مراتي وقفت جنبي مني السيد ٢
قعدت قدام باب شقتهم لساعات، مش قادر أتحرك.. جسمي كله كان ميت، بس عقلي شغال تفكير. كلامها الأخير كان زي السكين اللي بتقطع في قلبي، بس جوايا عين عنيدة مش قادرة تستسلم. قمت وأنا واخد قرار.. مش هسيب نجوى تضيع، حتى لو هقضي بقية عمري تحت رجلها عشان تسامحني.
رجعت شقتي المهجورة، ملمستش السرير.. فضلت صاحي للصبح بجهز ورقها، وكلمت الدكتور تاني وطلبت منه يخلص كل الإجراءات ويبعت التقارير للمستشفى اللي برة مصر. حجزت التذاكر، ودفعت مصاريف العملية مقدمًا من غير ما أفكر في المبلع، وبقيت جاهز لكل حاجة.. ناقص بس نجوى ترضي.
تاني يوم بالليل، كلمت حماتي.. الست الكبيرة اللي كانت دايماً بتعاملني كأني ابنها. بكيت ليها في التليفون وقولتلها: “أنا غلطت يا أمي، وبستسمحك تخليها تديني فرصة أخيرة.. السفر ده عشان صحتها وعشان حقها في الدنيا، مش عشاني أنا.” حماتي قلبتها حنت، وقالتلي بصوت مخنوق: “يا أحمد، نجوى مجروحة في كرامتها، والست لما تتجرح في كرامتها من جوزها بتبقى أصعب من الصخر.. تعال بكرة، وأنا هحاول أخليها تقعد معاك.”
روحت تاني يوم وأنا شايل قلبي على إيدي. دخلت بيتهم، ومحمود أخوها مكنش موجود بالصدفة. قعدت في الصالون، وبعد دقايق خرجت نجوى.. كانت لابسة أسود، ووشها خالي من أي تعبير، كأنها شافت فيا غريب مش جوز حبيبها.
قعدت بعيد عني وقالت: “أنا قعدت بس عشان خاطر أمي.. قول اللي عندك عشان نقفل الصفحة دي خالص.”
طلعت من الشنطة تذاكر السفر، والملف الطبي، ووصل دفع مصاريف المستشفى، وحطيتهم على التربيزة قدامها وقولت بصوت مرتعش: “نجوى.. أنا مش جاي أقولك ارجعيلي، ولا جاي أفرض نفسي عليكي.. أنا جاي أقولك إن سفرك برة لمصر وعلاجك ده حقك إنتي.. الفلوس دي بتاعتك، إنتي اللي شقيتي معايا عشانها، وإنتي اللي صبرتي لما مكنش معايا حق اللقمة.. السفر ده هيتم، سواء وافقتي نفضل مع بعض أو صممتي على الطلاق.”
بصت للتذاكر وللورق، ولمحت لمعة دموع في عينيها حاولت تداريها.. كملت كلامي ودموعي نزلت: “أنا حجزت ليكي ولوالدتك ولأخوكي محمود عشان يكون معاكي.. أنا مش هسافر معاكم لو وجودي بيضايقك.. هقعد هنا مستنيكي وأنا بدعي ربنا تقومي بالسلامة.. وبعد ما ترجعي وتخفي، لو وفقتي تكملي معايا، هشيلك فوق راسي طول العمر.. ولو قولتيلي طلقني.. هطلقك وأنا كلي كسر، بس هبقى مطمن إنك أخدتي حقك في الدنيا ومحرمتيش نفسك من حاجة بسبب غبائي.”
رفعت عينيها وبصتلي نظرة طويلة.. نظرة كان فيها عتاب، ووجع، وحيرة.. فضلت ساكتة لفترة طويلة، والسكوت ده كان بيموتني بالبطيء، لحد ما مدّت إيدها ببطء شديد ناحية الورق اللي على التربيزة.. وفجأة..
وفجأة.. سحبت إيدها تاني من غير ما تلمس الورق، وبصتلي وعينيها مليانة دموع متحجرة وقالت بصوت هادي بس قوي: “إنت لسه مش فاهم يا أحمد.. إنت فاكر إن مشكلتي كانت في الخلفة؟ أو إن وجعي سببه إني محرومة من العيال؟ لا يا أحمد.. الوجع الحقيقي إن الشخص الوحيد اللي كنت مستعدة أواجه بيه الدنيا، وأستحمل معاه أي حاجة، طلع أول واحد يتخلى عني لما لقى البديل اللي يرضي كبريائه قدام الناس.”
وقفت نجوى وبصت لوالدتها وقالت: “أنا مش هسافر يا أمي، ومش هقبل إن رحلة علاجي تكون تمن لغلطة هو عملها عشان يريح ضميره.. أنا كرامتي مش للبيع، ولا للترميم بفلوس.”
وقبل ما تسييب الصالون وتدخل، التفتت ليا وقالت الكلمة اللي قطعت كل حبال الأمل اللي كنت ماسك فيها: “لو عايز تثبتلي فعلاً إنك ندمان يا أحمد.. طلقني.. وسيبني أعيش اللي باقي من عمري وأنا حاسة إني بني آدمة، مش غلطة إنت بتحاول تداويها.”
دخلت الأوضة وقفلت الباب، وحماتي بصتلي بأسف وقالت: “يا ابني.. جرح الست في شرفها أو كرامتها مبيلموش دهب الدنيا.. سيبها تهدى، والورق ده خليه معايا، أنا هحاول أتكلم معاها.”
خرجت من البيت وأنا حاسس إن الأرض بتهد تحت رجلي.. الرفض المرة دي كان أقوى وأعمق.. رجعت شقتي، وقعدت في الضلمة، ومبقاش قدامي غير حل واحد.. حل مجنون بس كنت مستعد أعمله عشان أثبتلها إن الفلوس والعيش والدنيا كلها متساويش ضحكتها.
فتحت لابتوبي، ودخلت على حسابات الشغل والمشروع، وبدأت أكتب قرار رسمي بتنازل عن نصيب وممتلكات المشروع كله، والشقة، والعربية.. لاسم “نجوى”.. كتبت كل اللي أملك باسمها، وبعت النسخة للمحامي بتاعي وقولتله: “خلص الإجراءات دي بكرة الصبح.”
كنت عايز أروح لها وأنا “أحمد” بتاع زمان.. الموظف البسيط اللي مملكش في جيبه غير كام جنيه.. كنت عايز أقولها: “أهو أنا خسرت كل حاجة تاني.. بس المرة دي بمزاجي.. عشان أثبتلك إنك إنتي الرزق الوحيد اللي بندم عليه.”
تاني يوم الصبح، والمحامي شغال في الإجراءات، تليفوني رن.. بس المرة دي مكنش الدكتور، ولا كانت حماتي.. ده كان رقم غريب، وأول ما رديت سمعت صوت لغة عربية مكسرة من سكرتيرة مستشفى البروفيسور برة مصر بتقولي: “أستاذ أحمد؟ إحنا استلمنا الفايل الطبي لمدام نجوى.. بس في إيميل وتحديث مهم جداً وصلنا من المعمل الطبي اللي في مصر.. لازم تبلغه للبروفيسور فوراً قبل أي خطوة..”
قلبي سقط بين رجلي، والدم هرب من عروقي وأنا سامع السكرتيرة الأجنبية بتتكلم بنبرة فيها ارتباك واضح. سألتها بلهفة وصوت بيرتعش: “تحديث إيه؟ في إيه في الورق؟ أنتم شوفتوا حاجة خطيرة في التحاليل؟ أرجوكي اتكلمي عربي أو إنجليزي واضح.. مراتي فيها إيه؟”
قالتلي بلغة مكسرة: “أستاذ أحمد، المعمل الطبي اللي في القاهرة بعت إيميل عاجل للمستشفى هنا يطلب سحب الفحوصات الأخيرة اللي اتبعتت لينا.. بيقولوا إن حصل تبديل في الأسماء والنتائج بين عينات مدام نجوى وعينات مريضة تانية كانت معاها في نفس اليوم ونفس الساعة!”
سكت تماماً.. للحظة حسيت إن حاسة السمع عندي اتعطلت، أو إني بحلم حلم كابوس مرعب. سألتها بصوت يكاد يكون مسموع: “تبديل؟ يعني إيه؟ يعني نجوى معندهاش مشكلة؟”
ردت: “التقرير الجديد اللي المعمل صححه بيفيد إن مدام نجوى فحوصاتها سليمة تماماً ومفيهاش أي عائق طبي يمنع الإنجاب.. المشكلة مكنتش عندها من البداية يا فندم. إحنا هنقفل الملف هنا لحد ما تراجعوا الدكتور بتاعكم في مصر.”
قفلت السكة وأنا مش قادر أتنفس.. الهوا طار من صدري. قعدت على الأرض في وسط مكتب الشغل والورق والتنازلات اللي كنت لسه بمضيها حواليا. ضحكت زي المجنون.. ضحكت بوجع وكسرة وسخرية من الدنيا. المشكلة مكنتش عند نجوى! الست اللي شالت الذنب، واللي بكت بدل الدموع دم، واللي لامت نفسها كل ليلة، واللي وقفت قدام مرايتها تحس بالعجز، واللي واجهت نظرات أمي وأختي المسمومة.. كانت سليمة!
أنا اللي كنت بجري ورا وهم.. أنا اللي سمحت لصاحبي وأمي وأختي يملوا دماغي بأني “صغير ومقتدر وأقدر أفتح بيتين” وأني حارم نفسي عشان ست مابتخلفش.. في حين إن الست دي كانت بريئة، وكانت مستعدة تعيش معايا بلقمة وجبنة وبكام جنيه في جيبي، وتتحمل عيبي لو العيب كان فيا.. وأنا أول ما اتقالي إن العيب فيها، فكرت أكسرها وأتجوز عليها!
لميت الورق والتنازلات في الشنطة، وجريت على المعمل الطبي زي المجنون. دخلت على المدير، زعقت، وصرخت، وقلبت الدنيا لحد ما طلعولي التقرير المختوم الجديد واعتذروا بخوف من القضايا والتعويضات. أخدت الورق في إيدي.. الورق ده مكنش مجرد شهادة طبية، ده كان صك براءة نجوى، وكان في نفس الوقت حكم إعدامي أنا.. لأن جرحها دلوقتي بقا أضعاف. لو كانت مريضة ومشت وهي مكسورة، فدلوقتي هتمشي وهي حاسة بأبشع أنواع الظلم.
ركبت العربية وطيرت على بيت أهلها. مكنتش شايف قدامي من الدموع. وصلت وخبطت على الباب بكل قوتي. فتحلي محمود أخوها، وشاف منظري والورق اللي في إيدي ودموعي اللي مغرقة وشي، لسه هيزعق ويقفل الباب، زقيته بكل قوتي ودخلت الصالة وأنا بصرخ: “نجوى!!! يا نجوى اطلعي يا نجوى!! اطلعي شوفي غبائي وظلم الدنيا ليكي!”
خرجت حماتي تجري، ووراها خرجت نجوى بوشها الشاحب وعينيها اللي مبقتش تفارقها الدموع. بصتلي بغضب وقالت: “إنت مابتفهمش؟ إنت إيه اللي جابك هنا تاني؟ مش قولتلك الكلام خلص؟”
وقعت على ركبي قدامها.. نزلت تحت رجليها والورق في إيدي، وسندت راسي على الأرض وأنا بنحب وببكي بصوت عالي زي الطفل الصغير: “سامحيني يا نجوى.. أنا غبي.. أنا أحقر إنسان على وجه الأرض.. الورق اهو.. المعمل غِلط.. التحاليل اتبدلت.. إنتي سليمة يا نجوى.. سليمة ومفيكي العيب.. العيب كان في غبائي وفي الناس وفي الدنيا.. إنتي مابتخلفيش بسببي أنا.. بسبب إني مستاهلكيش ومستاهلش ضفرك.. أنا اتنازلتلك عن كل ممتلكاتي، الشقة والعربية والمشروع، الورق اهو باسمك.. ارجعي لبيت أبوكي بمالي كله.. بس بالله عليكِ ما تبصيليش النظرة دي تاني.. امسحي الذنب اللي عيشتي فيه بسببي.”
نجوى اتسمرت في مكانها.. ملامح وشها اتخطفت، وبصت للورق اللي رميته تحت رجليها، وبصت لأمها ولأخوها ومكنتش مصدقة.. مديت إيدها ببطء شديد، وأخدت تقرير المعمل الجديد وقرأته.. دموعها بدأت تنزل، بس المرة دي مكنتش دموع انكسار.. كانت دموع قهر وظلم السنين اللي فاتوا كلهم.
بصتلي وأنا على الأرض، وفجأة لمت الورق كله.. تقرير البراءة، وورق التنازل عن الأملاك، ورمتهم كلهم في وشي وقالت بصوت زلزل كياني..

