سلفتي مش نضيفة ٢ زهرة الربيع

نظر حمايا إلى حماتي بصرامة وقال: “نور عندها حق. الصحة مفيهاش مجاملة ولا جبر خاطر. من النهاردة المطبخ ده يتنضف بالديتول والخل قبل ما يدخله أكل، واللي مش هيمشي على أصول النظافة ما يدخلش المطبخ ده تاني أبداً!”
انكسرت شوكة إيمان تماماً أمام هذا الموقف العاصف، ولأول مرة تسقط أسلحتها وبجاحتها لتواجه واقعها المقرف الذي حاولت تغطيته بسنوات من الادعاء والغرور. أصبحت تتجنب النظر في عيني، وارتسمت خطوط جديدة لقواعد التعامل في البيت، حيث أصبحت أنا من يحدد معايير النظافة والنظام، ولكن ذلك لم يكن سوى بداية مرحلة جديدة من المواجهة المستترة.

بعد تلك الليلة العاصفة، تراجعت إيمان إلى الخلف ظاهرياً، لكن غلها كان يغلي تحت الرماد. أصبحت تتحرك في البيت كالمطرودة، تنفذ الأوامر بنظرات مكسورة يملؤها السواد. لم تكن الصدمة بالنسبة لها في افتضاح أمرها فقط، بل في انسحاب بساط القيادة والنفوذ من تحت قدميها، وتحولي أنا في نظر الجميع إلى “عنوان النظافة والترتيب” بعد أن كانت تراعي فيّ الوسواس والبطء.

حاولت حماتي أن ترمم ما تبقى من شكل “بيت العيلة”، فجمعتنا في الصباح وقالت بنبرة محايدة تحاول بها حفظ ماء وجه إيمان: “اللي فات مات يا بنات، وإحنا أولاد النهاردة. المطبخ هينقسم بينكم بالأيام، يوم على نور ويوم على إيمان، وكل واحدة مسؤولة عن أكلها ونظافة مطبخها في يومها، ومفيش واحدة تتدخل في شغل الثانية.”
وافقتُ بابتسامة هادئة، بينما اكتفت إيمان بهز رأسها دون كلام. كانت تلك الخطة بالنسبة لإيمان هي فرصة الانتقام الكبرى؛ فرصة لتثبت للجميع أنني “ناعمة” ولا أتحمل المجهود الشاق، وأنني سأفشل عندما أكون المسؤولة الأولى عن الإطعام والخدمة اليومية.

في الأيام التي كانت من نصيبي، تحول المطبخ إلى ساحة للنظافة والانضباط. الأكل معطر بنكهة الطهي الأصيل، الأواني تتلألأ، والطاولة تُفرش كالصالونات الفخمة. كان زوجي وحمايا يأكلان بشغف وشبع لم يعهداه من قبل، حتى حماتي نفسها لم تستطع إخفاء إعجابها، وكانت تمسح طبقها وتدعو لي بالصحة والبركة.
هذا النجاح الباهر كان بمثابة الخنجر في قلب إيمان. وفي يومها، كانت تتعمد تقديم الطعام بأسلوب ينتقص من النظافة بطرق خبيثة وغير مباشرة، كأن تترك العجين مكشوفاً في الهواء ليتجمع عليه الذباب، أو تتعمد تقليل الملح وتخريب الطعم لتثبت أن أكلها السابق هو الذي كان يعجبهم، لكن المحاولة باءت بالفشل؛ فالجميع قاطع أكلها ولم يعودوا يلمسون ما تطبخه.
عندما أدركت إيمان أن س/لاح الطبخ قد سُحب منها تماماً، انتقلت إلى الخطة الخبيثة الأخيرة: “الحرب النفسية والتخريب المستتر”.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *