رفضت اتجوز تاني زهرة الربيع ٢
وضع القلم من يده، واستوى في جلسة متوجسة، يتوقع أن الشاب جاء ليوجه له إهانات أو لينبهه بالابتعاد عن أمه.
* أهلاً يا حازم.. خير؟ في حاجة حصلت؟
تنفس حازم ببطء، وجلس على الكرسي المقابل للمكتب دون أن يفقد ثباته:
* أنا جاي هنا عشان أعتذر لك بنفسي.. وعشان أوضح لك حاجة مهمة.
ازداد استغراب الرجل:
* تعتذر لي؟ على إيه؟
رد حازم بنبرة فيها نضج واضح:
* بعتذر عن الرفض اللي جالك من أمي. الرفض ده مكنش بسببك، ولا عشان أنت فيك عيب.. الرفض ده كان بسببي أنا. أنا ساعتها اتصرفت بغباء وأنانية، وعملت مشكلة كبيرة وخيرت أمي بيني وبين الجواز، وهي طبعاً اختارت ابنها زي ما أي أم عظيمة بتعمل.
ساد الصمت في الغرفة، والترقب يملأ وجه الرجل الذي لم يصدق ما يسمعه من شاب في هذا السن.
تابع حازم كلامه بثقة:
* أمي ضحت بعمرها كله عشاني، وأنا كنت فاكر إن ده حق مكتسب. بس أنا اتعلمت الدرس، وفهمت إن أمي من حقها تفرح وتلاقي اللي يشاركها حياتها. لو حضرتِك لسه عند عرضك، ولسه شارك أختيارك.. أنا جاي أقولك إن البيت مفتوح لك، وإن راجل البيت اللي هو أنا، بيطلب منك ترجع تتقدم لها تاني، وأنا أول واحد هبارك لك وهكون في ضهركم.
قام الرجل من خلف مكتبه، واقتربت خطواته من حازم وهو ينظر إليه بذهول وإعجاب شديدين. مد يده وصافحه بحرارة، ثم وضع يده الأخرى على كتف حازم وقال بصوت صادق:
* أنا سمعت عنك كتير من أُمك يا حازم.. كانت دايماً بتقول إنك راجل، وأنا صراحة لما اترفضت شكيت في كلامها وافتكرتك طفل أناني. بس النهاردة أنا شفت قدامي راجل بجد.. راجل بيعرف يعترف بغلطه وبيعرف يحمي أمه بجد مش بمجرد الكلام.
ابتسم حازم وقال:
* أمي هي اللي ربتني يا أستاذ.. واللي أُمي مربياه لازم يكون راجل.
في مساء ذلك اليوم، عادت الأم إلى البيت متعبة كالعادة. وجدت الصالة معطرة، وطاولة الطعام مجهزة بعشاء دافئ أعده حازم بنفسه. جلست تتناول العشاء معه وهي تبتسم لاهتمامه.
فجأة، رن هاتف أمه. رفعت السماعة لتجد المتصل هو زميلها في العمل. تغيرت ملامحها للدهشة وهي تسمعه يقول لها عبر الهاتف:
* مساء الخير يا أستاذة.. أنا آسف على الإزعاج في الوقت ده. بس أنا بطلب تحديد ميعاد تاني عشان أزوركم في البيت وأطلب إيدك رسمي.. والمرة دي، أنا واخد الميعاد وموافق عليه من “راجل البيت” نفسه، حازم ابنك!
سقطت الهاتف تقريباً من يد أمه، ونظرت إلى حازم بعينين متسعتين من الصدمة والذهول، بينما كان حازم يبتسم لها بهدوء، ويومئ برأسه مستعداً لاستقبال المرحلة الجديدة في حياتهما.
سقطت سماعة الهاتف من يد أمي على الطاولة، وظلت بؤبؤة عينيها تتنقل بين الشاشة المضاءة باسم زميلها وبين وجهي المبتسم بثبات. كان الذهول ملء ملامحها، وكأنها تحاول إعادة تجميع أجزاء مشهد لم تخطط له ولم تتوقعه قط.
تنفسَت بصعوبة وقالت بصوت يرتجف بين الصدمة والعتاب:
* حازم.. أنت عملت إيه؟ أنت رحت له الشغل؟!
قمت من مقعدي بهدوء، واقتربت منها ثم جثوت على ركبتي إلى جوار كرسيها، ومسكت يديها اللتين كانت البرودة قد تسللت إليهما من فرط المفاجأة، وقلت لها بنبرة صادقة يملؤها الثبات:
* رحت له يا أمي.. رحت للراجل اللي رفضتيه عشان خاطري، وقلت له إن الرفض ده كان بسبب طفل أناني اتعلم الدرس خلاص وبقى راجل. قلت له إن البيت مفتوح، وإنك أديتِ رسالتك وزيادة، وجِه الوقت اللي تفرحي فيه.
تجمعت الدموع في عينيها، لكنها هذه المرة لم تكن دموع قهر أو تعب، بل كانت دموع ذهول أم ترى ثمرة سنوات قسوتها وتضحياتها تنضج أمامه في لحظة واحدة. رفعت يدها لتمسح على وجهي وقالت بنبرة متحشرجة:
* أنت بتعمل كده عشان ترضيني يا حازم؟ ولا عشان خايف أكون زعلانة منك؟ أنا مش عايزة حاجة تضغط عليك يا بني.. أنا كفاياني إنك بقيت جنب راجل.
ابتسمت لها وقلت:
* أنا بعمل كده عشان دي الحقيقة يا أمي. عشان أنا شفت بعيني الشحط اللي عنده ١٧ سنة وهو مش عارف يدبر أكل يومه ولا يدفع ثمن درس من غيرك. وعرفت إن اللي ضحت بسبع سنين من شبابها عشان ماترميش ابنها لراجل غريب، تستاهل إن ابنها لما يكبر يختار لها أحسن راجل يصونها ويكون سند ليها وليا. أنا مش مجبر، أنا اللي طالبت ده بملء إرادتي.
مرت الأيام التالية في ترتيبات سريعة ومربكة، لكنها كانت مفعمة بدفء مفقود منذ سنوات طويلة. جاء الأستاذ طارق —زميل أمي— لزيارتنا في البيت. لم تكن الزيارة كأي زيارة تقليدية؛ لم أكن أقف في الزاوية كطفل يُملى عليه القرار، بل كنت أنا من يستقبله عند الباب، أُرحب به، وأجلس أمامه ندًا لند في الصالة التي شهدت قبل أسابيع قليلة أشد لحظات طفولتي طيشاً.
كان الأستاذ طارق رجلاً ناضجاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ لم يحاول فرض سلطته، ولم يتعامل معي بفوقية. نظراته لي كانت تحمل احتراماً جمّاً للتحول الذي شهد عليه بنفسه. قال لي وهو يشرب القهوة معي:
* أنا عارف يا حازم إنك صاحب البيت ده، وإن أمك هي كل دنيتك. أنا مش جاي أخد مكان أباك الله يرحمه، ولا جاي أضيق عليك. أنا جاي أكون سند لأمك، ورفيق ليها في السنين اللي جاية، وأنت هتفضل دايماً الراجل الأول في عينها.
كانت كلماته كالبلسم الذي أزاح أخر رواسب الخوف من صدـ,,ـــري. اتُفق على كل شيء ببساطة ودون تكلف؛ عقد قران هادئ وحفل بسيط يجمع المقربين فقط.
خلال الأسبوعين اللذين سبقا الزفاف، تحولت شقتنا إلى ورشة عمل صغيرة. أعدنا طلاء الصالة، واشترينا بعض قطع الأثاث الجديدة لتجديد روح البيت. كنت أعمل بيدي إلى جوار العمال، أصلح السباكة، أتابع الدهانات، وأشتري المستلزمات. كنت أشعر بلذة عجيبة وأنا أدفع من المال الذي جمعته من عملي في المكتبة ليشارك في تجهيز بيت أمي.
وفي ليلة الزفاف.. كان المشهد في الغرفة يختصر كل شيء.
كنت أقف أمام المرآة أعدل رابطة عنقي، عندما دخلت أمي بكتانها الأبيض البسيط وفستانها الهادئ الذي أظهر أنوثتها وجمالها اللذين دفــ,,ـــــنتهما لسنوات تحت ركام التعب والمسؤولية. كانت تبدو كعروس في العشرينات، ملامحها مشرقة وضحكتها عائدة من منفاها.
وقفت تنظر إليّ بدموع حبسَتها بصعوبة، فاقتربت منها وأمسكت بيديها الاثنين.
* طالعة زي القمر يا أمي.. أحلى عروسة شفتها في حياتي.
دنت مني وضمتني إلى صدـ,,ـــرها بقة، حت أحسست بدقات قلبها المتسارعة، وقالت في أذني بصوت يرتجف:
* أنا ربيت راجل يا حازم.. السبع سنين اللي فاتوا مكانوش خسارة، وكل تعب الشارع والبيت هان في اللحظة دي لما شفتك واقف جنبي وبتسلمني بيدك.
مسكت يدها وخرجنا سوياً إلى الصالة حيث كان الحضور بانتظارنا. قُدِمت أمي إلى عريسها، وأنا أقف إلى جوارهما بثبات وثقة، أتقبل تبريكات الأقارب والأصدقاء الذين كانوا يرمقونني بنظرات ذهول وإعجاب، متذكرين الشاب العصبي الذي كان يرفض الفكرة بالأمس، وكيف أصبح اليوم حامي الحمى والمسؤول الأول عن سعادة أمه.
وانتهى الحفل البسيط، وغادر الضيوف واحدًا تلو الآخر. وعندما حانت لحظة المغادرة لبيتهم الجديد الذي سيعيشان فيه مؤقتاً قبل أن يعودا للتنقل بين البيتین، وقفت أمي عند الباب تتأملني بحيرة العاطفة، وكأنها خائفة من تركي لوحدي في البيت لأول مرة.
ابتسمت لها، وأمسكت بيد الأستاذ طارق ووضعتها في يدها، وقلت له بوضوح:
* أمانة عندك يا أستاذ طارق.. شيلها في عينيك، دي أغلى حاجة عندي في الدنيا.
ثم التفت إليها وقبلت رأسها:
* متقلقيش عليا يا أمي.. ابنك بقى راجل بيعرف يعتمد على نفسه، والبيت ده هيفضل متصان ومستني رجوعكم في أي وقت.
نزلا السلم ببطء، وظللت واقفاً عند الباب المفتوح أرقب خطواتهما حتى اختفيا في الظلام. أغلقت الباب بهدوء، ودخلت الصالة الخاوية. لم أشعر بالوحدة ولا بالخوف، بل شعرت براحة عميقة تملأ صدـ,,ـــري لأول مرة منذ سبع سنين.
نظرت إلى صورة أبي المعلّقة على الحائط، وابتسمت له بثقة وقلت بصوت خفيض:
* اطمن يا بابا..
