طلقت مراتي عشان البهاق زهرة الربيع ١

أخذت بقع البهاق تتسع في مخيلتي لتصبح كأنها لعنة حلت عليّ لتدمر “الصورة المثالية” التي عشت عمري كله أعبدها. كيف سأخرج للناس؟ كيف سأواجه أصحابي في العمل؟ أنا الشاب الذي كان يقضي ساعة أمام المرآة ليضبط خصلة شعر واحدة، كيف سأتحمل نظرات الشفقة أو الفضول التي تركت هيام تواجهها بمفردها في قاعة الأفراح؟
مرت ثلاثة أيام وأنا حبيس الشقة، أغلقت هاتفي تماماً، ورفضت فتح الستائر. تحول البيت الذي كان يضج بضحكات هيام وعطرها إلى قبر مظلم تفوح منه رائحة الخوف. كنت أنظر للمرآة كل ساعة، أراقب البقع وهي تتسع وتلتهم ملامحي القديمة، ومع كل مليمتر جديد تأخذه البقع، كان الندم يأكل قلبي.
تذكرت دموعها، ونظرتها المكسورة عندما تركتها واقفة وسط زحام الفرح وهربت أنا لأقف مع أصحابي. تذكرت كيف كانت تداري كوعها وصوابعها بالمكياج وهي تبتسم لي ابتسامة باهتة لتستجدي مني نظرة قبول واحدة، وأنا لم أمنحها سوى النفور والبرود.
في اليوم الرابع، رن جرس الباب بقوة ومتواصلة. لم أتحرك من مكاني، لكن الصوت لم ينقطع. اقتربت من الباب ببطء ونظرت من العين السحرية، فوجدت “ماجد”، صديقي المقرب الذي كان فرحه منذ أيام. تراجعت للخلف خوفاً من أن يرى شكلي الجديد، لكنه صرخ من خلف الباب:
“أحمد! افتح يا أحمد أنا عارف إنك جوه.. هيام حكت لمراتي على اللي حصل، وأنا جاي أشوفك.. افتح!”
فتحت الباب ببطء، موارباً إياه ومخفياً الجانب الأيمن من وجهي في الظل. دخل ماجد وعلامات الغضب واللوم واضحة على وجهه، وبدأ يتكلم دون أن ينظر إليّ بتمعن:
“ليه يا أحمد؟ تعمل في هيام كده ليه؟ الست مريضة وبدل ما تقف جمبها تطلقها وتكسر بخاطرها؟ دي مابتوقفش عياط عند أهلها…”
قاطعته وصوتي يرتجف: “ماجد.. بصلي.”
التفت إليّ ماجد، وعندما وقعت عيناه على وجهي، انقطع كلامه فجأة. تراجع خطوة للخلف، واتسعت عيناه بذهول وهو ينظر للبقع البيضاء التي غطت نصف وجهي وكفي. ساد صمت رهيب في الصالة، صمت كان أقسى من أي عتاب.
نظر إليّ طويلاً، ثم جلس على الكرسي ووضع رأسه بين يديه، وقال بصوت خافت: “سبحان الله.. الدنيا دارت بيك بسرعه أوي كده يا صاحبي؟”
لم أستطع الرد، ارتميت على الكنبة وانفجرت في بكاء مرير، بكاء لم أبكه طوال حياتي. كنت أبكي على نفسي، وعلى شكلي الذي ضاع، وعلى الإنسانة الطاهرة التي ظلمتها بجهلي وغروري. قولت له وسط دموعي: “أنا بتموت يا ماجد.. ربنا عاقبني في أعز ما أملك.. شكلي اللي كنت بشوف نفسي بيه على الناس.”
