرجت سماح من الشركة وصوت صراخها لسه بيرن في الممر، بس قلبي ما اتهزش. قعدت على كرسي المكتب المريح، وبصيت من الشباك الإزاز الكبير على شوارع المعادي، وافتكرت السقف الإسمنتي المقشر اللي كنت ببص له لثلاث سنين في سجن القناطر.. الزمن بيدور، واللي افتكر إنه داس على لحمه ونجد نفسه، بيصحى يلاقي نفسه تحت الرجلين.
الأسبوع اللي قبل جلسة المحكمة كان عبارة عن سباق مع الزمن. الأستاذ رأفت كان شغال زي الاله، مابينامش، بيقفل كل الثغرات اللي ممكن محامي يوسف يلعب عليها. وفي وسط الشغل، جالي اتصال من رقم غريب، فتحت وسمعت صوت والدتي.. صوتها كان عجوز، مكسور، وتعبان جداً:
* “ميادة يا بنتي.. أنا أمك.. أبوكي في العناية المركزة بيموت، وبيقول عايز يشوفك، يغسل ذنبه من ناحيتك قبل ما يقابل ربنا.. عشان خاطري يا بنتي تعالي، إحنا ملناش غيرك، يوسف ضاع وخلاص هيلبس السجن، متبقيش إنتِ والزمن علينا.”
غمضت عيني، وحسيت بوجع قديم بيصحى، صوت غوايشها وهي بتطبخ، وصوت أبويا وهو داخل من الباب.. الحنين كان عايز يسحبني، بس افتكرت النظرة اللي بصها لي أبويا من فوق النظارة والبرود اللي قال لي بيه “وصلتي بالسلامة؟”، وافتكرت أمي وهي واقفة تتفرج على سماح وهي بتبخ عليا المطهر. نشفت دموعي قبل ما تنزل وقلت لها:
* “اللي مات جوة السجن يا أمي مابيرجعش.. أبويا اختار يصدق يوسف ويسيبني أضيع، ودلوقتي بيحصد اللي زرعه.. ربنا يشفيه.” وقفت السكة في وشها وغيرت شريحة الموبايل كلها.
وجاء يوم الجلسة الموعود.. يوم المفاجأة الكبرى.
المحكمة كانت زحمة، وريحة المكان فكرتني بيوم حكمي زمان. وقفت في آخر القاعة ولابسة نظارة سوداء مخبية عيني. بعد شوية، دخلوا يوسف من باب القفص.. شكله كان يصعب على الكافر؛ خاسس النص، دقنه طويلة ومبهدلة، ولابس الأبيض بتاع الحبس الاحتياطي، عينه كانت بتدور في القاعة برعب لحد ما شافتني، بلمح البصر دموعه نزلت وبدأ يشاور لي بإيده كأنه بيستنجد بيا.
جنبه برة القفص كانت قاعدة سماح ووالدتي، شكلهم يقطع القلب، منهارين من العياط.
بدأت الجلسة، والقاضي سمع النيابة وهي بتسرد تفاصيل التزوير وتدليس الحقائق في قض..ية الحادثة القديمة بناءً على اعتراف يوسف في التسجيل. محامي يوسف حاول يلعب على وتر إن “التسجيل تم بدون إذن النيابة” وإنه باطل قانوناً.
هنا قام الأستاذ رأفت بكل ثقة وهدوء، وبص للمستشار وقال:
* “سيادة القاضي، نحن لا نعتمد على التسجيل كدليل وحيد.. نحن نقدم للمحكمة دليلاً مادياً قاطعاً لا يقبل الشك، وهو ‘المفاجأة’ التي أخفاها المتهم طوال السنين الماضية.”
رأفت طلع ملف أحمر وقدمه للمنصة، وكمل بصوت جهوري هز القاعة:
* “المتهم يوسف لم يكن يقود سيارة موكلتي ‘ميادة’ وقت الحادثة كما ادعى.. السيارة التي ارتكبت الحادثة فوق كوبري أكتوبر كانت سيارة ‘مرسيدس’ مسروقة، ومبلغ عن سرقتها قبل الحادثة بـ 24 ساعة! المتهم يوسف كان يعمل مع شبكة دولية لتهريب وتجارة السيارات المسروقة وتزوير أوراقها، وحادثة كوبري أكتوبر كشفت خيط اللعبة، فقام بإلباس التهمة لشقيقته ليحمي نفسه ليس فقط من قض..ية قتل خطأ، بل من قض..ية جنائية دولية تخص ‘تهريب وتزوير سيارات’!”
القاعة كلها اتقلبت همهمة وصدمة. يوسف جوة القفص صرخ بأعلى صوته: “لااااا! مش حقيقي! ميادة حرام عليكي هضيعيني!”.. وسماح حطت إيدها على بطنها وأغمى عليها في مكانها، والناس جريت عليها.
أنا كنت واقفة ورا النظارة السوداء، ومبتسمة.. الفلوس الـ 10 مليون جنيه مكنتش مجرد تعويض من شركة التأمين، دي كانت المكافأة السرية اللي المحامي بتاعي وصل لها لما كشف شبكة التهريب دي وقدم المعلومات للأجهزة الأمنية، وشركة التأمين المتضررة صرفت التعويض ده بناءً على بند “كشف الجري..مة واسترداد الأصول”.
القاضي ضرب بالشاكوش وزعق: “محكمة! هدوء في القاعة!”.. وبص ليوسف بنظرة حسم، وأمر بتأجيل النظق بالحكم للأسبوع القادم مع استمرار حبس المتهم، وضمه للقض..ية الكبرى الخاصة بشبكة تهريب السيارات.
خرجت من باب القاعة وأنا حاسة إن الهوا بيدخل صدري لأول مرة نضيف. الأستاذ رأفت حصلني وهو بيضحك وقال: “مبروك يا باشمهندسة، يوسف مش هيشوف الشمس قبل 15 سنة سجن مشدد، وكل أملاكه والفلوس اللي زورها عشان ياخد البيت هتتحجز عليها لصالحك كتعويض.”
ركبت عربيتي، وسقت في شوارع القاهرة.. بس وأنا ماشية، لقيت تليفوني الجديد بيرن.. رقم غريب تاني. فتحت الخط وجالي صوت راجل غريب، صوته جهوري ومخيف، قال لي بالحرف:
* “مبروك يا باشمهندسة ميادة.. أخدتي حقك من أخوكي والبيت رجع لك والـ 10 مليون في جيبك.. بس اللي إنتِ ما تعرفيهوش، إن رئيس شبكة السيارات اللي يوسف لبس فيها.. يبقى جوز سماح الأولاني اللي الكل فاكر إنه مات في الغربة.. وهو دلوقتي مستنيكي في شقة الزمالك!”
الجزء الخامس (قبل الأخير):
دمي اتجمد في عروقي، ورجلي فلتت من على دواسة البنزين من الصدمة. ركنت العربية على جنب بسرعة وأنا إيدي بترحف، وبصيت للموبايل ذهول.. الصوت كان واثق وبارد، وفيه نبرة تهديد تخلي الشعر يقف.
رديت بصوت حاولت أخليه قوي:
* “إنت مين؟ وجوز سماح مين اللي مات؟ سماح متجوزة يوسف وهي بكر كرتون!”
الراجل ضحك ضحكة قوية رنت في ودني وقال:
* “سماح دي حية.. ومفيش حية بتمشي من غير ما تسيب وراها سم. يوسف أخوكي كان مجرد مغفل، أراجوز حركناه عشان يشيل الليلة لما الجدار وقع، وسماح كانت العين اللي بتراقب جوة بيتكم. عموماً، أنا مش بحب الرغي في التليفون.. أنا واقف في البلكونة بتاعة شقتك في الزمالك، وبتفرج على النيل، ومستنيكي عشان في حساب قديم لازم يتصفى.. الـ 10 مليون جنيه دول بتوعنا يا ميادة، ويوسف دفع ثمنهم من عمره، إنتِ بقى هتدفعي الثمن إزاي؟”
الخط قطع. قعدت في العربية وأنا بـنهج، الأفكار بتخبط في دماغي زي الأمواج. سماح! الحرباية اللي دخلت بيتنا ومثلت دور الغلبانة، كانت مزروعة وسطنا؟ ويوسف بغبائه وطمعه كان شغال مع جوزها القديم؟
كلمت الأستاذ رأفت فوراً وحكيت له وأنا منهارة. رأفت صوته اتقلب جد جداً وقال لي:
* “ميادة، إياكي تروحي الشقة! الراجل ده لو هو اللي في دماغي، يبقى ‘عزام المنشاوي’.. ده هارب من أحكام إعدام وجنايات دولية، وشبكة السيارات دي كانت مجرد غطاء لغسيل أمواله. أنا هكلم مباحث تنفيذ الأحكام فوراً، وخليكي مكانك في العربية وسط زحمة الشارع لحد ما أجيلك.”
بس أنا مكنتش قادرة أستنى.. الغل اللي جوايا اللي حركني أهد أخويا، خلاني أحس إن أي حد هيقف في طريقي هوسّه. قفلت مع رأفت، ودورت العربية وطيرت على الزمالك. مكنتش خايفة، السجن علمني إن اللي بيموت جواه الخوف مابيبقاش باقي على حاجة.
وصلت العمارة، طلعت في الأسانسير وقلبي بيدق زي الطبل. فتحت باب الشقة براحة، كانت الضلمة مغطية المكان، بس خيط ضوء جاي من البلكونة. مشيت بخطوات بطيئة، ولقيت راجل طول بعرض، واقف ضهره ليا ولابس بدلة كحلي أنيقة، وبيشرب سيجار.
أول ما حس بحركتي، لف بالراحة وبص لي.. وشه كان فيه علامة قطع قديمة ناحية عينه، بس ملامحه كانت قاسية زي الحجر. بص لي وابتسم وقال:
* “شاطرة.. جيتي لوحدك. كنت عارف إن قلبك مات في القناطر.”
وقفت بثبات وقلت له:
* “عزام المنشاوي؟ الفلوس دي تعويض قانوني من شركة التأمين، ومفيش مليم واحد هيطلع من حسابي لواحد هارب.”
عزام قرب مني ببطء، وطلع من جيبه طبنجة كاتم صوت، وحطها في نص جبهتي مباشرة. برود الحديد على وشي خلاني أثبت مكانى. قال لي بصوت فحيح:
* “القانون ده تعملي بيه قرطاس لب وتديه للمحامي بتاعك. الفلوس دي تمن بضاعتي اللي يوسف سلمها للحكومة عشان ينجد نفسه. قدامك نص ساعة، تفتحي اللاب توب وتحولي الفلوس دي لحساب في سويسرا، وإلا هترجعي للقناطر تاني.. بس المرة دي في كفن!”
في اللحظة دي، تليفون عزام رن. بص للشاشة وفتح السبيكر وهو لسه حاطط الطبنجة على دماغي. كان صوت سماح، بس مكانش صوتها المكسور بتاع الصبح.. كان صوت واحدة تانية تماماً، حاد ومرعب:
* “خلص عليها يا عزام! البت دي لو عاشت مش ه تسيبنا في حالنا، دي سحلت يوسف في المحاكم وعرفت طريق الشركات.. اقتلها وخد الفلوس واهرب، أنا لميت كل حاجة وماشية على طريق السويس!”
عزام ابتسم وبص لي وقال:
* “سمعتي؟ مراته.. قصدي مراتي، بتمسي عليكي.”
صباعه بدأ يتحرك على الزناد، وعيني جت في عينه.. وكنت حاسة إن دي النهاية. وفجأة، ومن غير أي مقدمات، الباب الخشبي بتاع الشقة اتهد بالكامل بصوت انفجار قوي، ولقيت قنابل غاز بتترمى جوة الصالة، وصوت ضرب نار حي ملى المكان، وعساكر العمليات الخاصة بتقتحم الشقة وهي بتصرخ: “اثبت مكانك! الشرطة!”
عزام اتفاجئ، ولف عشان يضرب نار على القوة، بس الضابط كان أسرع، وطار عليه وقعه في الأرض والطبنجة اتمطرت من إيده، وكلبشوه في ثانية.
دخل الأستاذ رأفت وهو بيكح من الغاز، ومسكني من إيدي وخرجني للبلكونة وأنا بنهج ومش مصدقة إني لسه عايشة. بص لي وقال:
* “الحمد لله لحقناكي.. أنا كنت مراقب تليفونك وجينا مع القوة فوراً.”
طلعت الموبايل بتاعي من جيبي.. وبصيت للأستاذ رأفت وقلت له والدموع نازلة من عيني:
* “رأفت.. سماح هربانة على طريق السويس ومعاها كل حاجة.”
رأفت ابتسم وطلع جهاز تسجيل صغير من جيبه وقال لي:
* “تفتكري إحنا فوتنا دي؟ مكالمة سما لعزام دلوقتي اتسجلت، والشرطة بلغت الأكمنة على طريق السويس.. سماح وعزام ويوسف، كلهم بقوا في شوال واحد يا ميادة.”
مرت ثلاثة أيام.. وفي صباح اليوم الرابع، كنت قاعدة في المحكمة تاني.. بس المرة دي عشان أسمع الحكم النهائي في القض..ية الكبرى اللي شملت العيلة كلها وجنبهم سماح وعزام.
وقفت في القاعة، وبصيت لقفص الاتهام.. لقتهم واقفين جنب بعض: يوسف بالهدوم البيضاء المبهدلة، وجنبه سماح بـكلبش في إيدها ووشها في الأرض والكسرة واكلاها، وفي الآخر عزام المنشاوي وعينه بتطلع شرار.
القاضي دخل، ضرب بالشاكوش، والقاعة كلها سكتت.. وبدأ يقرا منطوق الحكم اللي هيقفل صفحة الماضي ويفتح باب الجحيم الأخير عليهم..
الجزء السادس والأخير:
ساد الصمت في قاعة المحكمة، صمت قاتل لدرجة إن صدى دقات قلبي كان مسموع في ودني. القاضي عدل نظارته، وبص للأوراق اللي قدامه بنظرة حاسمة هزت أركان القاعة، ثم بدأ يقرأ منطوق الحكم بصوت جهوري:
“حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:
أولاً: بمعاقبة المتهم عزام المنشاوي بالسجن المؤبد عما نُسب إليه من إدارة شبكة دولية لتهريب السيارات وغسيل الأموال وحيازة سلا..ح ناري.
ثانياً: بمعاقبة المتهمة سماح عبد العزيز بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات بتهمة الاشتراك في النصب والتزوير والتستر على مجرم هارب.
ثالثاً: بمعاقبة المتهم يوسف محمد بالسجن المشدد لمدة سبع سنوات بتهم تزوير محررات رسمية، وشهادة الزور، والاشتراك في تمرير سيارات مسروقة.”
في اللحظة دي، القاعة اتقلبت مناحة. يوسف صرخ صرخة مكتومة ووقع على ركبه جوة القفص وهو بيلطم على وشه ويقول: “ضيعت نفسي.. ضيعت نفسي يا أمي!”، وسماح دارت وشها في الأرض وهي بتعيط بحرقة وعينها جت في عيني بنظرة رجاء أخير.. بس النظرة دي جت متأخرة قوي، بعد ما المركب غرقت باللي فيها.
أنا كنت واقفة ثابتة، مفيش دموع، مفيش شماتة.. كان فيه بس شعور بالراحة، كأن جبل كان كابس على نفسي واتزاح. نزلت نضارتي السوداء وبصيت ليوسف للمرة الأخيرة، ولفيت ضهري وخرجت من القاعة وأنا بسمع صوت الشاكوش وهو بيقفل القض..ية للأبد.
على باب المحكمة، لقيت والدتي مستنياني.. شكلها كان كبر عشرين سنة، ظهرها انحنى، ووشها دبلان. أول ما شافتني، جرت عليا وهي بتترعش، ومسكت في إيدي وقالت بصوت مخنوق بالدموع:
* “سامحيني يا بنتي.. إحنا ظلمناكي، بعناكي برخيص وإنتِ اللي صنتينا. يوسف هياخد سبع سنين مش هيستحملهم، وأبوكي مات في المستشفى وهو بينطق اسمك وبيطلب عفوك.. ارجعي لي يا ميادة، ماليش غيرك في الدنيا.”
بصيت ل إيدها اللي ماسكة إيدي.. الإيد اللي زمان كانت بتطبطب عليا، واليد اللي سابتني ووافقت على طردي. سحبت إيدي بالراحة، وبست راسها وقلت لها بنبرة هادية بس حاسمة:
* “أنا مسمحاكي يا أمي.. ومسمحة أبويا الله يرحمه. بس الرجوع لورا مستحيل. البيت القديم بتاع عين شمس أنا هبيعه وهتبرع بتمنه لجمعيات رعاية السجينات الغارمات.. الشارع ده والبيت ده مابقاش ليا فيه ذكريات غير الوجع. أنا هخصص لك معاش شهري كبير يعيشك في أحسن مكان، وهجبلك ناس تخدمك.. بس مش هقدر أكون معاكي في نفس البيت.. اللي اتكسر جوة قلبي في ليلة خروجي، ملوش جبيرة.”
سيبتها ومشيت، ركبت عربيتي وسقت وأنا ببص على طريقي الجديد. معايا 10 مليون جنيه، وعندي شركتي الناجحة في المعادي، وحياتي اللي بنيتها من الصفر بـعزيمتي وقوتي.
### الحكمة من الحكاية:
> “السجن الحقيقي ليس سوراً من أسمنت وقضبان حديدية، بل هو أن تأمن من لا يستحق الأمان، وتضحي بعمرك من أجل ناس مستعدين لبيعك في أول مفرق طريق لتنقذ مصالحهم.
> لا تبالغ في التضحية حتى لا تبخس قيمتك، فالبعض لا يشعر بقيمة ‘الجدعنة’ إلا عندما تتوقف عنها، ومن هانت عليه كرامة لحمه ودام على قهرك.. سيهون عليه سقوطك.”
>