قفشته حكايات روماني مكرم ٣
صوت السرينة كان بيقرب ويهز جدران المكتب، والضوء الأحمر والأزرق بدأ يضرب في السقف من ورا الشبابيك. كريم لما سمع الصوت، إيده ارتعشت على رقبتي.. الغل اللي كان في عينيه اتقلب لرعب خالص، وفجأة سابني ورجع لورا وهو بينهج وزقني لبعيد وهو بيصرخ في فرج المحامي:
“الشرطة بره يا فرج! البت دي بلغت عني.. هضيع.. هضيع يا فرج اتصرف!”
فرج مكنش أقل رعب منه، وشه اصفرّ وبدأ يلم الورق اللي على المكتب بهستيريا وهو بيقول بصوت واطي ومبحوح:
“أنا ماليش دعوة بيك يا كريم! إنت ه توديني في داهية معاك.. اخرج بره مكتبي.. اخرج بره!”
كريم هجم على الشنطة الجلد السودا اللي على الأرض، ولم فيها بقية العقود والوصولات، وبص حواليه في الأوضة زي الفار المحبوس في مصيدة.. مكنش فيه قدامه غير باب المطبخ الصغير الملحق بالمكتب ورا.. جرى عليه وفتحه، ولقى في آخره سلم حديد قديم بتاع الخدمات والطوارئ نازل على منور العمارة ومنه على الشارع الوراني..
أنا كنت ساندة على الحيطة وبكح، وبحاول أجمع نفسي بعد ما كان هيخنقني، بس أول ما شفته بيفتح الباب وهيجّري، صرخت بأعلى صوتي عشان أسمّع اللي بره:
“الحقووووه.. هربان من السلم اللي ورا! كريم بيهرب بالورق!”
وفي نفس اللحظة، باب المكتب الرئيسي اتهد ودخل منه ضابط المباحث ومعاه أمينين شرطة وسلاحهم في إيديهم، ووراهم كانت نيرمين ومحامي أبوها.. نيرمين وشها كان باهت وعينيها حمرا من العياط، وأول ما شافتني جريت عليا وسندتني وهي بتقول للضابط:
“هو جوه يا فندم.. جوه في المكتب ده!”
الضابط جرى بسرعة ومعاه القوة على المطبخ، وسمعنا صوت خبط ورزع على السلم الحديد، وصوت الضابط وهو بيزعق:
“اقف مكانك وإلا هطلق النار! اثبت عندك!”
بعد دقيقتين بالظبط من الشد والجذب وصوت الجري، رجعوا وأمين الشرطة سحب كريم من قفاه.. الهدوم بتاعته كانت مبهدلة، والنظارة الشمس ضاعت، والكلبشات الحديد كانت بتقفل على إيديه.. الشنطة الجلد كانت في إيد الضابط اللي فتحها وبص على الورق اللي فيها، ووجه كلامه لكريم اللي كان باصص للأرض بذل وكسرة:
“بقى إنت بتسرق وتهدد وتبتز ناس كبار يا روح أمك؟ ده إنت ليلتك مش فايتة.. خدهم هما الاتنين على البوكس!”
التفتت لكريم وهو بيمر من قدامي والمحضر بيسحبه.. وقف ثانية واحدة وبصلي بعيون كلها كسر وغل وندم ممزوجين ببعض.. حاول يتكلم ويقول: “هنا.. أنا..”
بس أمين الشرطة زقه وقال بغلظة: “امشي قدامي يا واد.. اتفضلي معانا يا مدام هنا على القسم عشان تدلي بأقوالك إنتي والآنسة نيرمين.”
رحنا القسم، وقعدنا ساعات طويلة بنمضي على محاضر وأقوال.. ثبتنا واقعة السرقة والابتزاز، والمحامي بتاع الحاج فضل قدم كل تسجيلات التهديد والرسايل اللي كريم بعتها لنيرمين يطلب فيها الـ 5 مليون جنيه.. القضية بقت مقفولة ومفيهاش ثغرة، وكريم لبس حبل المشنقة بتاع مستقبله بإيديه.
الساعة بقت حوالي 5 المغرب لما خرجنا من القسم.. الشمس كانت بتميل للغروب، والجو بدأ يهدأ.. نيرمين وقفت معايا على الرصيف بره، وبصتلي بامتنان حقيقي وقالت:
“أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا هنا.. إنتي لولا اللي عملتيه، كان زمان بابا مات في غيبوبته وكان كريم دمرنا.. أنا بجد أسفة على كل حاجة.. أسفة إني كنت السبب في يوم من الأيام إن بيتك يتخرب.”
بصيت لها بهدوء وقلت: “بيتي مكنش متخرب بسببك يا نيرمين.. بيتي كان مبني على غش وخداع بقاله 9 سنين وأنا اللي مكنتش شايفة.. كريم مكنش بني آدم، والحمد لله إن الحقيقة ظهرت قبل ما العمر يفوت أكتر من كده.. طمنيني على أبوكي.”
قالتلي ونبرة الارتياح بدأت تدخل صوتها: “المحامي كلم المستشفى من شوية.. وقالوا إن بابا بدأ يفوق والنبض استقر أول ما الدكتور قاله إن الورق رجع وكريم اتقبض عليه.. الحمد لله.”
سلمت عليها وركبت تاكسي ورجعت على شقتي في شبرا.. شقة أهلي اللي استقبلتني بالترحاب والأمان اللي كنت محرومة منه طول السنين اللي فاتت.. دخلت أوضتي، ورميت نفسي على السرير وأنا حاسة بنوع من السلام النفسي مكنتش دوقته من زمان.. الظلم مبيدومش، واللي يفتري على وليّة شالت صلبها عشان تكبره، نهايته لازم تكون في السجن وورقة طلاق مرشوقة في وشه.
عدى أسبوعين على الواقعة دي.. كنت بدأت أرتب حياتي من جديد، وأفكر في شغلي ومستقبلي اللي ضحيت بيه زمان.. وفي يوم الصبح، تليفوني رن.. رقم المحامي بتاعي..
رديت عليه: “أيوة يا أستاذ مدحت.. فيه جديد في موضوع القايمة والحقوق؟”
صوت المحامي مكنش طبيعي.. كان فيه نبرة قلق وتردد غريبة، وقال:
“يا مدام هنا.. أنا كلمت محامي كريم عشان نحدد ميعاد استلام العفش والحاجة زي ما المحكمة أقرّت.. بس محامي كريم قالي حاجة غريبة جداً خلتني أوقف كل حاجة.. كريم من جوه الحبس بعت ناس لشقتكم القديمة اللي في شبرا، والشقة اتفتحت.. وقالي إن كريم سابلك هناك أمانة، وبيقولك لو ما تنازلتيش عن قضية الابتزاز وعن حقوقك.. الأمانة دي هتخرج للعلن، وهتخليكي إنتي اللي تتمني السجن لنفسك!”
نفسي اتقطع تاني، وجسمي كله تلج.. أمانة إيه اللي كريم سايبها في الشقة؟! وإيه اللي ممكن يكون مخبيه عليا ويهددني بيه ويقلب الترابيزة في ثانية؟!
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو
الكلام نزل عليا زي الصاعقة.. التليفون كان هيقع من إيدي، وأنا مش سامعة غير صوت ضربات قلبي اللي بقت سريعة وبتخبط في صدري زي المطرقة. أمانة إيه، وتهديد إيه اللي يخليني أتمنى السجن لنفسي؟! كريم خلاص اتقفل عليه باب السجن، منين جاب القوة والجرأة دي وهو ورا القضبان؟!
رديت على المحامي وصوتي طالع مرعوش وضايع:
“أمانة إيه يا أستاذ مدحت؟ كريم مملكش عليا حاجة.. أنا عشت معاه 9 سنين عمري ما عملت حاجة غلط، ولا عمري عيبت في حقه.. هيهددني بإيه؟!”
الأستاذ مدحت تنهد بقلق وقال:
“والله يا بنتي أنا بقولك اللي محاميه قالهولي بالظبط.. هو بيقول إن الشقة القديمة فيها المفتاح.. يا مدام هنا، كريم مش سهل، وده مجرم ومادام قال كده يبقى مرتب لملعوب جديد عايز يلوي بيه دراعنا عشان يتنازل الحاج فضل وتتنازلي إنتي عن القضايا.. فكري كويس، هل فيه حاجة كنتي مخبياها؟ ورق؟ صور؟ أي حاجة تخصك وتخص أهلك؟”
“مفيش.. مفيش والله العظيم” قفلت السكة مع المحامي وأنا حاسة إن الأوضة بتضيق عليا. قمت وقفت في وسط الصالة وأنا بفرك في إيديا بذهول.. أهلي كانوا بره في السوق، والشقة كانت فاضية.. الخوف بدأ يتسلل لعروقي ويشل تفكيري.
دقايق مرت وأنا واقفة مكاني، لحد ما فجأة افتكرت جملة المحامي: *”كريم بعت ناس لشقتكم القديمة، والشقة اتفتحت.. وسابلك هناك أمانة”*.
الشقة القديمة! الشقة اللي شهدت خيانته، واللي أنا لميت منها حاجتي وسبتها مقفولة ومفتاحها معايا.. إزاي اتفتحت؟ ومين اللي دخلها؟
من غير ما أفكر، سحبت عبايتي ولبستها بسرعة، وأخدت مفاتيح الشقة القديمة اللي لسه في شنطتي، ونزلت جرى على السلم.. ركبت توكتوك يوصلني لآخر الشارع ومنه أخدت تاكسي للمنطقة اللي فيها شقتنا القديمة.. طول الطريق وأنا باصة من شباك العربية ودماغي بتودي وتجيب.. هل ممكن يكون صورني في بيتي من غير ما أعرف؟ هل ممكن يكون لفق لي حاجة؟ الشيطان ده ملوش أمان.
وصلت قدام العمارة.. رجلي كانت ثقيلة وأنا بطلع السلم، كأن سكاكين بتقطع في ركبي.. الدور الثالث.. وقفت قدام الباب.. بصيت على القفل، ملقتش فيه أي أثر للكسر! حطيت المفتاح في الكالون ولفيته.. الباب اتفتح معايا بسلاسة.
دخلت الشقة.. الجو جوه كان كئيب ومظلم، الستائر كانت مقفولة، والنور الوحيد كان جاي من فتحات الشيش.. الشقة كانت شبه فاضية بعد ما نقلت عفشي، مفيش غير الكنب القديم وشوية كراكيب.. ريحة البرفان المفضل بتاعه كانت لسه خفتت بس موجودة، ممزوجة بريحة التراب.
“أنا هنا.. فين الأمانة؟” قلتها بصوت واطي وأنا ببص حواليا بخوف.
مشيت بخطوات بطيئة في الصالة.. دخلت أوضة النوم الفاضية.. مفيش حاجة.. دخلت أوضة الأطفال اللي عمرنا ما استعملناها.. مفيش حاجة..
ولما رجعت للصالة الكبيرة.. عيني جت على حاجة مكنتش موجودة لما سبت الشقة..
على الترابيزة الصغيرة اللي في ركن الصالة.. كان محطوط **”لاب توب”** قديم بتاعي أنا! اللاب توب ده كان بايز وشاشته مكسورة وكنت ركناه في كرتونة فوق الدولاب من سنين.. بس دلوقتي كان محطوط على الترابيزة، ومفتوح، والشاشة بتاعته متصلة بشاشة تلفزيون صغيرة كانت سيباها في الشقة!
الشاشة كانت منورة.. وفيه فيديو واقف على أول لقطة..
قربت بخطوات مرعوبة، ونفسي بيتحشر في صدري.. مديت إيدي وضغطت على زرار التشغيل (Play)..
الفيديو بدأ يشتغل.. والصوت ملى الشقة الفاضية..
مكنش فيديو ليا.. ومكنش فيديو فيه خيانة..
الفيديو كان متصور من حوالي 7 سنين.. في بيتنا القديم في المحافظة التانية اللي كنا عايشين فيها.. وفيه شخص أنا عارفاها كويس جداً.. شخص مكنتش أتخيل إنه يكون في الكدر ده..
الفيديو كان بيظهر **أخويا الصغير “أحمد”**.. أحمد اللي لسه متخرج من كليته دلوقتي وبيضحي عشان يشتغل.. الفيديو كان بيظهره وهو قاعد في مكتب قديم، وقدامه رزم فلوس، ومعاه راجل مجهول وهو بيمضي على ورق.. والراجل بيقوله في الفيديو بصوت واضح:
*”كده تمام يا أحمد.. الشحنة المضروبة دي هتدخل المخازن باسمك وإنت اللي هتمضي على الاستلام.. ولو حصل أي حاجة، إنت اللي هتشيل الليلة.. والـ 50 ألف جنيه دول حلاوتك!”* وأحمد كان باين عليه الطمع والخوف وهو بيمد إيده وياخد الفلوس ويمضي!
الشحنة دي.. أنا افتكرت! دي كانت قضية تهريب وفساد كبرى حصلت في الشركة القديمة اللي كريم كان شغال فيها زمان، والشركة دي اتقفلت وأصحابها اتسجنوا.. وأحمد أخويا كان شغال معاهم “تحت التدريب” وقتها لمدة شهرين..
الفيديو ده يثبت إن أخويا كان شريك رسمي ومسؤول عن دخول بضاعة مغشوشة ومهربة تسببت في قفل الشركة وتدمير حياة ناس.. والجريمة دي ملهاش تقادم لأنها قضية جنائية كبرى تمس الأمن العام!
كريم مكنش بيخبي الفيديو ده عشان يحمي أحمد.. كريم كان شايل الفيديو ده “كارت إرهاب” ليوم زي ده.. هو اللي ورط أحمد زمان وهو اللي صوره من غير ما يعرف عشان يذل عيلتنا كلها لو فكرت في يوم أقف في وشه!
وفي وسط الصدمة وأنا باصة للشاشة والدموع غسلت وشي.. تليفوني رن في إيدي..
رقم محامي كريم!
رديت بسرعة وصوتي كله بكا: “إنتوا عايزين إيه؟! الفيديو ده لفقته إزاي؟!”
جالي صوت محامي كريم البارد والشرير وهو بيقول بنبرة انتصار:
“إحنا مبنلفقش يا مدام هنا.. الباشمهندس كريم بعتلي قفل الشقة والمفتاح عشان أحطلك الأمانة دي.. الفيديو ده النسخة الأصلية منه مع المحكمة والنيابة مستعدة تتقدم بكرة الصبح كبلاغ جديد بإعادة فتح قضية الفساد.. أخوكي أحمد هيلبس بدلة السجن الحمرا ويدخل ورا كريم.. والـ 9 سنين اللي عشتيهم في ستر هينتهوا بفضيحة لعيلتك كلها في شبرا والمحافظة كلها..
قدامك لحد بكرة الصبح يا هنا.. تروحي للنياية إنتي والحاج فضل، وتتنازلوا عن كل القضايا والسرقة والابتزاز، وتكتبي إقرار إنك أخدتي كل حقوقك وقايمتك وتطلعي كريم زي الشعرة من العجين.. وإلا.. بكرة أحمد أخوكي هينام في الحجز جمب كريم!”
الخط قطع.. والشقة فضلت تتردد فيها ضحكة الراجل اللي في الفيديو.. وأنا وقفت في وسط الصالة، بين ناريين.. نار كرامتي وحقي اللي أخدته بعد ذل، ونار أخويا الوحيد ومستقبله وعيلتي اللي ممكن تتدمر في ثانية..
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
وقفت في وسط الصالة وأنا حاسة إن جدران الشقة بتطبق على أنفاسي.. ريحة البرفان الممزوجة بالتراب والشر اللي مالي المكان خنقتني. بصيت للشاشة اللي بتتعرض عليها كسر وفضيحة أخويا.. أحمد! السند الوحيد ليا في الدنيا بعد ربنا.. الواد اللي لسه بيبدأ حياته وبيفرح بشبابه، يروح في رجلين مجرم وشيطان زي كريم؟!
مسكت تليفوني وإيدي بتترعش، وضغطت على زرار التسجيل وسجلت الفيديو كله بموبايلي عشان يكون معايا نسخة منه، وبعدها قفلت اللاب توب والتلفزيون وشدّيت الفيشة بعنف كأني بكتم صوت الفضيحة. أخدت موبايلي ونزلت من الشقة وأنا مش شايفة قدامي، دموعي كانت مغرقة وشي وقلبي واجعني وجع عمري ما حسيته قبل كده.. القلم اللي ادهولي كريم ليلة خيانته مكنش حاجة جنب القلم ده.. ده كان بيموتني ويموت عيلتي بالبطيء.
طول السكة وأنا في التاكسي راجعة شبرا، كنت وبفكر.. الخوف مش هيحل حاجة.. الاستسلام لكريم معناه إننا هنفضل عبيد تحت رحمته طول العمر، وحتى لو طلع من السجن هيفضل يذلنا بالفيديو ده كل ما يحتاج قرشين أو يحب يكسر عيني.
وصلت شقة أهلي، دخلت وحاولت أداري وشي المبلول بالدموع عن أمي. دخلت أوضة أحمد، لقيته قاعد على مكتبه، بيذاكر وبيخطط لمستقبله بملامح كلها براءة وأمل.. بصيت له والوجع حرق قلبي.. قربت منه وحطيت إيدي على كتفه، فلف وشه وبصلي وابتسم: “مالك يا هنّود؟ شكلك تعبان ليه يا حبيبتي؟”
مقدرتش أمك نفسي، قعدت على السرير وانفجرت في البكا.. أحمد اتخض وجرى عليا وأخدني في حضنه: “في إيه يا هنا؟ كريم عملك حاجة تاني؟ حد ضايقك؟ انطقي يا أختي نشفتي دمي!”
طلعت الموبايل، وفتحت الفيديو اللي سجلته، وحطيته قدام عينيه وقلت بصوت مبحوح: “أحمد.. إيه ده؟”
أول ما عينه جت على الفيديو، ملامحه اتخطفت.. وشه اتقلب أصفر زي الليمونة، وجسمه كله بدأ يترعش بهستيريا.. ساب الموبايل من إيده وقعد على الأرض وهو بيحط إيديه على راسه وبدأ يبكي زي الأطفال: “كريم.. كريم هو اللي صورني.. أنا كنت عبيط يا هنا.. كنت لسه عيل في ثانية جامعة ومش فاهم حاجة وهو اللي قالي تعال أعملك مصلحة وخد الفلوس دي ساعد بيها نفسك.. مكنتش أعرف إنها شحنة مضروبة ولا كنت فاهم يعني إيه إمضاء واستلام.. والله العظيم استغل جهلي وطمعي وقتها.. أنا أسف يا هنا.. أسف إني هضيعكم!”
قعدت جمبه على الأرض وحضنته بكل قوتي، ودموعنا اختلطت ببعض.. في اللحظة دي، طاقة قوة غريبة نزلّت في قلبي.. الخوف اتمسح وحل مكانه غضب أعمى.. قومت وقفت ونشفت دموعي وبصيت لأحمد وقلت له بنبرة حاسمة: “مش هنستسلم يا أحمد.. كريم مش هيلوي دراعنا.. إحنا اللي هنروح للنيابة برجلينا!”
أحمد بصلي برعب: “أروح النيابة إزاي يا هنا؟! ده فيها سجن وضياع مستقبل!”
قلت له: “الجريمة دي فات عليها 7 سنين يا أحمد.. وإنت كنت قاصر أو يدوب لسه مكملتش السن القانوني كامل وشغال تحت التدريب، وكريم هو اللي استدرجك وحرضك وصورك بدون إذنك وبيهددنا بيك دلوقتي.. الابتزاز لوحده جناية توديه ورا الشمس وتدمر أي موقف قانوني ليه.. إحنا مش هنخاف من التهديد، إحنا اللي هناخد الفيديو ده ونروح للمحامي بتاع الحاج فضل حالاً!”
وبالفعل، نزلت أنا وأحمد في نفس الليلة وقابلنا الأستاذ مدحت محاميا ومحامي الحاج فضل في مكتبه.. لما شافوا الفيديو وسمعوا القصة، المحامي الكبير بتاع الحاج فضل خبط على المكتب وابتسم ابتسامة ثقة وراحة: “كريم بيلعب في الوقت الضايع يا مدام هنا.. الغبي بكارته ده أثبت على نفسه جناية ابتزاز وشهادة زور وحيازة مستندات بطريقة غير قانونية.. وفوق ده كله، القضية القديمة دي سقطت بالتقادم لمرور أكتر من 5 سنين على المخالفة الإدارية وتصفية الشركة، وأخوكي أحمد ملوش أي صفة جنائية دلوقتي غير إنه شاهد ملك تم تضليله واستدراجه وهو طالب.. كريم حفر قبره بإيده للمرة الثالثة!”
حسيت بنور ربنا بيفتح في وشي من جديد.. المحامي بصلي وقال: “بكرة الصبح، إحنا مش هنتنازل.. بكرة الصبح إحنا هنرفع قضية ابتزاز وتأصيل تهديد جديدة ضد كريم ومحاميه اللي حط اللاب توب في الشقة، وهنخليه يتمنى الموت وميطالوش!”
خرجنا من مكتب المحامي الساعة 12 بالليل.. الهوا كان بارد وبيغسل وشوشنا.. بصيت لأحمد وابتسمت، وهو أخدني في حضنه وباس راسي وهو بيقول: “ربنا يخليكي ليا يا أحسن وأقوى أخت في الدنيا.”
رجعت البيت، ونمت لأول مرة من أسبوعين نوم عميق وصافي..
تاني يوم الصبح، الساعة بقت 10.. تليفوني رن، وكان محامي كريم.. رديت عليه بمنتهى البرود والشماتة: “أيوة يا أستاذ.. ها، جاهزين للتنازل؟”
جالي صوته المرعوب والمهزوز وهو بيلهث: “مدام هنا.. الحقيني.. كريم في الحجز انهارده الصبح.. حصله..”
ونشفت الكلمة في حلقه، وسمعت وراه في التليفون دوشة وزعيق وصوت سرينات إسعاف تانية مسموعة من جوه سجن القسم..
سألته ببرود وجمود: “حصله إيه يا أستاذ؟ انطق!”
رد المحامي وصوته بيرتعش بالكامل: “كريم انتحر في الحجز يا مدام هنا! أول ما عرف إنكم ماروحتوش النيابة تتنازلوا، وإن المحامي بتاعكم قدم بلاغ جديد بالابتزاز وارفَق معاه المكالمة المسجلة بتاعتي وبتاعته والفيديو.. عرف إن اللعبة انتهت، وإن القضية القديمة سقطت بالتقادم، وإنه هيلبس قضية ابتزاز وجناية جديدة هتزود سنين سجنه وتضيع شرفه للأبد.. مستحملش الكسرة والفضائح، وشنق نفسه بملابسه في الحجز الصبح.. كريم مات يا هنا!”
قفلت السكة.. التليفون نزل من إيدي على الكنبة وأنا باصة للفراغ. مكنتش حاسة بحزن، ولا كنت حاسة بفرحة.. كنت حاسة بذهول مرعب من عدالة ربنا اللي مابتتأخرش، ومن نهاية راجل عاش بالغش، وخان بالأمان، ومات بالرعب والذل اللي حاول يزرعهم في قلوب الناس.
النهاية مكنتش مجرد ورقة طلاق أو قضية في المحاكم.. النهاية كانت إن كريم كتب سطر موته بإيديه، بعد ما قفل كل أبواب الرحمة في وش نفسه، وساب الدنيا وهو مطرود من الشغل، ومكروه من الناس، ومحكوم عليه من رب العباد قبل قضاة الأرض.
## الحكمة من قصة “حكايات ريم” (بإمضاء الكاتب رماني مكرم)
تخرج القصة من وسط جدران البيوت وشوارع “شبرا” لتترك لنا حكماً ومواعظ تكتب بماء الذهب لكل زوج وزوجة، ولكل إنسان يعيش في هذه الدنيا:
* **البيوت تبنى على الأمان لا على الخداع:** تسع سنوات من الصبر والتضحية والشقاء انهارت في ثانية واحدة لأنها كانت مبنية على أرض هشة من الكذب والغش. من يظن أنه يستطيع إخفاء خيانته وظلمه خلف جدران الصمت، ينسى أن الله مطلع وأن “السر” لابد أن يخرج للعلن، ولو بعد حين.
* **اتقِ شر الحليم إذا غضب:** المرأة التي تحملت ونقلت من محافظة لمحافظة وباعت شغلها ومستقبلها من أجل بيتها، لم تكن ضعيفة.. كانت أصيلة. ولكن عندما تُمس الكرامة، ويُقابل الإحسان بالضرب والإهانة، تتحول هذه الأصالة إلى قوة كاسحة لا تبقي ولا تذر. فلا تراهن على صمت من يحبك، لأن لكل صبر نهاية.
* **الظلم مرتعه وخيم:** عاقبة الظلم والافتراء دايماً سوداء. كريم لم يكتفِ بالخيانة، بل مد يده بالضرب، وتكبر وقال “إنتي اللي عملتي فيا كده”، ثم لجأ للسرقة والابتزاز ولوي الذراع بفيديو قديم.. وفي كل مرة كان يحفر لنفسه قبراً أعمق. الجزاء دايماً من جنس العمل، ومن عاش بالمكر مات بالخديعة والندم.
* **الحق لا يسقط والباطل دايماً زهوق:** في اللحظة التي ظن فيها الشيطان أنه ملك كل خيوط اللعبة وهدد بأخ حبيب مستغلاً جهل طفولته، كشفت القوانين والعدالة الإلهية أن الباطل دايماً ضعيف وواهن كبيت العنكبوت. المواجهة برجولة وصدق دايماً تكسر عين المبتز والمجرم.
انتهت حكاية كريم وهنا.. لتبقى الشقة في شبرا هادئة، يدخلها هوا الصباح النقي، بعد أن طهرتها الأيام من ريحة البرفان المغشوش، وخرجت منها “هنا” قوية، معززة، ومرفوعة الرأس.. وعاد “أحمد” لمستقبله بدرس لن ينساه طول العمر.. فالحق دايماً ينتصر في النهاية.
