وصية حماتي اسما روماني مكرم ١
سيبت شغلي 12 سنة علشان أرعى أم جوزي… وفي جنازتها، المحامي سلّمني ظرف بعد لحظات من جوزي ما اداني ورق الطلاق.**
لما اتجوزت **كريم**، كنت فاكرة إني أخيرًا بنيت العيلة اللي أي بنت بتحلم بيها.
أهله كانوا بيعاملوني كأني واحدة منهم.
خصوصًا والدته، **الحاجة فاطمة**.
عمرها ما نادتني “مرات ابني”.
كانت دايمًا تقول عني: “دي بنتي.”
سنين طويلة، حياتنا كانت مستقرة.
أنا وكريم كان عندنا جواز ناجح.
شغل كويس.
وأحلام وخطط للمستقبل.
وكنا فخورين بالحياة اللي بنيناها سوا.
لحد ما الحاجة فاطمة تعبت.
في الأول، أنا وكريم كنا بنتقاسم كل حاجة.
مواعيد الدكاترة.
الأدوية.
ودخول وخروج المستشفيات في **القاهرة**.
إخوات كريم كانوا عايشين في **الإسكندرية** و**أسوان**، ومكنوش يقدروا ييجوا يساعدوا بشكل مستمر، فبقى الحمل الأكبر علينا.
بعد فترة، حالتها الصحية ساءت جدًا.
وفي نفس الوقت، كريم أخد ترقية كبيرة في شغله.
بقى بيشتغل ساعات أطول، ويسافر كتير بين المحافظات.
وبعد نقاشات طويلة وصعبة، خدنا قرار.
أسيب شغلي اللي بحبه، وأقعد في البيت أرعى والدته.
وقتها قلنا إنها فترة مؤقتة.
لكن الفترة المؤقتة اتحولت لسنين…
**اتناشر سنة كاملة.**
كنت بصحى أحضرلها الأكل.
وأساعدها تمشي.
وأفضل قاعدة جنبها في ليالي الوجع، واللخبطة، والسهر الطويل.
ومع مرور الوقت، الحاجة فاطمة بقت من أقرب الناس لقلبي.
لكن في نفس الوقت…
كل ما أنا وهي كنا بنقرب من بعض، كريم كان بيبعد عني شوية بشوية.
يرجع البيت متأخر.
يفوّت العشا.
يرد بكلمتين وخلاص.
وكنت دايمًا أقنع نفسي إنه تعبان وضغط الشغل هو السبب.
لحد ما الحاجة فاطمة توفاها ربنا.
وفي يوم العزا، كنت بالعافية واقفة على رجلي من الحزن، لما كريم شدني على جنب.
افتكرت للحظة إنه هيحضني أو يهون عليا.
لكن بدل كده…
سلّمني ملف.
فتحته…
ولقيت **ورق الطلاق**.
في نفس المكان…
وجنب نعش أمه.
وقبل ما أستوعب اللي بيحصل، محامي الحاجة فاطمة قرب مني.
وسلّمني ظرف مقفول وأنا إيدي كانت بتترعش.
وبصلي بهدوء وقال:
“الحاجة فاطمة سابت تعليمات واضحة جدًا… إن الظرف ده يتسلم لحضرتك النهارده، وفي اليوم ده بالذات.”
بصيت للظرف.
ولما فتحته…
حسيت إن الدنيا كلها اسودت قدام عيني.
فضلت ماسكة الورقة بإيد، والظرف بالإيد التانية، ومش قادرة أستوعب اللي بيحصل.
بصيت لكريم، لقيته واقف بعيد شوية، وشه جامد، كأنه مستني رد فعلي.
ولا دمعة.
ولا حتى كلمة اعتذار.
كأن الاتناشر سنة اللي فاتوا ماكانوش موجودين أصلًا.
المحامي قال بهدوء:
“الحاجة فاطمة كانت مصممة إن حضرتك تفتحي الظرف بعد ما تستلمي أي أوراق من أستاذ كريم.”
استغربت من كلامه.
يعني… هي كانت عارفة؟
فتحت الظرف ببطء.
كان فيه جواب مكتوب بخط الحاجة فاطمة، ومعاه ملف صغير.
أول ما شفت خطها، دموعي نزلت من غير ما أحس.
بدأت أقرأ…
“يا بنتي ندى…
لو بتقري الجواب ده، يبقى أنا خلاص سبت الدنيا.
ولو كريم اداكي ورق طلاق، يبقى للأسف توقعي طلع صح.
أنا كنت شايفة كل حاجة.
شايفة نظراته وهي بتتغير.
وشايفة بعده عنك.
وشايفة إنك ضحيتي بحياتك كلها علشاني، وهو نسي كل ده.
يمكن كنتي فاكرة إني تعبانة ومش واخدة بالي…
بس الأم عمرها ما بتغفل عن ابنها.”
وقفت عن القراية وأنا ببكي.
إزاي كانت عارفة كل ده؟
كملت…
“أنا طلبت من المحامي مايسلمكيش الجواب إلا لو كريم نفذ اللي كان ناوي عليه.
ولو ده حصل…
يبقى لازم تعرفي إن حقك عندي محفوظ.”
بصيت للملف اللي مع الجواب.
كان فيه نسخ من مستندات رسمية.
المحامي قال:
“كملي.”
فتحت أول ورقة…
واتصدمت.
الحاجة فاطمة كانت كاتبة وصية قانونية قبل وفاتها.
وفيها أوصت إن الفيلا اللي كانت عايشة فيها، والأرض الزراعية اللي ورثتها عن أبوها في الدقهلية، وكل مدخراتها الشخصية… تنتقل باسمي أنا.
مش باسم كريم.
ولا باسم إخواته.
باسمي أنا.
سمعت همهمة وسط المعزين.
إخوات كريم قربوا بسرعة.
أخوه الكبير قال بعصبية:
“أكيد فيه غلطة!”
المحامي رد بكل هدوء:
“مفيش أي غلطة… الوصية موثقة ومسجلة قانونيًا.”
وش كريم اتغير فجأة.
أول مرة أشوف الصدمة في عينه.
قرب مني وقال بصوت واطي:
“ندي… إحنا ممكن نتكلم في البيت.”
بصيتله من غير أي تعبير.
وقلت:
“هو لسه عندنا بيت أصلًا؟”
ماعرفش يرد.
المحامي طلع ظرف تاني.
وقال:
“وده خطاب خاص بأستاذ كريم.”
كريم أخده بسرعة وفتحه.
وكل ما كان بيقرأ…
وشه كان بيصفر أكتر.
واضح إن أمه كانت سايباله كلام عمره ما كان يتوقع يسمعه.
رفع عينه ناحية المحامي وقال:
“هي كتبت الكلام ده بجد؟”
رد المحامي:
“بخط إيدها… وبحضور شاهدين.”
في اللحظة دي، لأول مرة، حسيت إن الحاجة فاطمة كانت بتحارب عشاني حتى بعد وفاتها.
أما كريم…
فكان لسه مايعرفش إن أكبر مفاجأة لسه جاية.
يتبع
سادت حالة من الصمت في قاعة العزاء.
حتى الناس اللي كانوا واقفين بعيد، بدأوا يحسوا إن فيه حاجة كبيرة حصلت.
كريم كان ماسك جواب أمه بإيده، ووشه شاحب.
فضل يبص في الورق كذا مرة، كأنه مش مصدق اللي بيقرأه.
وفجأة قال للمحامي بعصبية:
“أنا هطعن في الوصية.”
المحامي ابتسم ابتسامة هادئة وقال:
“من حقك، لكن أنصحك تقرأ آخر صفحة كويس.”
قلب كريم الصفحة الأخيرة، وفجأة سكت.
الحاجة فاطمة كانت كاتبة بخط إيدها:
“لو ابني حاول يعترض على الوصية، فالمحامي معاه تسجيل فيديو صورته وأنا بكامل قواي العقلية، بشرح فيه سبب كل قرار أخدته.”
المحامي فتح شنطته الصغيرة، وطلع فلاشة.
وقال:
“ودي نسخة من الفيديو.”
إخوات كريم بصوا لبعض في ذهول.
أما هو، فكان واضح إنه بدأ يفقد أعصابه.
خرج من قاعة العزاء من غير ما يقول كلمة.
وأنا فضلت مكاني.
مش علشان الفلوس…
لكن علشان أول مرة من سنين أحس إن حد شاف تعبي.
بعد يومين، المحامي كلمني وطلب أقابله في مكتبه.
رحت وأنا لسه مش مستوعبة اللي حصل.
قعد قدامي، وقال:
“فيه حاجة الحاجة فاطمة طلبت أقولها لحضرتك بنفسها.”
فتح ملف تاني.
وقال:
“قبل وفاتها بسنة، كانت عارفة إنك رفضتي ترجعي لشغلك علشان تفضلي معاها.”
هزيت راسي.
قال:
“هي كانت حاسة بالذنب… وكانت بتقول إنك ضحيتي بمستقبلك بسببها.”
بعدها سلمني ظرف صغير.
جواه دفتر توفير باسمي.
وفيه مبلغ كبير.
بصيت للمحامي باستغراب.
قال:
“ده مش من التركة.”
“إزاي؟”
ابتسم وقال:
“الحاجة فاطمة كانت بتحوش من معاشها ومن إيجار شقتها القديمة، وكل شهر كانت بتحط جزء من الفلوس في الحساب ده باسمك.”
دموعي نزلت تاني.
اتناشر سنة…
وهي كانت بتفكر في مستقبلي، وأنا حتى ماكنتش أعرف.
وقبل ما أمشي، المحامي قال:
“لسه فيه طلب أخير.”
استغربت.
قال:
“الحاجة فاطمة طلبت إنك تتفرجي على الفيديو لوحدك.”
رجعت البيت.
حطيت الفلاشة في اللابتوب.
وظهر وش الحاجة فاطمة.
كانت قاعدة على كرسيها، وبتبتسم بنفس الحنان اللي عرفته منها.
وقالت:
“يا ندى… لو وصلتي للفيديو ده، يبقى أنا خلاص عند ربنا.”
“أول حاجة، سامحيني.”
“أنا السبب إنك ضيعتي سنين من عمرك معايا.”
هزيت راسي وأنا بعيط.
وكأنها شايفاني.
كملت:
“لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.”
“قبل ما أطلب منك تسيبي شغلك، قلت لكريم أكتر من مرة يجيب ممرضة متخصصة.”
“لكنه كان بيرفض.”
اتسعت عيني من الصدمة.
“كان بيقول إن وجودك في البيت أوفر… وإن مرتبك أقل من مرتبه، فالأفضل إنك إنتِ اللي تسيبي شغلك.”
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
أنا كنت فاكرة إن القرار كان بينا إحنا الاتنين.
لكن الحقيقة…
كانت مختلفة تمامًا.
الحاجة فاطمة كملت:
“وأكتر حاجة وجعتني… إني سمعت ابني بنفسه، قبل وفاتي بشهور، وهو بيقول لصاحبه إنه أول ما أموت هيطلقك… لأنه خلاص مبقاش محتاجك.”
شهقت وأنا حاطة إيدي على بقي.
كل كلمة كانت كأنها سكينة.
لكنها قالت في آخر الفيديو:
“افتكري دايمًا… اللي يبيع إنسانة ضحت بعمرها عشانه، هو الخسران الحقيقي.”
“ابدئي من جديد يا بنتي… ومتخليش حد يقنعك إن عمرك راح هدر.”
قفلت الفيديو، وأنا لأول مرة من سنين…
حاسّة إن النهاية دي، يمكن تكون بداية جديدة.
يتبع

