حكايات اماني السيد ٤
مراتي بلعت ريقها بصعوبة، وبصت حولين نفسها في الصالة المقلوبة، وكأنها لسه مش مصدقة إن العاصفة دي كلها قامت عشانها، وإن البنت اللي كانت من كام دقيقة قاعدة في الكوشة وفرحانة، بقت دلوقتي قاعدة في الأرض بتصرخ وفستانها متبهدل.
حطت إيدها على الشال الإسود اللي مداري هدومها المتقطعة، وبصت في عيني مباشرة بنظرة ممزوجة بوجع قديم بس فيها ثبات غريب، وقالت بصوت مسمعش فيه غير الوجع:
ـ “أنت فاكر إنك لما تكسر أختك وتفضح أهلك قدام عريسهم، يبقى أنت كده ردتلي اعتباري؟ أنت فاكر إن الكسر اللي في قلبي وفي كرامتي هيداوا لما أشوفهم مكسورين؟”
نزلت دموعها على خدها الورام، وكملت:
ـ “أنا مش شمتانة فيهم يا أحمد، ولا كنت أتمنى البيوت تتخرب بالمنظر ده.. أنا كل اللي كنت عايزاه في اللحظة اللي هما نهشوا فيا، إنك تنطق! إنك تقول كفاية! أنت هديت الدنيا فوق دماغهم دلوقتي بعد ما الفاس وقعت في الرأس، بعد ما أنا موت من جوايا وورا باب أوضتك المقفول”.
وقفت محكوم بمكاني، الكلمات كانت بتنزل عليا زي الرصاص، والشيخ عبد الرحمن كان واقف بيسمع وكأنه بيوزن كلامها بميزان دهب.
قربت منها خطوة وقولت بصوت مرعوب من خسارتها:
ـ “والله العظيم فقت.. والله الشيطان كان عمي عيني والغل كان واكل قلبي، بس أنا شربت المر وأنا شايفك بتضيعي مني.. اديني فرصة واحدة بس أثبتلك إن اللي جاي غير اللي فات”.
بصت للشيخ عبد الرحمن وقالتله:
ـ “يا فضيلة الشيخ، أنا هروح مع أحمد.. مش عشان مسامحة، ولا عشان اللي عمله دلوقتي غسل ذنبه في نظري، أنا هروح معاه عشان القانون ياخد مجراه من جوه بيته، وعشان يثبتلي فعلاً على أرض الواقع إن كلامه ده مش مجرد لقطة عملها في وقت غضب عشان يداري بيها على عملته”.
الشيخ عبد الرحمن اتنهد وقال:
ـ “يا بنتي، البيوت صبر، والمسامحة من شيم الكرام، وجوزك قدم خطوة كبيرة النهاردة واشترى خاطرك على حساب أقرب الناس ليه.. اطلعي مع زوجك، وعين الله ترعاكم، وأنا هتابع معاكم بنفسي”.
شكرت الشيخ عبد الرحمن وسلمت عليه، وأخدت مراتي من إيدها وطلعنا على شقتنا فوق. السلم كان هس هس، وصوت صريخ أختي وعياط أمي تحت كان لسه مالي المكان، بس أنا مكنتش شايف ولا سامع غير الست اللي ماشية جنبي ومكسورة بسببي.
دخلنا الشقة، قفلت الباب ورايا.. بس المرة دي قفلته وأنا معاها جوه، مش سايبها بره.
بصت للشقة بنفور، وراحت قعدت على الكنبة وهي ضامة نفسها بنفس الطريقة. دخلت المطبخ بسرعة، عملتلها كوباية لمون دافي وجبت علبة الإسعافات الأولية وخرجت. قعدت في الأرض تحت رجليها، ومديت إيدي بالراحة عشان أطهر الجرح اللي في وشها وكدمة عينيها.
أول ما القطنة لمست وشها، اتوجعت ووشها انكمش، نزلت دموعي غصب عني وقولت:
ـ “ياريت كانت فيا أنا يا نور عيني.. ياريت إيدي انقطعت قبل ما أقفل الباب عليا وأسيبك”.
بصتلي وعينيها غرقانة دموع، وقبل ما تنطق بكلمة واحدة، سمعنا صوت خبط ورزع مرعب على باب الشقة بره، وصوت أمي وهي بتصرخ وزي ما تكون اتجننت:
ـ “افتح يا أحمد! افتح يا ابن بطني يا اللي فضحتنا وطيرت العريس من إيد أختك عشان خاطر واحدة ملهاش أصل! افتح والله ما هسيبكم في الشقة دي ليلة واحدة، والبيت ده هيتهد عليكم النهاردة!”.
مراتي لمت نفسها بخوف ورعب وجسمها بدأ يتنفض تاني لما سمعت صوت أمي، وأنا وقفت على رجلي والنار رجعت تشعل في صدري من جديد..
تابعو صفحه رومانى مكرم
جسمي كله اتنفض لما شفت مراتي بتترعش من الخوف وبترجع لورا على الكنبة وهي بتغطي ودنها بإيدها، الرعب اللي في عينيها رجّعني لنفس اللحظة النذلة اللي وقفت فيها متفرج، بس المرة دي كان لازم أكون الراجل اللي بجد.
حطيت علبة الإسعافات من إيدي وقومت وقفت، مشيت ناحية الباب بخطوات بتهز الأرض، والغضب اللي جوايا كان كفيل يهد عمارة. فتحت الباب بعنف لدرجة إنه خبط في الحيطة، لقيت أمي واقفة وشها أحمر وعينيها شرار، ووراها أختي اللي كانت لسه بفستانها المتبهدل وعينيها ورمة من العياط والغل.
أمي أول ما الباب اتفتح، رفعت صباعها في وشي وزعقت بعلو صوتها:
ـ “أنت لسه ليك عين تقف قدامي؟ طردت الناس الأكابر وفضحتنا في المنطقة عشان حتة عيلة تتبلى علينا؟ لم حاجتك أنت والست بتاعتك واطلعوا بره البيت ده، البيت ده بيتي وأنا مش هقعدكم فيه دقيقة واحدة!”
بصيت لأمي ولقيت نفسي بنطق بهدوء مرعب، الهدوء اللي بيسبق العاصفة، وقولت:
ـ “البيت ده أنا دافع فيه شقا عمري يا أمي، ومفيش مخلوق يقدر يخرجني منه ولا يخرج مراتي. والفضيلة والأصول اللي بتتكلمي عنهم، أنتوا اللي دفنتوهم لما دخلتوا شقتي ونهشتوا في لحم واحدة يتيمة آمنة في بيتها”.
أختي صرخت وهي بتقدم عليا بغل:
ـ “أنت بتبيعنا عشانها؟ دي وحدة حرباية، بوظتلي جوازتي وضيعت مني لقطة عمري! أنا مش هسيبها، والله ما هسيبها!”
وجت تندفع وتدخل الشقة عشان تجيب مراتي من شعرها تاني، في اللحظة دي إيدي سبقتها، وقفت في نص الباب زي السد المنيع، ومسكت إيد أختي بقوة بس من غير ما أمد إيدي عليها، وزقيتها لورا خطوة، وقولت بصوت زلزل السلم:
ـ “ورحمة أبويا، اللي هيخطي عتبة الباب ده منكم، أو يرفع عينه في عين مراتي، لكون ناسي إنكم أمي وأختي! الجوازة اللي باظت دي ذنب اليتيمة اللي عايرتوها بيتمها وقلتوا لها مالكيش كبير.. وربنا أثبتلكم في نفس اللحظة إن ليها كبير، وإنه بيخلص الحقوق في ثانية!”
أمي سحبت أختي لورا وهي بتبصلي بنظرة كلها صدمة، مكنتش متخيلة إن ابنها اللي كان طوع إيديها وساب مراته تنضرب، يتحول في كام ساعة لأسد واقف بيحمي عرينه. قالتلي بنبرة كلها كره ودعاء:
ـ “بتزق أختك يا أحمد؟ بتبيرنا وتصغرنا قدام الغريبة؟ ماشي يا ابن بطني.. اشبع بيها، بس انسى إن ليك أم أو أخت، وحقنا وحق الفضيحة دي مش هنسيبه”.
أخدت أختها ونزلت وهي بتتحسبن وتدعي عليا وعلى مراتي. قفلت الباب بالمفتاح والترباس، وسندت ضهري عليه وأنا بنهج، حاسس بالوجع والخسارة، بس في نفس الوقت حاسس بنظافة جوة قلبي مكنتش موجودة وأنا قاعد في الأوضة وقافل على نفسي.
لفيت وشي وبصيت جوة الصالة، لقيت مراتي واقفة عند باب المطبخ، كانت متابعة كل اللي حصل. عينيها المرة دي مكنش فيها الرعب بتاع زمان.. كان فيها نظرة جديدة، نظرة تقييم، وكأنها بتبدأ تشوف “أحمد” تاني من أول وجديد، بس لسه في مسافة طويلة وأسوار عالية بيننا.
قربت منها بهدوء، وقولت:
ـ “أنا قفلت الباب علينا، ومحدش هيقدر يدخل هنا تاني يئذيكي.. طول ما فيا النفس”.
هزت راسها ببطء، وراحت قعدت تاني على الكنبة، وقالت بنبرة هادية بس ناشفة:
ـ “اللي عملته تحت وفوق ده، كبرك في نظري خطوة يا أحمد.. بس لسه ممسحش الوجع. الجرح اللي في جسمي هيخف، بس الجرح اللي في كرامتي لسه بينزف.. والمسامحة مش بكلمتين وموقف”.
قعدت قدامها على الأرض تاني، وقولت:
ـ “وأنا مش مستعجل، ومستعد أعيش عمري كله تحت رجليكي لحد ما تصفيلى.. بكرة الصبح أول حاجة هنعملها، هناخد التقرير الطبي ونروح للقسم نعمل المحضر، ونثبت حقك قانوناً عشان محدش يفتكر إنك حيطة مايلة”.
بصتلي بدهشة وقالت:
ـ “أنت بجد هتعمل محضر في أمك وأختك عشان خاطري؟”
وقبل ما أرد عليها، تليفوني رن في جيبي برقم غريب تاني.. فتحت الخط وجالي صوت راجل غليظ وناشف بيقولي:
ـ “أنت أحمد؟ أنا الرائد مصطفى من قسم الشرطة.. والدتك وأختك هنا في القسم، وعاملين فيك وفي مراتك محضر شروع في قتل وسرقة دهب بعد ما نزلتوا ضرب فيهم تحت في شقتهم وسرقتوا صيغة أختك!”.