حماتي قعيدة روماني مكرم ١
كنتُ لسه مخلصة تنظيف حماتي اللي المرض مقعدها في السرير، لما دخل جوزي حسن بعد ما غاب في الشغل بره مصر ثلاث سنين كاملين. أول ما حط رجله في البيت، بدأ يوزع الهدايا وكأنه جايب معاه الفرح كله. قال وهو مبتسم: “يا أمي… يا أبا… العمر جرى بيكم، وأنا جيبتلكم فيتامينات ومكملات غذائية غالية أوي من بره، عشان تصحصحوا وترد فيكم الروح.” وش حماتي أم حسن أَنَوَّر من الفرحة، وكأنها نسيت تعبها في ثانية. أما أخته شيماء، فجريت وخطفت أغلى شنطة وصرخت بهيصة مبالغ فيها: “أنت أحسن أخ في الدنيا كلها!” أصل أنا كنت واقفة على جنب في أخر الأوضة، لسه بلبسي ومريلتي، وإيدي مبلولة وعرقانة. ثلاث سنين… حمل البيت ده كله كان على كتفي لوحدي. خدمة أبوه وأمه، وتربية ابننا، والمشال والمطال… وفي المقابل… ما بعتش جنيه واحد. ولما عينه جات في عيني أخيراً، وقف فجأة. قلبي نط من مكانه… قلت خلاص، جه دوري. مديت إيدي أخد أجمل علبة على الترابيزة… بس صوته جه ينزل عليا زي المية الساقعة: “إيدك! بلاش تلفحيها بإيديكي المش نظيفة دي… دي لشريكتي في الشغل، ميرفت.” اتسمرت في مكاني، وإيدي متعلقة في الهوا. قلت بصوت ناشف: “وهديتي فين؟” اتردد لحظة، وبعدين طَلَّع من الشنطة ميدالية مفاتيح رخيصة، ورماها عليا بقلة ذوق: “دي عشانك…
نَقَّيتها ليكي مخصوص، حافظي عليها بقى.” خبطت في إيدي… ووجعتني. بصيت للهدايا الفخمة المترصصة على الترابيزة… وبعدين قلبت الميدالية، لقيت الورقة ملزوقة عليها: [هدية مجانية مع الشراء] حماتي ضحكت وصقفت: “ابني طول عمره أصولي وبيعرف يوجب!” وشيماء حضنت شنطتها الجديدة ونظرت لي بقرف: “بلاش دراما والنبي… خديها وخلصينا.” رفعت الميدالية في وشه: “بتديني هدية مجانية… بعد كل ده؟” وش حسن اتغير وقال ببرود: “وحتى لو مجانية؟ أنتِ طماعة وعينك فارغة.” اتنفضت فيه: “شريكتك تاخد أزجاجة برفان الشيء الفلاني… وأختك تاخد شنطة ماركة… وأنا؟!” قرب مني خطوة وقال بأبرد ما عنده: “عشان أنتِ ما تستاهليش أكتر من كده.” كل حاجة جوايا وقفت. وطلع صوتي بيموت ويترعش: “ما أستاهلش?!” دموعي كرت: “ثلاث سنين وأنا شايلة البيت ده على دماغي!” “كل يوم بمرض أُمَّك وأخاف عليها من الهوا الطاير!” “بأكلها بإيديا!” “بربي ابننا، وبخدم أباك!” “كل صغيرة وكبيرة كانت عليا!” “وأنت؟ غايب ثلاث سنين… لا مصاريف ولا حتى حس ولا خبر!” “وترجع دلوقتي عشان تديني دي?!” زعق بقلة أدب: “اخرسي!” وبعدها… قلم شديد. وبعديه تاني. وبعديه ثالث. صوت ضربه سمّع في الشقة كلها. وما حدش اتهز. ولا حد نطق كلمة يدافع بيها عني. حطيت إيدي على خدي اللي بيولع: “حسن… بتضربني؟” قال بمنتهى البرود: “عشان تتربي وتستاهلي.” وكمل بغل: “البرفان اللي اتكسر ده كان بفلوس وشيء وشويات! هتدفعي تمنه يعنى هتدفعي!” بصيت له وبحلقة: “أنا؟ أدفع؟” ما ردش… ده طَلَّع أجندة سودة قديمة، ورماها تحت رجلي. صفحاتها اتفرطت. وشاور عليها: “ثلاث سنين… أكلك، وشربك، والكهرباء، والمية، وعلاج أمي، ومصاريف المدرسة بتاعت الواد… كل المليم محسوب.” “سددي اللي عليكِ الأول وبعدين أطلبي هدايا.” قعدت على الأرض أبص في الأجندة. كل سطر… متسجل فيه “مصاريفي”. بس ما كتبش… إني ما أخدتش منه مليم. كل اللي صرفته… كان من قرشين شقايا ومدخراتي من قبل الزواج. هديت حيلي في خدمتهم… وفي الآخر… بيقدم لي فاتورة حساب. قمت ببطء. دموعي نشفت. وما بقاش في حيل للمجادلة. دخلت الأوضة… أخدت البطاقة، وكارت البنك، وحبتين هدوم… وحطيتهم في شنطة. وخرجت. كان لسه عمال يحسب: “المجموع يطلع بتاع 14,500 دولار… هاتي 8000 الأول تحت الحساب…” عديت من جنبه ولا كأني شايفاه. مشيت في الصالة… شفت الإزاز المكسور… والوشوش الساقعة… والشماتة في عينيهم. وصلت عند الباب… ولبست جزمتي. مسك إيدي فجأة: “صباح! على فين العزم كده؟” وقفت… من غير ما ألتفت له. قلت بهدوء يقطع العرق ويسيح دمه: “يا حسن… أنا خدمت العيلة دي ثلاث سنين.” “ما شفتش منك كلمة حلوة… ولا قرش… ولا أصول.” “لحد هنا…
وخلاص جابت أخرها.” البيت كله اتنتر. حماتي صرخت: “سايبة البيت وماشية عشان هدية يا جحدة?!” وشيماء قالت بسخرية: “إيه تمثيل الأفلام ده!” زقيت إيده بعيد عني. وبصيت له: “هنتني… وضربتني… وعايز تحاسبني على ديون من خيالك؟” وبصيت لحماتي: “شلتك ثلاث سنين على كفوف الراحة… سمعتي مني العيب يوم؟” “والنهاردة… حد فيكم فتح بقه كلمة حق يسترد بيا؟” البيت بقى زي المقابر. بصيت له لأخر مرة: “أنا جبت أختري.” “ومن النهاردة… صباح مالهاش صالح بيكم.” فتحت الباب… وخرجت. حسيت براحة وغُمّة وانزاحت عن صدري… كأني اتولدت من جديد. طلعت تليفوني… وطلبت رقم. كانت الحاجة أم أمل، ست طيبة وودودة من حيّنا الشعبي في السيدة زينب، وابنها من كبار التجار في السوق. كانت طول عمرها شايفه شقايا وتعبي… وكانت دايماً تقولي: “بابي مفتوح ليكي يا بنتي في أي وقت.” عرضت عليا كتير أشتغل عندها مديرة بيت مقيمة… أوضة لوحدي… وراتب يبسطني… ومعاملة تشيلني على رأسها كأني واحدة منهم. #الكاتب_رومانى_مكرم_ بس أنا كنت برفض… عشان كنت فاكرة إن البيت ده بيتي. أما دلوقتي… فأدركت بعد فوات الأوان… إنه ما كانش بيتي في يوم من الأيام. بس هما ما كانوش يعرفوا… إن خروجي من الباب ده ما كانش نهاية حكايتي… دي كانت بداية حساب ما يخطرش على بال حد فيهم.
وقفتُ في الشارع والمساء يرخي سدوله على حيينا الشعبي، أنفاسي تتصاعد كالبخار، وفي يدي حقيبة صغيرة تختصر سنوات من القهر والصبر. لم أتردد لحظة، رفعت الهاتف وأجريت المكالمة. جاءني صوت الحاجة أم أمل كأنه طوق نجاة وسط بحر متلاطم: “تعالي يا صباح يا بنتي، الباب مفتوح، والبيت بيتك من غير ما تحكي ولا كلمة.” وصلتُ إلى بيتها في السيدة زينب، استقبلتني بالأحضان، ولم تسألني عن شيء حتى أطعمتني وهدأت روعي. وفي تلك الليلة، وأنا أجلس في الغرفة المستقلة التي خصصتها لي، أدركتُ أن البكاء لن يسترد كرامتي، وأن الدموع لا تبني حقاً. كشفتُ عن ساعدي، وقررتُ أن أبدأ المعركة، ولكن هذه المرة بالقانون والمستندات والعقل السليم. كان حسن يعتقد أنني مجرد امرأة ضعيفة لا حول لها ولا قوة، خرجت بلا عائد، وأنها ستستسلم بعد أيام وتعود زاحفة تترجاه. لكنه نسي شيئاً مهماً جداً: خلال السنوات الثلاث التي غاب فيها، كنتُ أنا من يدير كل شؤون البيت المالية من تدبيري الخاص، وكنتُ أحتفظ بكل أصل وصورة، وكل إيصال تحويل، وكل فاتورة علاج، وكل شيك صُرف من حسابي البنكي الخاص الذي ورثته عن أبي رحمه الله.
/> في اليوم التالي مباشرة، بدأتُ أولى خطوات الخطّة: أولاً: تثبيت الواقعة وتوثيق الضرب ذهبتُ برفقة محامٍ كبير ديدنتْ الحاجة أم أمل على توكيله لي، إلى المستشفى العام لاستخراج تقرير طبي بحجم الإصابات والكدمات التي تركها حسن على وجهي وجسدي، ومن ثم اتجهنا إلى قسم الشرطة وأقمتُ محضراً رسمياً بالاعتداء والضرب والمطالبة بالحق المدني. ثانياً: معركة كشف الحساب الحقيقي حسن لم يكن يعلم أن الحسابات لا تُكتب في أجندات سوداء وهمية، بل تُكتب في السجلات البنكية. جمعتُ كافة كشوفات الحساب التي تثبت أنني أنفقتُ من مالي الخاص ما يتجاوز مئات الآلاف من الجنيهات على علاج أمه المقعدة، ومصاريف بيته، وشراء أدوية مستوردة باسمي، ودفع مصاريف مدرسة ابننا. أقام المحامي دعوى قضائية تطالب حسناً برد كافة الأموال التي أُنفقَت على أسرته بغير وجه حق اعتباراً من مبدأ “الإثراء بلا سبب” على حسابي الخاص. ثالثاً: حماية الطفل واسترداده أقمتُ دعوى حضانة عاجلة واستصدار أمر بتمكيني من طفلي، مع فرض نفقة ملبس ومأكل وبدل حضانة. في هذه الأثناء، كان المشهد في بيت حسن يتحول إلى جهنم حقيقية: مرت الأيام الأولى وحسن يبتسم بصلف، يعتقد أن أمه وأخته ستديران البيت. لكن الواقع كان صدمة قاتلة. أمه المقعدة بدأت تصرخ من الألم؛ فلا أحد يعرف كيف يعتني بها، ولا كيف يطعمها، ولا كيف يعطيها الدواء في مواعيده الدقيقة كما كنتُ أفعل. شيماء أخته، التي فرحت بالحقيبة الماركة، رفضت مسك ممسحة أو غسل طبق واحد، وصارت تصرخ في وجه أمها وتطالب حسناً بإحضار خادمة براتب باهظ. أما حسن، فبدأ يغرق في طلبات البيت، واكتشف أن المصاريف التي كان يظنها زاهيدة تأكل الأخضر واليابس. لم يمضِ أسبوع حتى تدهورت حالة أمه الصحية ونُقلت إلى المستشفى، واكتشف هناك أن العلاج يتطلب أموالاً طائلة كاش، وأنني كنتُ أحصل على خصومات وإعانات بجهدي وعلاقاتي الشخصية. وفجأة، وصلته الاستدعاءات الرسمية من المحكمة وقسم الشرطة: * إنذار على يد محضر بدعوى استرداد أموال ومبالغ مثبتة بمديونية رسمية. * محضر اعتداء وضرب معزز بتقرير طبي رسمي. * دعوى نفقة وحضانة وتجميد لبعض تعاملاته المالية حتى سداد المستحقات.
/> جنّ جنون حسن، وجاء يهرول إلى حي السيدة زينب، يحاول اقتحام بيت الحاجة أم أمل وهو يصرخ ويتهدد: “يا صباح! أخرجي هنا! فاكرة نفسك بقيتي هانم؟ والله لأربيكي وأخليكي تلفي حولين نفسك!” خرج له رجال الحي الحدايد، وعلى رأسهم ابن الحاجة أم أمل، ووقفوا له بالمرصاد. وقف حسن مذهولاً وهو يرى كيف أصبحتُ محاطة برجال ونفوذ وحماية لم يكن يحلم بها. طلعتُ له من الشرفة، وبكل ثبات ونبرة صوت لم يعرفها فيَّ من قبل، قلتُ له: “الأجندة السودة بتاعتك بلها واشرب ميتها يا حسن… الفواتير الحقيقية في المحكمة، وشارع الصحافة، وقلم المحضرين. من النهاردة مش صباح اللي بتنضرب وتسكت، من النهاردة القانون هو اللي بيتكلم.” انقبض وجه حسن وسقطت الميدالية الرخيصة من ذهنه، واكتشف أن المعركة التي بدأها بغروره، ستكون السبب في إفلاسه ودمار كل ما بناه في غربته. لكن المفاجأة الكبرى التي لم يكن حسن ولا عائلته يتوقعونها، هي المكتوب الذي كان يخبئه محامي صباح في جيبه، والذي سيقلب حياتهم رأساً على عقب في الجلسة القادمة…

