حماتي والمرآة السرية

عملاها؟
سهير سكتت.
ثانية…
اتنين…
وبعدين قالت حاجة عمري ما توقعت أسمعها منها.
لأ.
بصتلي مباشرة.
منى اللي عملاها.
وبعدين أضافت
وأنا جبتها.
مقدرتش أمنع ابتسامة صغيرة.
قلت
شكرًا.
سهير هزت راسها.
وكانت هتمشي.
لكنها وقفت عند الباب.
لفت ناحيتي وقالت
ياسمين؟
نعم؟
سكتت شوية.
واضح جدًا إن الكلمة اللي عايزة تقولها تقيلة عليها.
أنا…
وبعدين بلعت ريقها.
أنا مكنش المفروض أرمي الأكل.
مردتش.
كملت
حتى لو أنا شايفة إن الأكل البيتي أحسن… مكنش من حقي أعمل كده.
كريم كان واقف جنب الشباك وساكت.
ولا حاول يساعدها.
ولا قال
خلاص يا حبيبتي، ماما اعتذرت.
سابها تكمل لوحدها.
وده كان أهم حاجة عملها.
سهير بصتلي وقالت
وأنا مكنش المفروض أقولك تقومي تطبخي وإنتِ تعبانة.
قلت بهدوء
فعلًا.
واضح إن الكلمة وجعتها.
لكنها هزت راسها.
فعلًا.
وبعدين خرجت.
افتكرت إن الموضوع خلص هنا.
لكن الحقيقة…
إن الدرس الحقيقي حصل بعد أسبوعين.
كان عندنا عزومة عائلية كبيرة في بيت سهير.
إخوات كريم، وخالاته، وعمامه، وأولادهم.
وأنا كنت مترددة أروح.
لكن كريم قاللي
لو مش عايزة، منروحش.
قلتله
لأ. هنروح.
وصلنا حوالي الساعة ستة.
وأول حاجة لاحظتها إن السفرة مليانة أكل بشكل مبالغ فيه.
محشي.
فراخ.
لحمة.
مكرونة بشاميل.
سلطات.
وحلويات.
بصيت لسهير وقلت
كل ده عملتيه لوحدك؟
وقبل ما ترد…
سمعنا صوت من المطبخ.
يا سهير، فين طبق السلطة الكبير؟
كانت منى.
طلعت من المطبخ لابسة مريلة وبتضحك.
بصيت لسهير.
سهير بصتلي.
ولثانية، حسيت إننا الاتنين افتكرنا نفس الحاجة.
لكن قبل ما حد يقول كلمة، واحدة من قرايبها ضحكت وقالت
إيه ده يا سهير؟ مستعينة بمدد خارجي ولا إيه؟
زمان…
سهير كانت ممكن تبرر.
كانت ممكن تقول إن منى بس ساعدتها بحاجة بسيطة.
لكن المرة دي قالت ببساطة
آه.
الكل بص لها.
كملت
منى عملت نص الأكل تقريبًا.
منى ضحكت.
نص إيه يا بنتي؟ أنا عملت المحشي والبشاميل والحلو!
ضحكوا.
حتى سهير نفسها ضحكت.
وبعدين قالت
خلاص… تلات تربع الأكل.
قعدنا على السفرة.
وفي نص العشا، مرات أخو كريم، هبة، قالت إنها مرهقة جدًا اليومين دول بسبب شغلها والعيال.
واحدة من الستات الكبار قالت لها
ما الست لازم تستحمل يا بنتي. البيت ملوش دعوة بتعبنا.
قبل ما ألحق حتى أرفع عيني من الطبق…
سهير ردت.
لأ.
الكل سكت.
بصت لهبة وقالت
لما تتعبي، اطلبي أكل.
أنا رفعت عيني وبصيت لكريم.
هو كمان كان باصصلي.
سهير كملت
أو خلي جوزك يطبخ.
أخو كريم كح فجأة وهو بيشرب المية.
الكل ضحك.
لكن سهير كانت جادة.
وقالت
البيت مسؤولية كل اللي عايشين فيه… مش امتحان للست.
الكلمة دي تحديدًا خلتني أسكت.
لأن من أسبوعين بس…
نفس الست كانت واقفة قدام سلة الزبالة بتقولي
الزوجة الشاطرة بتطبخ لجوزها بنفسها.
وإحنا راجعين البيت، كريم كان سايق وأنا قاعدة جنبه.
قلتله
واضح إن طبق طنط منى عمل معجزة.
ضحك.
الطبق ده أخطر من أي محاضرة.
قلتله
بس أنا لسه زعلانة على وجبة اللحمة بتاعتك.
بصلي بسرعة.
أنا؟ ده أنا اللي زعلان على الأربعة آلاف جنيه.
ضحكت.
قال
وبالمناسبة…
إيه؟
الأسبوع الجاي أنا اللي هعمل العشا.
بصيتله بشك.
إنت؟
آه.
بإيدك؟
بإيدي.
من غير طلبات؟
سكت.
قلت
كريم؟
ضحك وقال
أنا قلت هعمل العشا… مقولتش إني هنجو منه.
وبعدها بكام يوم، حصلت حاجة صغيرة جدًا…
بس بالنسبة ليا كانت أهم من كل الكلام.
كنت راجعة من الشغل متأخرة.
دخلت البيت ولقيت سهير قاعدة مع العيال.
أول ما شافتني قالت
شكلك مرهقة.
استنيت تلقائيًا الجملة اللي بعدها.
بس الأكل لسه متعملش.
أو
كريم راجع إمتى؟
لكنها قالت
متطبخيش النهارده.
بصيتلها.
طلعت موبايلها وقالت
العيال عايزين بيتزا، وأنا عايزة فراخ مشوية. إنتِ عايزة إيه؟
فضلت باصة لها ثانيتين.
وبعدين
قلت
شوربة فراخ.
ابتسمت.
شوربة فراخ.
طلبت الأكل.
ولما وصل…
هي بنفسها فتحت الباب واستلمته.
حطت العلب على السفرة.
وبعدين مسكت علبة الشوربة وناولتهالي.
قالت
خدي… قبل ما تبرد.
وأنا باخدها منها، عينينا اتقابلت.
ولا أنا قلت حاجة.
ولا هي قالت.
بس الاتنين كنا فاكرين علبة الشوربة القديمة اللي اترمت في الزبالة.
يمكن بعض الناس مش بيتغيروا بمحاضرة.
ولا بخناقة.
ولا حتى لما حد يزعقلهم.
أحيانًا…
كل اللي بيحتاجوه إن حد يحط قدامهم جزء من ماضيهم كانوا ناسيينه.
عشان يفتكروا إنهم في يوم من الأيام كانوا محتاجين نفس الرحمة اللي دلوقتي بيحاسبوا غيرهم عليها.
ومن يومها، طبق منى القديم فضل عند سهير.
معلقاه في مطبخها.
ولما سألتها مرة
محتفظة بيه ليه وهو قديم كده؟
بصت للورقة الصفرا اللي لسه مكتوب عليها بخط باهت
سهير الثلاثاء
وقالت وهي بتبتسم
عشان كل ما أفتكر إني كنت ست خارقة…
أبصله.
وآخر مرة تعبت فيها وكنت نايمة في السرير، سهير كانت أول واحدة تتصل بيا.
قالتلي
عايزة شوربة؟
ضحكت وقلت
آه.
سكتت لحظة، وبعدين سألتها
هتعمليها؟
ردت بمنتهى الجدية
لأ طبعًا… منى هتعملها.
وضِحكنا إحنا الاتنين.

