بنتي اتطلقت زهرة الربيع ٢

الورقة الوقيعة اللي كانت مكتوبة بالدم ومترشوقة تحت الباب نزلت عليا زي الصاعقة. أيدي كانت بتترعش وأنا ماسكاها، والدموع جمدت في عيني من شدة الرعب. بنتي كانت واقفة ورايا ماسكة في دراعي، ولما شافت وشي أصفر زي الليمونة سألتني بصوت مرعوب: “في إيه يا أمي؟ مين اللي كان بيخبط؟ الورقة دي فيها إيه؟”
خبّيت الورقة ورا ضهري فوراً وضغطت عليها بإيدي عشان أداريها، وابتسمت بالعافية وقولتلها بصوت بحاول أخليه طبيعي: “مفيش يا حبيبتي.. ده عيل سخيف من الشارع بيلاعبنا، ادخلي أنتي نامي ورتاحي عشان جرح إيدك، والولد نايم جوه زي الفل.”
بنتي دخلت وهي مش مطمنة، عينها كانت بتتسحب في أركان الشقة كأنها حاسة إن الخطر حولين رقبتها. أما أنا فقفلت الباب بالترباس والترباسين، وحطيت وراه الكرسي الخشب التقيل، وقعدت في الصالة في الضلمة، مسكّنة الورقة في إيدي والنار بتاكل في صدري. تهديد بجثة محمد؟! الندل وطليقها وعيلته وصل بهم الفجر والغل لحد إنهم يهددوا بقتل طفل عنده ٣ سنين عشان بس يكسروا قلب أمه ويحرموها منه؟
أول ما الشمس طلعت، أخدت الورقة وتلفوني وطلعت جري على مكتب المحامي الشاب اللي وقف معانا لوجه الله. دخلت عليه المكتب وأنا بنهت والورقة في إيدي، رميتها على مكتبه وقولتله وأنا ببكي: “شوف يا أستاذ! شوف الفجر والندالة وصلوا لإيه! بيهددوني بقتل حفيظي لو ما رجعناهوش، غير قضية إسقاط الحضانة اللي رفعوها عشان قال إيه بنتي مجنونة وحاولت تنتحر!”
المحامي مسك الورقة وقراها بتمعن، وش وشّه اتغير وملامحه بقيت جادة جداً. بص لي وقال: “يا حاجّة، التهديد ده خطير جداً، وطليقها كده بيلعب في منطقة مفيهاش رجعة. هو حاسس إن الحبل بيتلف حوالين رقبته وإن القانون هيديله على دماغه، فعايز يرهبكم عشان تتنازلوا عن كل حاجة. بالنسبة لقضية إسقاط الحضانة، محاولة الانتحار بسبب الضغط النفسي الشديد والتعسف مش دليل على عدم الأمانة، وإحنا هنثبت قدام المحكمة إن السبب الرئيسي في تدهور حالتها هو معاملتهم وقسوتهم واختطافهم للطفل.”
كمل المحامي وقال: “الورقة دي هناخدها فوراً ونعمل بيها محضر عدم تعرض وتهديد بالقتل في النيابة، ونطلب تفريغ كاميرات الشارع عشان نعرف مين الندل اللي جه حطها تحت الباب. بس المهم دلوقتي.. بنتك والولد ما يقعدوش في الشقة دي لوحدهم ثانية واحدة! الناس دول مستعدين يعملوا أي حاجة.”
رجعت البيت وأنا جوايا قرار حاسم. إحنا مش هنفضل مستنيين لما يجوا يذبحونا في شقتنا. جمعت هدوم بنتي ومحيطات الولد في شنطتين صغار، وقولت لبنتي بصوت حازم: “شيل ابنك يا بنتي.. إحنا هنقفل الشقة دي وهنمشي من المنطقة خالص لغاية ما القضية تخلص والشرطة تلم الأندال دول.”
بنتي بصت لي بدهشة وقالت: “هنروح فين يا أمي؟ إحنا مالناش حد في الدنيا بعد ربنا وأبويا الله يرحمه! هنروح فين بالشنط دي في الشوارع؟”
رديت عليها وأنا بدمع: “هنروح عند أخت أبوكي الله يرحمه في البلد.. عمتك راجية في الصعيد، ناس طيبين وفي حالهم وليهم بيت كبير وه يحمونا.. هناك محدش يقدر يوصل لضناكي ولا يلمس طرف هدومك.”
وبالفعل، خرجنا اتسحاب من الشقة زي الحرامية في نص النهار، وأيدينا في إيدين بعض ومحمد في حضن أمه. ركبنا الميكروباص وطلعنا على محطة القطار، وأنا طول الطريق عيني على الشارع وورانا، خايفة يكون حد بيراقبنا أو ماشي ورا خطواتنا.
وصلنا الصعيد بعد سفر هدّ حيلنا، وركبنا للقرية اللي فيها بيت عمتها. أول ما وصلنا والباب اتفتح، وعمتها شافتنا بالمنظر ده والكسرة في عيوننا والجرح اللي في إيد بنتي مربوط بالشاش، حطت إيدها على صدرها وصوتت: “يا مري! إيه اللي حصل لكم يا خية؟! مين عمل فيكم أكده؟!”
حكيت لها كل حاجة.. حكيت لها من أول يوم طلاق، وقسوة جوزها، وقسوتي أنا عليها لما طلبت منها ترمي الولد، ولحد النزيف والنيابة والورقة المكتوبة بالدم. عمتها بكت واحتضنت بنتي ومحمد بكل قوتها وقالت بغضب يزلزل الأكان: “والله العظيم ولو كان عيلة كاملة تقف قدامنا، ما حد يلمس ولدكم طول ما فينا نفس يتردد! البيت بيتكم والولد في حمايتنا وحماية رجالة العيلة!”
قعدنا في البلد والأيام بدأت تعدي هادية شوية، بنتي بدأت تسترد عافيتها، وجرح إيدها بدأ يلم، ومحمد بدأ يضحك ويلعب في حوش البيت الكبيرة مع عيال عمتها. لكن الهدوء ده كان الهدوء الذي يسبق العاصفة..
بعد أسبوعين بالتمام، وأنا قاعدة في الحوش مع عمتها بنعمل الأكل، اتفتح باب البيت الخارجي بقوة، ودخل ولد صغير من عيال البلد وهو بنهت وبيصرخ: “الحقوا يا جماعة!! في عربيتين نزلوا عند أول البلد فيهم رجالة غريبة بسلاح وسلاسل وبيسألوا عن بيت الحاجة راجية وعايزين يهدوا البيت وياخدوا العيل!”
الدم اتجمد في عروقنا كلياً.. الندل طليقها معرفش يوصل لنا بالقانون، فاستأجر بلطجية ورجالة بسلاح وجايين الصعيد ياخدوا الولد بالقوة والعافية!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *