حقن مجهري منى السيد ٢

مرت ثلاثة أيام كاملة في المستشفى وأنا أستجمع ما تبقى من عافيتي ونبض طفلي المتبقي. كتمت ألم فقدان الأسر الأول في ، ولم أسمح لدمعة واحدة أن تسقط أمامي أو أمام بناتي؛ كنت أعلم أن أي انهيار قد يكلفني هذا الضعيف الذي يعيش على المحاليل الرحم. خرجت من المستشفى منهك، محمولة على كرسي متحرك حتى السيارة، ورأسي ملفوف بشال أحكمت كي لا ألمح وجه أمي التي كانت ما تزال ترابط في مدخل المستشفى. لم ألتفت إليها، بل غمضت عيني وركبت بجوار حسام، والبنات في الخلف يمسكون بأطراف عباءتي بخوف مكتوم.
عدنا إلى شقتنا الصغيرة. كانت رائحة بيتي المتروك منذ ثلاثة أشهر هي أول ما رد فيا الروح. كانت مغبرة قليلاً، وشمس النهار تتسلل من بين الستائر لترسم خطوطاً بيضاء على الأرض. حسام نزل البنات بهدوء، ثم حملني بين ذراعيه ووضعني على سريري في غرفة النوم، غطاني بحنان، وجلس على طرف السرير يمسح على رأسي بنبرة خائفة: “أنا أخذت إجازة أسبوعين من العمل يا ندى.. هفضل جنبك، أطبخ وأخدم البنات وأديكِ الدواء في مواعيده.. مش هسيبك لحظة واحدة.”
نظرت له بامتنان، وكانت هذه أول مرة منذ سنوات أشعر فيها أنني لسْتُ وحدي في معركتي. لكن الراحة لم تدم طويلاً..
في المساء، وبينما كان الهدوء يعم البيت والبنات نائمات في غرفتهن، رن هاتف حسام برقم أخوي الأكبر “أحمد”. حسام نظر إليّ بتردد قبل أن يرد، فتح الميكروفون الخارجي بناءً على إشارة مني. جاء صوت أحمد حاداً، غاضباً، ومتشنجاً يخلو من أي سلام أو سؤال عن صحتي: “إيه اللي اختك بتعمله ده يا حسام؟! إزاي تسمح لها ترمي أمها في الشارع قدام المستشفى وتمنعها تدخل تفحص عليها؟! أمك قفلوا عليها الباب وراجعة البيت
أحمد أشد: “بلاش حجج فارغة! النزيف ده مكتوب من ربنا، أمك مالها وماله؟! أمك شالتها تلت شهور كامليين كانت بتغسل هدومها وتعملها الأكل وهو وهي قاعدين ملوك! عشان حتة موقف مع البنات تقلب عليها كده وترمي خيرها في البحر؟! أختك لازم ترفع التليفون حالاً تبوس إيد أمها ورجلها ، وإلا قسم بالله لا أنا ولا إخواتك ندخل بيتها تاني ولا نعرفها!”
سحبت الهاتف من يد حسام بثبات عجيب، وضغطت على زر الإجابة وقربته من فمي. رددت بصوت خفيض ولكن كل حرف فيه كان يخرج كأنه قذيفة: “أحمد.. انت كلمتني تسأل عن ابن اختك اللي رددت عليه: “مش تحت أقدام الأمهات اللي بيكسروا قلب البنات الصغار في نص الليل عشان يسدوا عقد نفسية أو في حياة ولادهم! أمي شيلتني تلت شهور صحيح، بس تمن الخدمة دي من كرامتي وكرامة جوزي كل يوم.. كانت بتعامل بناتي كأنهم جربانات أو ضيوف ثقال، ولما احتاجوا يناموا في ليلة واحدة، بشخير وزعيق ! أمك خسرتني ابني، وكانت عايزة تخسرني كرامتي.. ولو انتوا شايفين إن صلة الرحم معناها إني أقبل لعيالي وأسكت، فاعتبروني ماليش إخوات من النهاردة!”
