التوأم زهرة الربيع ٣
تلقى زوجي المكالمة، وكان المتحدث مسؤولاً رفيع المستوى من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في مصر. لقد تبين أن معهد الأبحاث السويسري، بمجرد استلامه للملفات المشفرة وتأكده من العبقرية الفذة التي تقف وراء هذا الاختراع، قام بمخاطبة الجهات الرسمية المصرية لتسهيل سفر “النابغة الصغيرة” وتوفير الحماية العلمية والقانونية لها باعتبارها ثروة قومية.
في الصباح التالي، وقفت سيارة رسمية تابعة للوزارة أمام منزلنا المتواضع في القرية. هذه المرة، لم يكن هناك حراس لتهديدنا، بل وفد رسمي جاء ليرحب بأمل ويؤكد لزوجي أن الدولة تتبنى موهبة ابنته بالكامل.
ارتدى زوجي جلبابه الصعيدي الفاخر، ووقف شامخ الرأس وهو يرافق أمل وأنا إلى مقر الوزارة في العاصمة القاهرة. هناك، في قاعة المؤتمرات الكبرى، استقبلنا وزير البحث العلمي بنفسه، وبحضور لفيف من كبار أطباء الأطفال والمبتسرين في مصر.
عرضت أمل شرحاً مفصلاً للجهاز وسط ذهول وصمت مطبق من الحاضرين. وقف بروفيسور مصري شهير وعيناه تدمعان وقال: “هذا الاختراع ليس مجرد جهاز طبي، هذا إنقاذ لجيل كامل من الأطفال الذين يولدون بعيوب في الرئتين. هذه الطفلة وضعت يدها على ثغرة علمية عجزت عنها كبرى الشركات العالمية.”
أعلنت الوزارة تبني الاختراع وتكفلت بتسجيل براءة الاختراع دولياً باسم “أمل” وبشراكة مع الجهات البحثية الرسمية، مما جعل عرض شركة المستلزمات الطبية والتهديدات التي وجهتها لنا تتبخر في الهواء، بل وتحت طائلة الملاحقة القانونية بتهمة محاولة الاستيلاء على حقوق قاصر وابتزاز أسرة.
عدنا إلى قريتنا في الصعيد، ولكن العودة هذه المرة كانت مختلفة تماماً.
انتشر الخبر في كل ربوع المحافظة، وخرجت القرية بأكملها لتستقبلنا بالطبل والمزمار البلدي. كان المشهد مهيباً وزوجي يمسك بيد أمل وسط الحشود، والكل يهتف باسمها واسمه وفخوراً بهذه البنت التي شرفت الصعيد بأكمله.
حتى عم أمل، الذي كان يهددنا بالطرد ومقاطعة العائلة، وجدناه واقفاً في مقدمة المستقبلين، وعلى وجهه مزيج من الخجل الشديد والفخر. تقدم من زوجي وعانقه بحرارة وهو يقول وصوته يرتجف: “سامحني يا خوي.. أنا كنت أعمى بالجهل والتقاليد.. بتك دي شرفت عيلتنا وبلدنا كلها، وخلت اسمنا على كل لسان بالخير والفخر. من اليوم، رقبتي سدادة لأي طلب تطلبه البنت دي.”
انحنى العم وقبّل رأس أمل أمام الجميع، معلناً نهاية الخلاف العائلي وولادة عهد جديد تُحترم فيه عقول الفتيات وتُقدر موهبتهن.
لكن، بينما كانت الاحتفالات تعم البيت والقرية، وبينما كنا نجهز حقائبنا للسفر أخيراً إلى سويسرا للمشاركة في المؤتمر الدولي وتكريم أمل، دخلت إلى غرفتها لأجدها جالسة أمام حاسوبها، ووجهها شاحب للغاية، وعيناها مثبتتان على رسالة غريبة وجديدة تماماً وصلت إلى بريدها الخاص..
لم تكن الرسالة من الجامعة أو المعهد السويسري، ولم تكن باللغة العربية أو الإنجليزية المعتادة. كانت رسالة مشفرة بلغة برمجية غامضة، تنتهي بجملة واحدة باللغة العربية حفرت الرعب في قلبينا من جديد:
“وصولك إلى سويسرا يعني كشف الستار عن أسرار طبية لا يجب للعامة أن يعرفوها.. تراجعوا الآن، فالجهاز الذي تبنته دولتكم يحمل تصميماً يهدد صناعة أدوية ومستلزمات بمليارات الدولارات.. السفر سيكون تذكرتكم الأخيرة!”
شُلّت حركتي تماماً وأنا أقرأ تلك الكلمات المرعبة على شاشة الحاسوب. نظرتُ إلى أمل، فوجدتُ وجهها الصغير قد خلا من الدماء، لكن عينيها كانتا تشعان ببريق غامض؛ لم يكن بريق خوف، بل كان بريق تحدٍّ وعناد لم أره فيها من قبل.
في تلك اللحظة دخل زوجي الغرفة، متهللاً ومبتسماً يحمل في يده تذاكر السفر وجوازات السفر التي استخرجتها لنا الوزارة بصفة مستعجلة. لمح الوجوم والخوف على وجهينا، فوضع الأوراق جانباً واقترب بقلق متسائلاً: “في إيه يا أم أمل؟ مالكم وشكم أصفر كأنكم شفتوا الموت؟”
أشرتُ بصباعي المرتعش نحو الشاشة دون أن أنطق بكلمة. اقترب زوجي وقرأ الرسالة ببطء، صمت لعدة دقائق، كأن جبال الصعيد كلها قد هبطت على صدره. تنفخ بضيق، وشد على قبضة يده حتى تلونت مفاصل أصابعه باللون الأبيض، ثم التفت إلينا وقال بنبرة غليظة هزت أرجاء الغرفة:
“الناس دول فاكرين إننا لقمة سهلة؟ فاكرين إن الصعيدي اللي طأطأ راسه للجهل سنين، هيطأطأ راسه لتهديداتهم؟ وعزة جلال الله، لو كان الموت مكتوبلنا في بلاد برة، لنموت وإحنا رافعين راسنا، ومش هنفرط في حق بتنا ولا في حلم الغلابة اللي جهازها هيشفيهم!”
رغم شجاعة زوجي، إلا أن قلبي كأم كان يرتجف رعباً. تواصلنا على الفور مع المسؤول الأمني في وزارة البحث العلمي الذي كان مكلفاً بمتابعة ملف أمل. جاءنا الرجل على وجه السرعة، وبرفقته خبير في الأمن السيبراني. قام الخبير بفحص الرسالة المشفرة، وتغيرت ملامحه وهو يقول بجدية:
“هذه الرسالة مرسلة عبر شبكة مظلمة (Dark Web) ومن خوادم مستحيلة التتبع بشكل تقليدي. هذا يؤكد أن الجهة التي تقف وراء هذا التهديد هي كارتيل (تحالف احتكاري) طبي دولي ضخم جداً. جهاز أمل ليس مجرد ابتكار بسيط، إنه يلغي الحاجة إلى حضانات تبلغ تكلفة الواحدة منها عشرات الآلاف من الدولارات، بالإضافة إلى أدوية دعم الرئة الاحتكارية التي تدر مليارات سنوياً على هذه الشركات. هم يرون في ابتكار أمل نهاية لإمبراطوريتهم المالية.”
قررت الدولة اتخاذ إجراءات أمنية مشددة. تم ترتيب السفر بالتنسيق مع السفارة المصرية في سويسرا، وتقرر أن يرافقنا حارس أمني من وزارة الداخلية متخصص في حماية الشخصيات الهامة، ليكون معنا خطوة بخطوة طوال فترة المؤتمر في مدينة جنيف.
جاء يوم السفر. ركبنا الطائرة ولأول مرة نغادر أرض مصر. كانت أمل تتأمل السحاب من نافذة الطائرة، هادئة كعادتها، بينما كنت أنا وزوجي نترقب كل حركة وكل شخص يمر بجانبنا في الطائرة. كان الحارس الأمني، الأستاذ أحمد، يجلس في المقعد المقابل لنا، يراقب الأجواء بيقظة تامة.
وصلنا إلى جنيف، وكانت الأجواء هناك باردة وساحرة، لكن البرودة التي في قلبي كانت أشد. تم نقلنا إلى فندق فاخر يخضع لحراسة مشددة، ومخصص لإقامة العلماء والوفود المشاركة في المؤتمر الدولي للابتكارات الطبية.
في المساء الذي سبق يوم العرض الكبير، وبينما كنا نراجع مع أمل العرض التقديمي والنموذج الأولي للجهاز الذي كان محفوظاً في حقيبة مصفحة لا تفتح إلا ببصمة أمل وزوجي، رن جرس هاتف الغرفة بالفندق.
أمسك زوجي بالسماعة، ليأتيه صوت غريب يتحدث بلغة عربية ركيكة بلكنة أجنبية:
“أبو أمل.. نحن نعلم أنكم في الغرفة رقم 402. نكرر عرضنا للمرة الأخيرة، غداً في المؤتمر، إما أن تعلن أمل أن الجهاز واجه عيباً تقنياً قاتلاً في اللحظات الأخيرة وأنه غير صالح للاستخدام، وتستلموا شيكاً بخمسة ملايين دولار وحماية كاملة.. أو ستعرفون معنى أن تخسروا كل شيء في لحظة واحدة. تذكروا.. المفاجآت قد تحدث حتى داخل قاعات المؤتمرات المحصنة!”
أغلق زوجي الخط ووجهه يشتعل غضباً. أخبرنا الأستاذ أحمد على الفور، فقام بتمشيط الطابق بأكمله وتكثيف الحراسة على جناحنا، وطلب منا عدم الخروج نهائياً حتى الصباح.
جاء صباح اليوم المنتظر. امتلأت قاعة المؤتمرات الكبرى بآلاف العلماء، والأطباء، وممثلي وسائل الإعلام العالمية. كانت أمل ترتدي فستاناً بسيطاً وجميلاً، وتحمل في يدها حقيبة جهازها. تقدمنا نحو المقاعد المخصصة لنا في مقدمة القاعة، وكان التوتر ملموساً في الهواء.
بدأ الحفل، وجاء دور أمل. صعدت طفلتنا ذات الثلاثة عشر عاماً إلى المنصة الشاهقة وسط تصفيق حار وهتافات الإعجاب بصغر سنها. وقفت بثبات أمام الميكروفون، وبدأت في عرض أفكارها وتصميماتها على الشاشة الكبيرة خلفها. كانت تتحدث بثقة أبهرت الحاضرين، حتى بدأت في عرض الجزء الميكانيكي الحيوي من جهازها، وهو الجزء الأهم الذي يوضح كيفية عمل المستشعر الذكي لإنقاذ حياة الأطفال.
وفجأة.. انقطع التيار الكهربائي عن المنصة بأكملها!
ساد الظلام الدامس القاعة، وتعالت صرخات الدهشة والارتباك من الحاضرين. في تلك اللحظة من الفوضى، سمعت صوت ركض سريع يقترب من المنصة، وصوت ارتطام قوي. شعرت بيد تمسك كتفي بعنف في الظلام، وجاء صوت يهمس في أذني بالإنجليزية: “لقد حذرناكم!”
تلا ذلك صوت عراك ودفع، ثم دوت صرخة عالية في أرجاء القاعة المظلمة.. كانت صرخة أمل!
انقبض قلبي في تلك اللحظة من الظلام الحالك، وصرخت بأعلى صوتي: “أمل! بتي يا أمل!”
تعالت الضجة في القاعة، وتحول المكان إلى ساحة من الفوضى والهرج. وسط العتمة الدامسة، كان زوجي كالمجنون يطيح بكل من يقف في طريقه مسترشداً بمصدر صوت صرختها، بينما تدخل الحارس الأمني “أحمد” مستعيناً بكشاف هاتفه المحمول الذي سلطه بسرعة نحو المنصة.
أظهر الضوء الخافت مشهداً يحبس الأنفاس؛ كان هناك رجل يرتدي زي عمال الصيانة بالفندق، يحاول سحب حقيبة الجهاز المصفحة من يد أمل بعنف، في حين كانت طفلتنا متشبثة بها بكل ما أوتيت من قوة وهي تصرخ. وقبل أن يتمكن الرجل من إفلات الحقيبة من يدها، التفت إليه زوجي وبقوة رجل صعيدي لا يعرف الخوف، هجم عليه وأطاح به أرضاً بضربة واحدة شلت حركته تماماً، بينما التف رجال أمن المؤتمر والحارس أحمد حول المعتدي وقاموا بتقييده على الفور.
في تلك الثواني المعدودة، عادت أضواء الطوارئ تدريجياً لتعم القاعة.
كانت أمل ترتجف، لكن يدها لم تترك الحقيبة للحظة واحدة. جرى زوجي نحوها واحتضنها بقوة وهو يبكي ويردد: “سامحيني يا بتي.. سامحيني، طالما فيّا نفس مش هسيب حد يلمس شعرة منك.”
وقفت القاعة بأكملها مذهولة مما حدث. هرع منظمو المؤتمر ورجال الشرطة السويسرية إلى المنصة، وتم اقتياد المعتدي الذي تبين لاحقاً أنه مأجور من قبل شبكة تابعة لشركات الأدوية والمستلزمات الطبية التي حاولت تهديدنا سابقاً.
أراد رئيس المؤتمر والمسؤولون تأجيل عرض أمل حفاظاً على سلامتها ونظراً للحالة النفسية التي تمر بها، لكن طفلتنا ذات الثلاثة عشر عاماً مسحت دموعها بكم فستانها، ونظرت إلى والدها ثم إليّ، ووقفت بثبات من جديد خلف الميكروفون.
قالت بصوت قوي تردد صداه في أرجاء القاعة باللغة الإنجليزية:
“ما حدث الآن هو أكبر دليل على أن هذا الاختراع يجب أن يرى النور مجاناً وبلا احتكار. هناك من يريد للأطفال أن يموتوا لتباع الأدوية، وهناك من يريد لابتكاري أن يُدفن لتباع الحضانات الباهظة. وأنا هنا اليوم لأهدي هذا الاختراع لكل أم انكسر قلبها على طفلها كما انكسر قلب أمي.. الاختراع متاح من اليوم للجميع دون أي مقابل مادي!”
ضجت القاعة بأكملها بتصفيق حاد ووقوف طويل من آلاف العلماء والأطباء الذين دمعت أعينهم تأثراً بشجاعة هذه الفتاة الصغيرة. انحنى كبار البروفيسورات احتراماً لعقلها وإنسانيتها، وتحول الحادث الذي أراد به الأعداء إسكاتها إلى أكبر حملة ترويج عالمية لاختراعها.
تلقفت وسائل الإعلام العالمية قصة أمل، البنت الصعيدية التي قهرت الجهل، والظلم، والتهديدات الدولية لتنقذ أطفال العالم. وتم توقيع بروتوكول تعاون دولي برعاية منظمة الصحة العالمية لتصنيع جهاز أمل وتوزيعه على المستشفيات الفقيرة حول العالم باسمها وبالمجان.
عدنا إلى مصر، ليس كعائلة عادية، بل كأبطال استقبلهم الشعب بأسره بفخر واعتزاز. وفي قريتنا بالصعيد، أقام أهل البلد احتفالاً لم تشهده المحافظة من قبل.
في المساء، وقف زوجي في وسط ديوان العائلة، وبجانبه أمل التي كان يمسك بيدها ويرفعها عالياً أمام كبار وصغار العائلة وقال بملء فيه:
“يا ناس.. يا أهل البلد.. أنا عشت سنين ميت، واليوم بس دبت فيّا الروح. ربنا مأخرش عني الولد عقاباً ليا، ربنا أخر الخلفة عشان يوهبني ‘أمل’.. البنت اللي تسوى مية راجل، البنت اللي رفعت راسي وراس عيلتنا وبلدنا لفوق سابع سما. أمل هي عِزوتي، وهي سندي، وهي الشرف اللي هعيش وأموت بيه وفخور بيه قدام ربنا والخلق!”
نظرتُ إلى أمل وزوجي والدموع تغالبني، وحمدت الله الذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الأمل من رحم الألم. لقد مات ابننا ليعيش طفلاً ضعيفاً، لكن شقيقته ولدت لتعيش وتحيي بموت شقيقها آلاف الأطفال، وتغير بوجودها حياتنا وتاريخ عائلتنا إلى الأبد.