العزومة منى السيد

اللي بقت على باب الشقة.
في إيه يا جماعة؟ صوتكم واصل لآخر الشارع، عيب كده الجيران هتتفرج علينا! قالها إسلام وهو بيبص لأمه بخوف، ومتحاشي تمامًا يبص في عين ميّ.
نادية أول ما شافته، قلبت الآية في ثانية، عينيها دمعت بمهارة ممثلة قديمة ومسكت في صدرها كأن جالها أزمة قلبية تعالى يا إسلام.. تعالى شوف مراتك بتعمل في أمك إيه! بتهزأني قدام الغريب، وبتقولي بتاكلي أكلنا وطافحة لحمتنا! الست هانم مش راضية تستلم العشا بتاعي وعايزة تصغرني قدام شلتي وصاحباتي اللي زمانهم طالعين على السلم! يرضيك أمك تتبهدل البهدلة دي في بيتك وتحت سقفك؟ يرضيك تصغرني عشان حتة ورقة فيزا؟
فريد دخل في الخط وهو بيزعق ويمضغ بقية الخيارة إيه قلة الأدب دي يا إسلام؟ إنت مش عارف تحكم بيتك ولا إيه يا واد؟ الست هانم صوتها طالع على أمك وعليا عشان أكلنا طبق طبيخ بايت؟ ما تطلع الفيزا بتاعتك يا ابني وادفع للراجل وخلصنا من المسخرة دي!
إسلام بلع ريقه بصعوبة، وشه احمر من الكسوف وبص للأرض يا بابا.. أنا.. أنا الفيزا بتاعتي مفهاش غير ألفين جنيه يدوب مكملين لآخر الشهر.. ممعيش المبلغ ده كله.
نادية بصت لابنها بصدمة، وبعدين لفت وشها لميّ وشرار الغل بيطلع من عينيها يبقى تدفع هي! ما هي بتشتغل وبتقبض وشايلة فلوسها تحت البلاطة، ماهي لو كانت بنت أصول بجد مكنتش خلت جوزها يتحط في الموقف ده! هاتي الكارت يا ميّ وبطلي دلع، الفلوس بتروح وتيجي، إنما كرامة بيتنا قدام الناس متتبعش برخيص!
الولد الدليفري كان بدأ يتململ، بص في ساعته وقال بصوت واطي ومحرج يا جماعة لو سمحتوا، أنا ورايا أوردرات تانية والوقت بيعدي، هتدفعوا ولا ألغي الأوردر وأرجع بيه المطعم؟ بس لو رجعت بيه هيتسجل عليكم بلاك ليست ومش هتعرفوا تطلبوا منه تاني.
نادية صرخت فيه ترجع بمين يا ابني إنت اتجننت؟ تلغي إيه وصاحباتي على السلم! وبصت لميّ بأمر أخير آخر كلام عندي يا ميّ.. هتدفعي ولا هتختاري تخربي بيتك الليلة دي بإيدك؟
ميّ بصت لحماتها بكل هدوء الدنيا، مكنش فيها ذرة خوف ولا تردد. كل التعب والمهانة والشقا اللي شافته في الشهور الأخيرة اتجمع في اللحظة دي وتحول لكتلة من الصوان.
بصت لإسلام، شافت فيه راجل عاجز، مدلدل راسه في الأرض ومستنيها هي اللي تشيل الليلة وتدفع تمن أنانيته وضعف شخصيته قدام أهله عشان يشتري دماغه ويرجع للبلايستيشن بتاعه.
ميّ مدت إيدها في هدوء، ومسكت مقبض الباب.
بصت للدليفري وقالتله بابتسامة خفيفة وواثقة اتفضل يا كابتن، شيل حاجتك وارجع بيها المطعم. مفيش هنا حد هيدفع ربع جنيه، واللي طالب الأوردر مش معاه يحاسب. اتفضل انزل.
إنتي بتطردي نعمة ربنا؟ بتلغي الأوردر من ورايا؟ نادية صرخت وهي بتهجم خطوة لقدام كأنها هتمد إيدها، بس وقفت مكانها لما شافت نظرة ميّ الحادة اللي خلت شعر إيدها يقف.
ميّ مسبتلهاش فرصة تنطق، بصت لنادية وفريد وقالت بصوت مسموع وواضح رج في الصالة كلها والأوردر مش هو بس اللي هينزل يا طنط.. إنتي وعم فريد قدامكم بالظبط دقيقتين، تلموا حاجتكم وشباشبكم وتتفضلوا برة الشقة دي. صاحباتك بتوع الكلية لما يجوا، قابليهم على قهوة المعاشات اللي على أول الشارع، أو خليهم يطلعولك على الروف اللي بتجددوه هناك، يشربوا شاي في العفار والتراب براحتكم.. إنما شقتي، وعرق جبيني، مش مسرح لمظاهرك الكدابة ولا عزوماتك اللي على قفا اللي جابوني!
السكوت نزل على الصالة زي الصاعقة. حتى فريد الخيارة وقفت في زوره وفضل يكح، ونادية بؤها اتفتح من الصدمة ومش مصدقة إن البنت الغلبانة الطيبة اللي كانت بتنزل راسها وتطبخ وتغسل وتستحمل قلة الأدب، بتطردهم بالمنظر ده.
إسلام رفع راسه مفزوع وبص لميّ بصوت مهزوز ميّ! إنتي بتطردي أهلي قدامي؟ أنتي اتجننتي بجد؟
ميّ لفت وشها وبصتله بنظرة خلته يحس إنه أصغر من النملة وأنت يا إسلام.. لو مش عاجبك كلامي، الباب يفوت جمل، لم هدومك والبلايستيشن بتاعك وحصلهم على تحت حالا!

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *