صينية اكل روماني مكرم ٢

التفت إلى مقعد السائق، وكان شريف هناك. وجهه كان شاحبًا كالمرتسين، وعيناه غائرتين، وجسده متصلب بالكامل كأنه مشلول، لكنه كان يتنفس بصعوبة ويلتفت إليّ ببطء شديد.
دموعي انهمرت وأنا أمسك بيده المثلجة:
“شريف! شريف رد عليا! إنت كويس؟”
حرك شفتيه بصعوبة بالغة وهمس بصوت واهن كأنه يخرج من بئر عميق:
“مش.. مش قادر أتحرك يا منى.. كأن في خيوط رابطة جسمي.. هو.. هو أكل مكاني.. هو سحب روحي.. وبياكل جسمي بالتدريج.”
نظرت من زجاج السيارة الخلفي برعب..
كان الكيان قد خرج من مدخل العمارة. كان يعيد تشكيل نفسه ببطء ليرتدي ملامح شريف البشرية بالكامل مرة أخرى، يسوي قميصه، ويعدل شعره، ويمشي بخطوات طبيعية جدًا نحو السيارة.
تحسست جيوب شريف بسرعة حتى وجدت مفتاح السيارة. وضعت المفتاح في الكونتاكت وأدرته، فارتعش المحرك واشتغل. لم أكن ماهرة جدًا في القيادة، لكن الخوف يعلم المستحيل. ضغطت على دواسة البنزين بكل قوتي والسيارة انطلقت بقوة مخلّفة وراءها صوت احتكاك الإطارات بالأسفلت.
نظرت في المرآة الخلفية..
كان شريف المزيف واقفًا في منتصف الشارع، يراقب السيارة وهي تبتعد بابتسامته الباردة ذاتها، ولم يحاول حتى الجري خلفنا. كأنه يعلم أننا مهما ابتعدنا.. فالعمل ما زال يربطنا به.
بينما كنت أقود بسرعة وعشوائية في الشوارع، رن هاتفي فجأة داخل السيارة.
لم يكن هناك اسم.. فقط شاشة سوداء ورقم غير معروف.
ترددت، ثم فتحت المكبر وصوت أنفاسي المتسارعة يملأ السيارة.
جاءني صوت مدام كريمة، لكنه لم يكن صراخًا هذه المرة. كان صوتًا هامسًا، مرعوبًا، ومصحوبًا بصوت خربشة شبيهة بتلك التي كانت على باب غرفتي:
“منى.. أنا أسفة.. هو.. هو مش في الشقة عندك دلوقتي.. هو جالي أنا.. هو واقف ورايا.. وبيقولي إن صينية الحاتي لسه فيها بقدونس.. وعايزني آكله..”
وفجأة، انقطع الاتصال بصوت صرخة مكتومة، تلاها صوت مضغ بطيء ومقزز..
## الجزء الرابع
تجمد الدم في عروقي وأنا أستمع لصوت المضغ اللزج والبطيء القادم من سماعة الهاتف، قبل أن ينقطع الخط تمامًا ويسود صمت مرعب داخل السيارة، لم يكن يقطعه سوى صوت أنفاس شريف الضعيفة والنهج المتسارع لصدري.
التفتّ إلى شريف. كان رأسه يميل ببطء نحو النافذة الزجاجية، وعيناه غائرتين تحوطهما هالات سوداء تزداد عمقًا وسوادًا مع كل دقيقة تمر. همست وصوتي يرتجف: