حكايات زهرة الربيع ٢

صوت ترزيع الباب وقفل الترباس الحديدي من برة رن في ودني زي جرس الموت. الغرفة اتكتمت، ومفيش فيها غير صوت زقزقة الأجهزة الطبية الضعيف، وصوت أنفاس أحمد اللي تحول لزئير مرعب.

“ابن الكلـب قفل علينا!” أحمد صرخ وهو بيميل بكل جسمه على الباب الخشب الثقيل، بيخبط بكتفه الرياضي بكل عزم، لكن الباب كان من خشب الزان المحمل اللي مبيتهزش بسهولة.

أنا مكنتش شايفة الباب أصلاً.. عيني كانت على السرير. جريت على مريم، رميت نفسي فوقيها، مسكت وشها الشاحب بين إيديا وبدأت أعيط بهستيريا: “مريم! مريم رد عليا يا قلب أمك! أنا جيتلك أهو.. فوقي يا بنتي!”

فتحت عينيها بالعافية، النني كان ضيق جداً ومتهز من تأثير المخدر أو المنوم الثقيل اللي كانت واخداه في المحلول. بصتلي ومكنتش قادرة تثبت عينيها، شفايفها المقشفة اتحركت بصوت مبحوح زي الهسيس: “ماما.. أحمد؟ أنتوا جيتوا؟”

“جاينا يا نور عيني.. جاينا ومش هنسيبك.” دموعي نزلت على وشها. بصيت تحت الغطا، الجنازير الحديدية كانت لافة حوالين معصمها النحيف، ومربوطة في هيكل السرير الحديدي بقفل قذر. والعباية المقفولة اللي كانت لابسها في الفيديو كانت مدارية آثار زرقان وخرطوم المحلول. بطنها كانت بارزة شوية، بارزة لدرجة خلتني أتأكد من تخميني.. بنتي حامل في شهورها الأولى، والندل ده حابسها بالمنظر ده!

أحمد ساب الباب لما لقى الخبط ملوش فايدة، وجري على السرير وشاف المنظر. عروق جبهته كانت هتنفجر، ملامحه اتقلبت لشر حقيقي مكلتش شوفته في ابني قبل كدة. حط إيده في جيبه وطلع البلطة الصغيرة: “أوعي يا أمي.. أوعي من جنب السرير.”

رفع البلطة ونزل بكل عزمه على القفل الحديدي اللي رابط الجنزير. صوت خبط الحديد في الحديد عمل رنة عالية جوة الأوضة، القفل اتمجرح بس متكسرش من أول خبطة. أحمد نزل عليه تلات، أربع خبطات متتالية وهو بيجز على سنانه، لحد ما القفل اتهك واتفلق نصين.

في نفس اللحظة، سمعنا صوت حركة غريبة برة الأوضة في الممر، وصوت مدحت وهو بيتكلم في الموبايل ويزعق بصوت جهوري: “بقولك تعالالي حالا يا عوض! هما جوة الأوضة محبوسين.. هات معاك الرجالة والأسلـحة، الحرمة وابنها جم من طنطا وعرفوا كل حاجة.. مش هيلحقوا يخرجوا من البلد صاحيين!”

أحمد فك الجنازير بسرعة من إيد أخته ورجليها، وشال خرطوم المحلول من إيدها وهو باصصلي: “الكلـب بيلم علينا ناسه.. السكة برة هتقفل تماماً لو مستنينا هنا.”

شيلنا مريم، كانت زي الريشة، مفيش فيها حيل تقف على رجليها. أحمد سحب مسن الحديد من كم عبايتي، وبدأ يدق بيه على سن البلطة عشان يضمن إنها حامية، وعينه جت على اللابتوب اللي في ركن الأوضة. البرنامج كان لسة شغال، وجنب اللابتوب كاميرا احترافية متثبتة على حامل، وموجهة لكرسي فاضي.. الكرسي اللي مدحت كان بيقعد مريم عليه وهي متخدرة، ويشغل الذكاء الاصطناعي عشان يعدل حركتها الميتة ويبينها طبيعية قدامي في الكاميرا.

أحمد رفص الكرسي برجله، وضغط على زرار الباور في اللابتوب، وشال الهارد الخارجي اللي كان متوصل بيه وحطه في جيبه: “ده الدليل اللي هيوديه ورا الشمس.. بس الأول نخرج من هنا.”

“هنخرج إزاي والباب مقفول من برة بالترباس يا أحمد؟” سألته وأنا ساندة مريم اللي بدأت تغيب عن الوعي تاني.

أحمد بص حواليه في الأوضة، مكنش فيه غير شباك واحد كبير، بس مقفول بشيش خشب وحديد متمسمر من برة. قرب من الشباك، وبظاهر البلطة بدأ يكسر في الخشب لحد ما شق فيه فتحة وبص منها لبرة.

“أمي.. الشباك ده بيطل على الجنينة الورانية، وفي تندة صاج تحتنا علطول فوق الدور الأول.. النطة منها مش صعبة، بس مريم مش هتقدر.”

“أنا هنزل الأول يا أحمد، شيلني إنت وأنا هلقفها منك من تحت.. مفيش وقت، أنا سامع صوت عربيات ربع نقل بتقف برة البيت!” صرخت فيه وأنا بنفض الخوف من قلبي. إحساس الأمومة وقت الخطر بيحول الست العجوزة لجيش بحاله.

أحمد هز راسه، واستخدم البلطة عشان يخلع ضلفة الشباك كاملة بالحديد بتاعها من الحيطة الطوب الأحمر اللي كانت قايمة على المونة القديمة. الخشب اتقلع بصوت شرخ قوي.

مدحت سمع الصوت برة وجري على باب الأوضة، بدأ يضرب في الباب برجليه ويصرخ: “بتعملوا إيه جوه يا ولاد الـ…! مش هتلحقوا.. عوض والرجالة وصلوا برة!”

“اخلصي يا أمي!” أحمد شالني من وسطي وعداني من الشباك. سيبت نفسي ونطيت على التندة الصاج.. صاج قديم عمل صوت دبة مكتومة ورجلي اتلوت سنة، بس مأهتمتش. قمت بسرعة ورفعت إيديا لفوق: “هات مريم يا أحمد!”

أحمد نزل مريم بالراحة، كانت زي الج*ثة الهامدة بين إيديه، سحبتها لحضني وسندتها على الصاج، وبعدين أحمد نط ورايا خفيف زي الغزال. التندة كانت واصلة لحد سور جنينة البيت الكثيف. نزلنا من السور للضلمة اللي ورا البيت.. الأرض كانت كلها تراب وعفش وشوك، نفس الشوك اللي مريم كانت بتقولي عليه في الشفرة!

شيلنا مريم أنا وأحمد وجرينا وسط الزرع الكثيف، مستخبيين من النور اللي بدأ يظهر في واجهة البيت. وصلنا للعربية المستخبية ورا شجر الجميز. أحمد فتح الباب الوراني، نيمنا مريم، وركبت جنبها ودموعي مش راضية تقف وأنا بنظف التراب من على وشها ووشي.

أحمد قعد ورا الدريكسيون، دور الموتور، ولسة بيجيب المارشيدير عشان يلف ويرجع للطريق السريع.. لقيت عربية ربع نقل محملة رجالة بجلابيب وفي إيديهم بنادق آلي، ظهرت فجأة من ورا المدق الجبلي، وقفت بالعرض وقفت السكة تماماً، ونور كشافاتها ضرب في عيوننا!

وفي نفس اللحظة، ظهر مدحت من المراية الورانية وهو بيجري في وسط المدق، وفي إيده فرد خرطوش، وبيصرخ بعلو صوته للرجالة اللي في العربية: “هما دول!! سدوا الطريق!! متخلوش العربية تتحرك!!”

أحمد بص في المراية وبص قدامه، السكة اتقفلت من الناحيتين، ومبقاش في مجال للهروب بالراحة. ملامحه جمدت تماماً، وداس بنزين على الآخر والموتور زأر بصوت مرعب..تابعو صفحة رومانى مكرم

أحمد كان عينيه بتلمع بلمعة غريبة، لمعة حد قرر ينهي اللعبة دي مهما كان الثمن. بدل ما يرجع لورا، داس على البنزين لحد ما الموتور جاب آخره، والعربية اندفعت للأمام زي القذيفة في اتجاه العربية الربع نقل اللي سادة الطريق.

الرجالة اللي واقفين جنب العربية بدأوا يصرخوا ويتنططوا عشان يبعدوا عن طريقنا، بس أحمد ما هداش. في آخر لحظة، لف الدريكسيون بحرفية خيالية، العربية انحرفت على جنبها عجلتين، وعدت في الفتحة الضيقة اللي كانت بين العربية الربع نقل والمدق الصخري الجبلي. احتكاك جسم العربية بالصاج بتاع عربيتهم طلع شرار وصوت خبط معدني مزعج، بس عدينا!

مدحت فضل يصرخ وراهم، وسمعت صوت ضربة نار في الهوا، بس أحمد ما التفتش وراه. كان مركز في الطريق المتعرج قدامه، بيسوق بجنون وهو بيحاول يحافظ على ثبات العربية اللي كانت بتنط فوق النقر والكسر.

مريم كانت بدأت تفوق شوية وسط الهزة، وسمعتها بتبكي بهدوء وهي ضامة بطنها. حضنتها بقوة وهمست في ودنها: “متخافيش يا مريم، ماما وأحمد معاكي.. محدش هيلمسك تاني.”

أحمد بص لي في المراية، ملامحه كانت متشنجة: “أمي، الطريق ده هيوصلنا لمركز الشرطة الرئيسي في المدينة، مش هينفع نرجع طنطا دلوقتي، لازم نبلغ ونعمل محضر، ومريم لازم تروح المستشفى فوراً.”

“اعمل اللي تشوفه يا أحمد.. بس المهم نبعد عن الأرض دي.”

بعد نص ساعة من المطاردة النفسية، بدأت أنوار المدينة تظهر في الأفق. أحمد هدى سرعته لما شاف نقطة الشرطة على الطريق، ودخل بجرأة وركن العربية قدام الباب. نزل وبدأ يزعق للظباط اللي كانوا واقفين، مكنش بيشكي، كان بيصرخ من الغيظ وهو بيطلع الهارد الخارجي اللي سرقه من الأوضة.

في لحظة، المكان اتقلب خلية نحل. الظباط طلعوا س*لاحهم، وأحمد قعد يحكي بالتفصيل كل اللي حصل، عن التهديد، عن الذكاء الاصطناعي، وعن الحبس والتعذيب.

قعدت في استراحة القسم، مريم كانت بتترعش، وجسمها كله كدمات. ظابطة شرطة جت أخدتها عشان تساعدها وتكتب أقوالها. كنت قاعدة مكسورة، بس قلبي بدأ يطمن أخيراً إن بنتي بقت في أمان.

بعد فترة، خرج أحمد من مكتب الظابط، كان شكله مرهق جداً، بس عينه فيها راحة. قعد جنبي ومسك إيدي: “أمي، الظباط اتحركوا فوراً.. أخدوا العنوان وهما في طريقهم للبيت، ومدحت مش هيهرب.”

سكت شوية وبص للأرض، وبعدين كمل بصوت واطي: “مريم حكتلي حاجة تانية.. مدحت مكنش لوحده، كان معاه واحد من أهل قريته خبير في البرمجة، هو اللي كان بيساعده في موضوع الـ AI ده. الظباط قالوا إنهم قبضوا على الراجل ده وهو بيحاول يمسح السيرفرات في بيت تاني قريب من هناك.”

غمضت عيني وحمدت ربنا. بس لسة في حاجة كانت شاغلة بالي.. “يا أحمد، مريم.. إيه حكاية الحمل دي؟ هي فعلاً حامل؟”

أحمد اتنهد وبص لي: “الدكتورة اللي كشفت عليها في المستشفى دلوقتي قالت إنها عندها نزيف داخلي بسيط بسبب الضرب اللي كانت بتتعرض له، وبالنسبة للحمل.. هي كانت حامل فعلاً، بس للأسف، مريم فقدت الجنين بسبب اللي عاشته الفترة اللي فاتت.”

الخبر نزل عليا زي الصاعقة، بس حزني على بنتي كان أكبر بكتير من حزني على أي حاجة تانية. كان المهم إنها لسة حية، إنها لسة معايا.

قمت وقفت، حطيت الطرحة على راسي، وبصيت لأحمد: “أنا عايزة أشوفها.”

دخلت الأوضة اللي مريم كانت فيها، لقيتها قاعدة على السرير، بتعيط بصمت. أول ما شافتني، قامت وفكت المحلول من إيدها وجريت عليا، حضنتني حضن طويل، حضن فيه كل وجع السنة اللي فاتت، وكل الخوف اللي عاشته.

“يا ماما.. أنا أسفة.. أسفة إني سمعت كلامه وخرجت من حضنك.”

شددت على حضنها ودموعي بتغسل وجع السنين: “أنا اللي أسفة إني سيبتك.. بس خلاص، مفيش بعد النهاردة حاجة هتفرقنا.”

قضينا الليلة دي في المستشفى، والصبح بدري، جت الشرطة عشان تاخد أقوالنا النهائية. مدحت والرجالة اللي معاه كانوا في الحجز، والنيابة أمرت بحبسهم على ذمة التحقيق.

كنا بنخلص إجراءات الخروج، وأحمد كان بيجهز العربية عشان نرجع طنطا. مريم كانت قوية، وقررت إنها هترجع وتبدأ حياة جديدة، حياة بعيدة عن كل الذكريات دي.

بصيت للبيت اللي كنا خارجين منه، وشفت مدحت من بعيد وهو متكلبش وإيده في إيد العساكر، نظراته كانت خاوية.. كان بيبص لي بضعف، الشخص اللي كان فاكر نفسه متحكم في كل حاجة، سقط في ثانية.

أحمد شغل العربية، وأنا ومريم ركبنا ورا. الطريق لطنطا كان طويل، بس كان مختلف المرة دي.. كان طريق العودة للبيت، العودة للحياة.

وأنا باصة من الشباك، افتكرت “الشاقوف” اللي كان معانا.. البلطة اللي اشتريناها عشان نقطع شوك الطريق، طلعت هي السبب اللي قطع شوك حياتنا وفتح لنا طريق الحرية.

“ماما..” مريم قطعت صمتي وهي ماسكة إيدي.

“نعم يا حبيبة قلب ماما؟”

“أنا عايزة أنسى كل حاجة.. عايزة نبدأ من جديد، عايزة نرجع لحياتنا اللي كانت قبل كل ده.”

ابتسمت لها، ومسحت على شعرها: “هنرجع يا مريم.. وهنبني حياة أحسن بكتير، حياة مفيش فيها غيرنا.”

ومع خيوط الشمس اللي بدأت تطلع، وبداية يوم جديد في حياتنا، كنت حاسة إن الربيع رجع يدق بيبان قلبي من تاني.. مش ربيع الأرض، لا.. ربيع الأمان اللي افتقدته.

لكن… فجأة الموبايل في جيب أحمد رن. بص للشاشة ووشه اتغير تماماً، لدرجة إنه فرمل العربية في نص الطريق.

سألته بخوف: “في إيه يا أحمد؟”

أحمد بصلي وبص لمريم، وصوته كان بيترعش: “الظابط اللي كلمناه.. بيقول إنهم فتحوا الهارد اللي أخدناه، ولقوا عليه حاجة تانية خالص.. حاجة مكنش حد يتخيلها.”

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *