رواية لأجلها
رواية لأجلها
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
اللهم اني اسألك التوفيق..
الفصل الأول
داخل قرية صغيرة تتبع مركز من مراكز المحافظة الجنوبية الشهيرة لكنها تبتعد بمراحل عن الحضر واوجه التقدم حيث الاحتفاظ بالعادات المتوارثة عبر الأجيال برفض تام عن التخلي عنها حتى لو كانت سيئة وتتسبب بالعديد من المأسي ومن يستطيع محوها او تغيرها مدامت الاذية لا تطول الا الطرف الضعيف وفقط !
امام المراة وقف عرفان الأشقر وهذا اللقب الذي أطلقه اهل البلدة على عائلته نظرا لصفات الشكلية المميزة لعائلته بشرة فاتحة بشدة لأفرادها وبفرق ملحوظ عن باقي العائلات بالإضافة إلى سمات أخرى زادت من تثبيت الأمر كألوان العيون المختلفة
كان في هذه اللحظات يعدل من وضع العباءة السوداء فوق أكتافه لينثر عطره الفواح الثقيل حول جسده الضخم فيتأمل هيئته المتأنقة بتخايل وغرور وكأن العمر لا يمر عليه مدام بصحته وعنفوانه ولا ينقصه شيء.
كفاية بص على نفسك في المراية يا ابو الولاد لتتخايل دا انت رايح شغلك مش بتتهندس لخطوبتك يعني.
صدرت الكلمات من خلفه من زوجته صفا والتي كانت تطالعه بعدم ارتياح فهي الأدرى بغدره ان اراد وقرر فجاءت إلاجابة منه كالعادة بابتسامة مستخفة يغيظها
كل مرة اجف ع المراية جلبك ياكلك يا صفا هتمو,تي من الخوف لاعملها واجيب التالتة.
واكمل بضحكاته يتراجع للخلف كي يرتدي ساعة يده غير عابئا بالنيران التي اشتعلت بها حتى صارت تهتز بجسدها أمامه معبرة عن سخطها
طب اغلط واعملها يا عرفان عشان أن ما كنت اولعلك فيها حية مبقاش انا صفا مش انا اللي اقبل بضره يا حبيبي.
اطلق ضحكته عالية يسخر من منطقها في الحديث معه
ما انتي قبلتيها على نفسك زمان تيجي ضرة على اللي سبقتك دلوك لما اتمكنتي بترفضي ان يحصل معاكي اللي حصل مع غيرك صحيح اما عجايب دي والله
سمعت منه لتشتعل ثورتها بذكر عدوتها اللدود منذ أن حطت قدميها بداخل المنزل أو من قبل على الأصح
متجمعش ولا تقارن بيني وما بينها يا عرفان عشان انا مرة كاملة من كله واللي جابني هنا ضرة عليها انها ناقصة عني وعن كل الستات متخلنيش افتح على أول الصبح عشان حسي ميطلعش ويوصلها هي تحتينا في الدور الأول وانت مش ناقص نكد.
استطاعت بكلماتها ان تعكر من صفو مزاجه الرائق صباحا ليحتل العبوس ملامحه فيزجرها محذرا
خلاص اجطمي وفوضيها واصطبحي وجولي يا صبح انا غاير وسايبهالك خالص جفلتيلي اليوم من اوله ببوزك الفقر.
انهى الكلمات يضع محفظته الجلدية داخل جيب الصديري الذي يرتديه ليستدير متوجها نحو المغادرة ولكن ما هو سوى خطوتين حتى التف برأسه قائلا بتذكر
حريم بيت العيسوي احتمال يجوا يزوروكم النهاردة او بكرة متسينش تبلغي ليلى وامها يعملو حسابهم جاكم الهم انتو التلاتة.
بصق كلماته وخرج من المنزل تتبعه ابصار صفا التي تبدل حالها للنقيض وابتسامة شيطانية ارتسمت بثغرها تغمغم بمرح مفاجيء بعد حديثه
حريم العيسوي جاين يزرونا النهاردة يا حلاوة يا ولاد يا ترى رد فعلك هيبجى ايه يا مزيونة لما تعرفي اللي فيها دي شكلها جربت جوي يا صفا
وفي الطابق الأسفل
من خلف نافذة المطبع التي تتوسط الحائط والمؤدية إلى الحديقة الأمامية الصغيرة لمنزلهم حيث الأشجار التي قامت بزراعة معظمها هي وباقي أحواض الخضروات لتتمتع برائحتها ومشاهداتها كما يحدث الآن وهي واقفة تراقب سرب الطيور التي بلغت اصواتها حد الازعاج في هذا الوقت من الصباح تتقافز وتلهو وتطعم صغارها على الأغصان والفروع لتشهد ميلاد يوم جديد تدور معه الحياة في دورتها الطبيعية
ولكنه ليس عاديا بالنسبة لها هو مختلف عن بقية الأيام السابقة فهذا يوم الحصاد حصاد تعبها وتحملها لمرار لا يحتمله بشر من اجلها من اجل صغيرتها التي تعد لها طعام الأفطار الآن قبل أن تقوم بإيقاظها …
انتبهت فجأة على قرب فوران إناء الحليب فوق الموقد الغازي لتسرع في إطفاء نيرانه ثم رفعته لتصغه على الصنية النحاسية المتوسطة بجوار باقي الأطعمة لتحملها وتخرج بها متمتمة بالأدعية والإستغفار حتى تصل إلى داخل غرفة صغيرتها وينطلق لسانها
ليلى يا نن عين امك ليلى يا عمري كله جومي يا بت النهاردة نتيجتك.
حينما لم تجد ردا كعادتها خطت حتى اقتربت تجلس بجوارها وتهزهزها بخفة من كتفها وبصوت حنون
ليلى يا ليلى جومى ياضي عين امك يابت جومي .
استجابت ابنتها تصدر صوتا متذمرا وهى تشد الغطاء عليها اكثر وقالت بصوت ناعس
اممم سيبنى انام شوية ياما الوجت لسه بدرى .
نهرتها مزيونة بضيق
بدري من عمرك ياعين امك جومي يابت بلاش دلع.
لم تتأثر ليلى بل تابعت تغمغم بصوت ناعس وكلام غير مفهوم.
امممنمن .
منعت مزيونة ضحكة ملحة بصعوبة وهي تزيد بهزهزتها وتذكرها
يا بت جومى وبطلي كسل بقى خلينا نطمن على نتيجتك النهاردة ونشوف مستقبلك رايح لفين
ماشي ماشي……
تمتمت ليلى بالكلمات توميء برأسها بنعاس وكأنها تراضيها لتشد عليها الغطاء وتعتدل بنومها للجانب الاخر مما أثار استياء والدتها وحنقها فهدرت فيها صائحة بصرامة
جومى يابت هافضل اصحى فيكى اليوم كله ولا إيه جومي اخلصي بلاجلع ماسخ .
انتفضت ليلى بزعر هذه المرة تأثرا بلهجة والدتها الحازمة وهي تعتدل بجذعها في الفراش لتحاول الجلوس والإيقاظ فهي على قدر محبتها لوالدتها الحنونة على قدر خوفها منها حينما تغضب.. لتردد لها بمهادنة
انا جومت اها ياما انا فوقت وصحيت كمان.
نهضت مزيونة من جوارها وهى تحدثها بحزم
طب يالا استعجلى وقومي من فرشتك دي ادخلي الحمام واشطفي ولا صلي على ما اروح اوكل الطير كمان وافتحلو عشته
اومأت ليلى رأسها بطاعة وهي تهم للقيام والنهوض بجذعها لكن بمجرد ذهاب مزيونة وتحركها سقطت للدخول مرة ثانية فى الفراش لاستكمال النوم حتى اجفلتها صرخة مزيونة من الخارج وكأنها داخل الغرفة معها
اخلصى يابت جومى
انتفضت بفزع تأثرا بصرختها تردد بنشاط مفاجيء
حاضر ياما انا قومت المرة دي صح والنعمة قومت.
بعد قليل كانت ليلى تضع اللمسات الأخيرة فى لف حجابها امام المراة بعدما تناولت طعامها وقد أدت فرض الصلاة كما عودتها والدتها والان هي تتجهز للذهاب برفقة تلك الواقفة خلفها تراقبها بأعين تفيض بالحب حتى إذا انتهت لم تقوى على كتم ما يجول بخاطرها فور أن التفت نحوها
حلوة كدة ياما
بدر منور يا جلب امك
تمتمت نعيمة بالرد تقبل وجنتها الناعمة فتتلمسها بأناملها مرددة
من ساعة ما خلصتي الإعدادي وكل الناس تقريبا بتكلمني عنك اللي عايزك لولده واللي عايزاكي لاخوها وانا طول الوقت بنكر واعمل نفسي مش شايفة لكن الحقيقة كل يوم تظهر جدامي كيف عين الشمس بت جلبي كبرت وبجت احلى بنية في بر البلد كلها تسر العين وتشرح القلب
يعني بجيت عروسة زينة صح ياما زي الناس ما شايفاني
تفوهت بها ليلى بعفوية ندمت عليها بعد ذلك فور أن انتبهت لملامح والدتها التي تبدلت لغضب مفاجيء تحذرها
انا جولت احلى بنية انما عروسة دي بعيدة خالص لسة جدامك سنين طويلة على ما
تخلصي السنة الاخيرة في الثانوي وبعدها
سنين الكلية ولو طلبت تعليم اكتر برضو مفيش مانع لكن قبل كدة لا كام مرة هنبه عليها ولا انتي ناسية اننا رايحين دلوك نشوف نتيجة السنة والله ما تكوني نازلة درجة عن السنة اللي فاتت لا تبجي بتي ولا اعرفك يا ليلى.
سمعت منها الاخيرة لتسارع في ترضيتها والتلطيف معها
لا والله ياما ما تجولي كدة اهون عليكي برضو دا انا حبيبتك ليلى اللي هتشرفك وترفع راسك جدام البلد بحالها وهي الواحدة ليها ايه غير تعليمها ووظيفتها بعد كدة ان شاء الله دا عهد وخدته على نفسي ياما .
عاد وجه مزيونة للإشراق مرة اخرى وقد طمأنتها ابنتها بما تتمناه لها وتسير على خطاه لتحتضنها متمتمة بالادعية ان يحدث ما تصبو إليه لتبعدها بعد لحظات تلقي نظرة اخيرة على ما ترتديه من ملابس محتشمة زاهية تتمثل في دريس صيفي واسع وحجاب كبير غطى نصف صدر الفستان بلونه الزهري لينعكس على وجهها فاظهر تورد وجنتيها الطبيعي دون مساحيق على بشرتها الخمرية تزيد من فتنتها وتضاعف من خوف مزيونة لتتبع بالآيات الحافظة لها من أعين الحاسدين حتى إذا انتهت صدر التعقيب من ليلى
يعني عمالة تقري وتحاوطيني بالقرآن ومش واخدة بالك من نفسك وأنت الناس بتفتكرك صاحبتي مش امي دا انتي احلى مني يا مزيونة ليه مش حاسة بنفسك
ابتسامة باهته احتلت محياها في استجابة ضعيفة لتصريح ابنتها عن شي فقدت معناه منذ انجابها لها شيء أصبح التذكير به يؤلمها لفرط ما جرحت كرامتها به!
انت هاتفضلي بصالي كدة كتير ياما يا ست الحبايب اليوم هيروح مننا
هتفت بها ليلى لتنتشلها بمرحها من شرود يرهقها فتواصل بتفكه
واعملي حسابك تتجلي جيبك عشان أن شاء الله لو النتيجة كانت عالية عمي بيومي الفراش ولا زملاته ما حد فيهم هيعتقك قبل ما ياخدو الحلاوة
زملاته العمال كمان!
قالتها مزيونة لتخرج حافظتها النقدية فتخرج مجموعة من الاوراق المالية تلوح بها امامها
دا انا على كدة احمد ربنا ان خالك عدى عليا امبارح واداني ايجار الزرعة طازة قبل ما اتصرفلك فيهم ساعتها بجى مكنتيش هتلاقي غير صفا تروحي تقنعيها تكلم ابوكي يديكي .
هللت ليلى بلهفة برؤية النقود معقبة على ذكر صفا بسخط
ربنا ما يعوزني ليها الله جاتها ضربة في كرشها الكبير دي كمان دي عليها شوية تجل دم ياما تقوليش سم اعوذ بالله انا مش عارفة ابويا حاببها على إيه بس
ردت مزيونة بابتسامة ساخرة
عشان هو كمان دمه تقيل ياعين امك مش بيقولك الطيور على اشكالها تقع .
ابتسمت ليلى بشقاوة وهي تتناول مجموعة من النقود داخل حقيبتها متمتمة
طيور ايه بس ياما دا ابويا كيف الحيطة وصفا كيف الباب انهي طيور اللي تبقى بالوزن ده .
استطاعت بطرفاتها ان تؤثر بوالدتها التي صدحت ضحكتها النادرة تقهقه من قلبها فتتمنى الصغيرة لو استطاعت ان ترسم الابتسامة دائما على وجهها وقد شبع منها الحزن وشبعت منه لتشاركها الضحك هي الأخرى حتى تحركتا متخذين طريقهما نحو الخروج والذهاب إلى المدرسة لاستطلاع نتيجة امتحان الصف الثاني لها في الدراسة
وفي مكان آخر
داخل منزل حماد القناوي في الطرف الاخر من القرية والذي يتكون من مبنى كبير يتسع لجميع أفراد العائلة بعدد من الشقق لكل فرد وأسرته ولكن يجمعهم الترابط في كل شيء الطعام والعمل وكافة الشئون الحياتية بتنظيم مدبر من السيدة الكبرى الحاجة حسنية زوجة الرجل صاحب المنزل الذي توفاه الله وتكفلت هي بإكمال رسالته يساعدها ابنها حمزة اكبرهم في تدبير الشئون معها والذي كان في هذا الوقت داخل الساحة الخارجية الشاسعة حيث تدريب الصغار من أبناء اخوته وولده الوحيد على ركوب الخيل بمساعدة عمهم معاذ اصغر اشقائه والعضو الأقرب إلى قلب الكبير.
شد ضهرك زين يا واد وجمد جلبك الحصان ميحبش اللي يخاف منه.
حاضر يا عم بس انت متزعجش عشان بيخاف من صوتك انت كمان .
قالها الصغير الذي يمتطي الفرس ويسير به بروية تنفيذا لتعليمات معاذ الذي صدحت ضحكته ردا عليه فعلق من خلفهم حمزة الذي شاركهم المرح هو الآخر
جدع يا ريان متستكلوش وخليه يشوف شطارتك عشان ميظنش انه هو بس اللي خيال في البيت ده.
وه عاد كدة الواد هيصدق نفسه يا عم حمزة
تمتم بها معاذ يسبق الصغير ريان والذي جاء رده بتفاخر
بكرة ابجى خيال أمهر منك كمان حتى بص الحصان ماشي معايا كيف.
طب كمل بجى لوحدك يا ناصح.
صدرت من معاذ ليتركه بالفعل بعد ان اطمأن من جاهزية الفتى للاعتماد على نفسه وعاد يتخذ مقعده بجوار شقيقه الذي كان يرتشف الشاي أسفل إحدى الأشجار العالية في الفناء الضخم يتابعهم والذي علق يستقبله
أنا جولتلك من الاول ما تخافش عليه وسيبه ياخد ع الحصان والحصان ياخد عليه.
بس انا مش خايف عليه انا خايف ع الحصان
قالها معاذ بمناكفة اضحكت شقيقه الأكبر والذي لوح بغصن اخضر من الشجرة كان قد تم قطعه سابقا يدعي انه سيضربه
هتتشقلب يا شيخ معاذ على اخوك الكبير وولده شكلك عايز ظبط وربط من بتوع زمان ولا فاكر نفسك كبرت ياض عشان بجيت مهندس ولا إيه
اسنجاب الأخير يجاريه في مزحته
لهو انا أجدر برضو اغلط في الكبير ولا واد الكبير السماح يا كبيرنا السماح .
توقف حمزة عن محاولاته والضحك ليتنبه بعد ذلك حينما ارتفعت ابصاره لأعلى نحو الشرفة الكبيرة للمنزل حيث مجلس والدته مع بعض شقيقاته وزوجة شقيقهما الثالث وقد بدأ انهن يتابعن ما يحدث
عاجبك كدة اخواتك البنات ومرة اخوك هيمسكوا عليها سنة كاملة دي.
عقب بها معاذ يدعي استياءا جعل شقيقه يعود لمشاكسته بتسلية
ايوة عشان يعرفوا ان انت مهما كبرت برضو هتفضل جلوعة العيلة وأصغر واحد اهزقه براحتي.
انفعل معاذ يتحدث بتشدق
تاني يا عم جلوعة باين الحكاية دي محدش شايفها
غيرك يا كبير اصل امك رايحة جاية تلمحلي عن بنت عمك شكل مرات اخوك اقنعتها بما اني خلصت الكلية خلاص وبما ان شجتي جاهزة للجواز على طول.
وه.
تمتم بها حمزة يناظره باهتمام شديد وقد اثار فضوله
طب وانت رأيك ايه ليك غرض لبت عمك ولا عينك على غيرها
يا سيدي لا عليها ولا على غيرها هو انا لسة خدت نفسي من الدراسة اصلا ادخل في حوار جواز ووقعة كبيرة ما يعلم بيها غير ربنا كدة دوغري
توقف يلحق الحصان يوقفه لينزل ريان من فوق ظهره ثم يأخذ مكانه ويعتليه فيتابع
انا لسة جدامي كتير يا واد ابوي حاجات بالهبل عايز انفذها اقل حاجة فيهم الوظيفة اللي لازم امسكها وأسس نفسي وبعدها افكر في الجواز استعجل ليه انا على المسؤلية والهم عن اذنك بجى.
تبسم حمزة يطالعه باعجاب وهو يتحرك للابتعاد وقد اللجمه على المجادلة فلم يملك سوى سؤاله
طب وانت رايح فين دلوك بالحصان
هروح اللف شوية في البلد واشوف الزرعة ويمكن اعدي على صحابي بس ان شاء الله اجي بدري.
يبجى جدامك للعشية على
الاقل
ردد بها حمزة من خلفه ليهديه ابتسامة قبل أن يهرول مبتعد بفرسه نحو وجهته فعاد لابنه ذو السبع سنوات وقد وجد ضالته في اللعب بالكرة مع أبناء عمومته ليطالعه بحسرة لأنه الوحيد بين اقرانه الذي
لا يملك ام أو اشقاء نظرا لظروف طلاقه من والدته منذ سنوات بعد تجربة فاشلة أثارت في قلبه عقد عطلته حتى الآن للعثور على البديلة التي تصلح لتربية طفل وملء عقله كرجل فربما قد تجد بعد ذلك مكانا بالقلب.
عودة إلى مزيونة التي دلفت منزلها بصحبة ابنتها وفمها لا يتوقف عن إطلاق الزغاريد فرحا وابتهاجا بالمجموع الكبير الذي حصلت عليه عزيزتها مما يعزز فرصتها في العام التالي لتحقيق غايتها بنتيجة تمكنها باللحاق بواحدة من الجامعات الكبرى كي تؤسس لها مستقبل يضمن لها حياة كريمة بعيدا عن المصير البائس الذي حل بها هي بزواجها المبكر.
ولج خلفها الجيران والأحباب يشاركنها الفرحة بالتهاني والمباركات
يا الف مبروك يا مزيونة ربنا يباركلك فيها وتبجى اعلى الناس
ايوة يا بت يا ليلى شدي حيلك خلينا نفتخر بيكي كفاية تطلع واحدة من البلد بدل ما كلنا موكوسين
قالتها احداهن لتصدح الضحكات من البقية فيأتي رد مزيونة التي كانت فرحتها تصل لعنان السماء.
يبارك فيكم يا حبايب يا غاليين منحرمش منكم ولا من دخلتكم عليا ربنا يفرحكم بعيالكم انتو كمان وادعولنا تكمل معانا على خير
ان شاء الله يا مزيونة بس احنا عايزين حلاوتنا.
حلاوة وبس دا انا هفرق النهاردة شربات من الغالي لازم الكل يشرب حلاوة النجاح نجاح البرنسيسة ليلى
قالت الأخيرة بغبطة جعلتها تحتضن الأخيرة والتي تمثل فرحها الحقيقي ليس بالمجموع الكبير ولا بالنتيجة التي حققتها بعد اجتهاد وإنما هو تلك السعادة التي تجلت بوضوح بوجه مزيونة الحزينة الدائما وقد أشرقت الآن وكأنها فتاة في مثل عمرها ولم تتزوج من الأساس.
وصلت أصوات الضجيج في الطابق الأعلى إلى الزوجة الثانية صفا وقد عرفت من ابنها الصغير عن سبب الصخب الدائر في الأسفل بعد عودة مزيونة وابنتها من الخارج وقد أتى إليها بكل الحديث الذي سمعه من النساء في الأسفل لتزداد ابتسامتها اتساعا وتسلية يقت,لها الشوق لمعرفة رد فعلها حين تعلم بما يدبره زوجها بغفلة منها لذا عليها التروي وعدم الاستعجال
وبالفعل صبرت صفا حتى خفت اقدام المهنئين والمباركين قبل أن تنزل إليها فوجدتها كما توقعت تلملم الأثاث كي تنظف المنزل من فوضى توزيع المشروبات وحلوى النجاح على المهنئين داخل المنزل وخارجه وكل المنازل القريبة منهم.
مبروك يا مزيونة لنجاح بتك .
قالتها بعد ان وقفت في نصف الدرج لترفع الاخيرة ابصارها إليها فتراها من اعلى بهيئتها المقصودة والتي تتفنن بها دائما كي تذكرها بالفرق القاسم بينهما.
هي وقد كانت ترتدي مئزر محتشم إلى حد ما لكنه لا يخفي المنامة الصاخبة بلونها الاحمر في الأسفل من تلك الفتحة الكبيرة الجانبية شعرها المطلوق للخلف وحول جانبي وجهها وألوان مساحيق عديدة تغطي البشرى المكتنزة وتلك العلكة التي أصبحت سمة اساسية بها كلما تكلمت وخاطبت تلك المسكينة التي لم تخلع عنها الملابس السوداء منذ وفاة والدها منذ خمس سنين مضت وما فائدة الألوان ان كان القلب مشبعا بالحزن.
هذا وبرغم الفرق الواضح في العمر بينهما فصفا تزيد عنها بست سنوات ولكنها نالت الدلال والحظ الاوفر اما هي فقط كتب عليها الشقاء منذ زواجها بعرفان الأشقر.
الله يبارك فيكي يا صفا……. عقبال ولادك.
سمعت منها المذكورة لتكمل النزول بخطوات بطيئة قائلة
لا انا عارفة ولادي يا حبيبتي آخرهم اعدادية اذا وصلولها كمان ويعني لو كملوا هياخدوا ايه كفاية عليهم بس يفكوا الخط ويساعدوا ابوهم في تجارته هو مش عايز اكتر من كدة بلا تعليم ولا وجع دماغ.
كظمت مزيونة غضبها بصعوبة فهي الاعلم بقصد هذه الافعي في تعكير صفو فرحتها بابنتها ولكن لن تدعها تنال منها
عندك حق هما آخرهم يساعدوا ابوهم وبعدها يفتخروا باختهم أن شاء الله حكم دي دونا عن عيال عرفان بتحب التعليم زي أمها.
ضحكة قميئة تجلت السخرية بها بوضوح صدرت من صفا تعلق على كلماتها
على رأيك بتحب التعليم زيك انا بجى عيالي بيحبوا الفلوس والدلع زي امهم البت تتجوز عشان تتهنن والواد يمسك مع ابوه تجارته كل واحد بيورث حظ امه
هكذا وفي في كل مرة تلقي بكلماتها السامة بالتقليل منها ومن اي شيء يسعدها في إصرار متعمد بإدخال الحسرة في قلب مزيونة وتذكيرها بمكانتها عند عرفان حتى لا تظن في يوما ما أن فرق السنوات بينهما او جمالها الواضح للعيان قادر ان يجعلها تتفوق عليها او تأخذ مكانها في قلب الرجل الذي استطاعت ان تستحوز عليه بمكرها ومؤمرات نجحت فيها ومازالت تفعلها حتى الآن.
ولا إنتي ايه رأيك
بابتسامة كاشفة تطلعت إليها مزيونة ترد لها الصاع بقولها
طبعا من رأيك كل واحد بيورث عقل امه ان كان تخين وغبي ولا زكي وشاطر ولا تافه واهبل مينظرش غير تحت اجدامه وانا بشكر ربنا فى كل صلاة ان بتي ربنا كملها من كله حلاوة مفيش بنت في البلد زيها وعقل امها اللي كل الناس تشهد بيه
اجادت مزيونة قصف جبهتها لتعكر من مرحها فجاء ردها بابتسامة صفراء خط بها فمها تغير دفة الحديث نحو الجهة التي تريدها
ربنا يخليهالك هي فينها بجى عشان اسلم عليها واباركلها دا انا فرحتلها جوووي.
جارتها مزيونة في الرد لتعرف اخر الحديث
طلعت يا صفا مع صاحبتها هدى هتجعد معاها شوية وبعدها تطل على بيت خالها قبل ما تاجي هنا انزلي تاني بعد شوية تكون رجعت لو مصرة لسة تباركيلها بنفسك .
زامت فمها تقول بلؤم
اممم يعني على كدة مش جاعدة خسارة كنت عايزة اباركلها بنفسي بس برضو هي لازمن تخف حركتها شوية وترسى على حيلها هي معدتش صغيرة على العموم انا جيت ابلغك يا نعيمة تعملي حسابك حريم بيت العيسوي احتمال يجو على البيت النهاردة ولا بكرة متنسيش تعملي حسابك
اعمل حسابي في ايه بالظبط وحريم العيسوي جاين البيت ليه اصلا
جاء التساؤل من مزيونة بنبرة لا تخلو من الدهشة والانفعال فقابلت ردها الأخرى بمكر تدعي عدم الفهم
وانا اش عرفني بجى ثم ما يجو الحريم يا مزيونة واحنا هنبخل نضايفهم من امتى كنت بخيلة يا نعيمة
وايه دخل البخل في سؤالي انا بسأل على غرض الزيارة جايين ليه
كالحية المتلونة جاءت إجابة صفا بابتسامة ماكرة
وه يا مزيونة وانا اش عرفني جوزك جالي ابلغك واديني عملت اللي عليا اسيبك بجى
جوزي!
رددت بها مزيونة من خلفها بسخرية قاتمة تتبعها بعيناها وهي تصعد أمامها الدرج الذي نزلته منذ قليل تتغنج بخطواتها عن قصد لم تعد هي تعطي له بالا لكثرة ما رأت هذا المشهد طوال السنوات التي مرت عليها داخل هذا المنزل في عصمة زوج لم يعد يعنيها بشيء صفتها متزوجة منه وفي حقيقة الأمر هي امرأة عزباء تجاهد في الحياة من اجل ابنتها وفقط ولا اي شيء اخر ولكن لما
ينتابها القلق الآن من بعد حديثها وما سر تبليغها بهذا الأمر وهي من الأساس بعيدة كل البعد عن كل ما يخص أمور العمل وما يتعلق به من اشياء اخرى يقدم الأخرى في كل شيء وهي موضعها الهامش وقد ارتضت به موقعا مدامت بعيدة عن يده وتتقي شره ترجو الا يفعل شيء يعيدها لنقطة البداية وما يتخللها من مأسي مازالت محفورة برأسها.
قضت نصف النهار مع
صديقتها الأقرب كما انها تناولت وجبة الغداء عند خالها الوحيد وصفي وابناءه بعد أن اخذت الإذن من والدتها التي سمحت لها اليوم لفعل ما تشاء حتى تفرحها كما أدخلت هي السعادة بقلبها بالنجاح الباهر في الصف الثاني الثانوي قاطعة نصف الطريق في اتجاه غرضها الأساسي في الالتحاق بالجامعة التي تتمناها.
جاء الآن وقت العودة ولكنها لم تنسى تعليمات مزيونة بالذهاب إلى منزل جدها القديم كي تطل على برج الحمام المتواضع بداخله والذي يبلغ بناءه من عمر المنزل بعشرات السنين ليظل شاهدا على عظمة البناء رغم انه طيني ومتشقق نتيجة عوامل الزمن التي تركت أثرها به ولكنه عفي كما تصنفه مزيونة
اطعمت الحبوب للطيور ثم قامت بتنظيف اعشاشها من المخلفات العضوية والتي يتم جمعها داخل اشولة للاستخدام بعد ذلك لاغراض تخصها.
حينما انهت كل شيء خرجت إلى الساحة المؤدية نحو الزرعات لتغتسل من مجرى المياه القريب مستغلة خلو المنطقة من البشر في هذا الوقت من المغرب وقد ذهب المزارعين والعمال إلى منازلهم .
وفي الناحية الأخرى كان هو في طريق عودته إلى منزل عائلته بعد قضاءه وقتا لا بأس به مع اصدقائه وباقي اليوم تريض بحصانه داخل الحقول الزراعيه من أملاك عائلته حتى شعر بتعب الحصان وحاجته للشرب ليتوقف بالقرب من المجرى المائي الذي يعرفه في هذه المنطقة وتتسمر قدميه نحو اجمل صورة تلتقطها عينيه حتى كاد أن يكذب ابصاره لروعة ما يرى
بدأت تسير بكفيها المبللة بالمياه على سائر الخصلات المبعثرة من شعرها الغجري الزاهي بلونه العسلي والتي انعكست عليها أشعة الشمس لتزيده سحرا.
غافلة عن ذلك المتجمد محله منذ آن نزل عن حصانه وتوقف بالقرب منها بغرض ان يسقيه من ذلك المجرى المائي ليدهش بتلك الحورية وثوبها الزاهي برسوم الزهور المنتشرة على انحائه.
لم يكن ابدا من المتربصين بالفتيات الجميلات او حتى تتبعهم وتعمد النظر اليهم لكن في مثل تلك الحالة كيف يجد القدرة لأن يتغاضى او يتجاهل يراقبها الآن وهي تعبأ الكفتين الصغيرتين بالمياه تدفعها على بشرتها مرة واثنان وثلاثة ثم تجففها بطرف شالها الناعم والذي وضعته على رأسها بعد ذلك لتلتف فجأة فتتقابل عينيه بوجه البدر
ذلك الوجه المستدير وتلك الملامح الفاتنة بلون العيون المشابه للون الشعر حتى ذكرته بتلك الفناتة الشهيرة في صغرها
ليلى علو……..
لم يكمل الاسم وقد تفاجأ بها تهدر به موبخة بعد ان تحولت تعابيرها من الإجفال برؤيته إلى الغضب الشديد
انت مين وايه اللي موجفك في وشي كدة تسد عني الطريج.
استدرك لخطأه بالفعل فتحرك بحصانه يبتعد به للخلف مرددا باعتذار
اسف والله انا كان غرضي بس اسجي الحصان واتفاجأت……
غرضك ولا ماغرضك ما يخصنيش
قاطعته بها بحدة لتتحرك وتتخطاه ذاهبة نحو وجهتها فتركزت ابصاره تتبعها وهي تغمغم بحنق يحق لها
واجف زي التيس سادد الطريج في وشي جال ويندهلي بإسمي وعايز يشرح ويحكي جلة حيا.
تيس .
تمتم بها بخجل من نفسه يعطيها الحق في سبته وشتمه ايضا فهذا الفعل لم يكن ابدا من اخلاقه ولكن….
توقف فجأة وتوسعت عينيه باستدارك لباقي عبارتها مرددا
ليلى واسمها ليلى كمان!
تابعها بعيناه وهي تختفي من أمامه ذاهبة نحو وجهتها وشيء ما داخله يحثه على الذهاب خلفها ولكنه يخشى رد فعلها بعد نعته منذ قليل بالتيس ربما المرة القادمة يتحول السباب إلى عرض مجاني للجمهور من اهل البلدة ولكن لما هذا الخفقان القوي من ذلك الصغير بصدره كيف لطيف امرأة ان يفعل الأفاعيل برجل مثله وهو الذي يتخذ الاخلاق الكريمة منهجه ويغض البصر عن جميع النساء إلا عن هذه الفتاة وكأنها طاقة من السحر قد أسر داخلها
صهل الحصان بقوة ليفيقه من غمرة الشرود الذي لفه لينتفض مستدركا حجم جرمه معبرا له عن اسفه
وه دا انا نسيت ان احنا جايين هنا ليه سامحني يا عزوز دلوك اخليك تشرب وترتوي.
قالها ليقوم بسحبه باتجاه المجرى ينفض رأسه من أفكارها الحمقاء مغمغا بحديث نفسه فور أن انقض فرسه على الماء يرتشف منه بعطش
دا انت شكلك عطشان جوي يا جزين معلش بجى اعذر صاحبك المرة دي واوعدك ان مش هتكرر تأتي احنا من امتى اصلا بنبص على الحريم ودول ميجيش من وراهم غير الهم و………..
قطع جملته فور أن وقعت عينيه على ذلك الشيء أسفل قدميه ذلك المتلصق بالأرض الطينية المبتلة دنا يرفعه إليه يستكشفه وقد بدأ واضحا في كفه اسورة نسائية قديمة من الذهب المثقل صغيرة الحجم لكنها رائعة التصميم بها نقش صغير جدا لكلمة لا بل……..
ارتسمت فجأة ابتسامة كبيرة بثغره مغمغما بالأسم الذي استكشفه بعد تأمل دقيق
ليلى! يعني كمان زيادة تأكيد بأسمها هي ايه حكايتك معايا بالظبط يا ست ليلى
عاد إلى المنزل بعد انتهاء جولته داخل البلدة بتلك الخاتمة الغريبة والتي مازالت عالقة بذهنه حتى الآن يده تتحسس الاسورة داخل جيب جلبابه كل دقيقة وعقله يشرد بصاحبة العيون الجميلة والجدائل الغجرية المتمردة حتى انفعالها به ونعتها بالتيس.
وه دا الشيخ معاذ وصل اخيرا كمان يا ولاد سقفولوا انه ما بيتش في الزرعة ولا هو راكب ع الحصان.
صدرت الكلمات من والدته التي كانت تجلس بصحن الدار تستقبله بسخريتها مما جعله يبتسم مقابلا تهكمها بالضحكات مشاركا مرح الاطفال الذين التفو حوله بالتهليل وكأنها قالت مزحة اسعدتهم
الله يجازيكي يامة وصلت كمان للنومة ع الحصان
قالها يقبل الأطفال قبل ان يصرفهم بلطف ويحل محلهم جوارها مشاكسا
ست الحبايب شكلها رايقة وعندها غاية تتمقلت عليا .
مصمصمت حسنية بشيء من الضيق
لا يا غالي مش بتمقلت بس انت حالك صح ما يعجبش حد خلصت كليتك وفضيت للسرمحة طب حتى فضي وقت لأمك ولا الجعدة مع اخواتك طول اليوم يا مع صحابك يا ع الحصان بتلف ع البلد.
قابل معاذ انتقادها بروية ولطف يهادنها
مع ان الكلام في شوية من المبالغة لكن ماشي يا ست الكل انا يمكن صح مجصر معاكم من ساعة ما خدت الاجازة بس انتي لازم تعذريني ياما انا بجالي شهور في الدراسة وحرق الدم ما صدقت ارجع البلد وانسى أسيوط والجامعة والدنيا كلها لأجل ما اعيشلي يومين وانطلق على حصاني زي ما بتقولي ولا مع اصحابي المهم اصفي عقلي من المسؤوليات ما هي اصلا جاية جاية فيها ايه بجى لما اعيش الاجازة بكيفي.
امممم
زامت حسنية بفمها تدعي تفهما ثم تتابع ويدها تتلاعب بحبات المسبحة التي لا تتركها إلا للضرورة
وعلى كدة بجى اجازتك دي هتطول ولا ناوي تجصر وتفضى للكلام اللي فتحناه قبل سابق.
سألها بعدم تركيز
كلام ايه
الموضوع اياه
اي موضوع ياما انا مش فاكر والله
موضوع الجواز يخرب مطنك خلاص مخك جفل ضبة ومفتاح عن الفهم.
قالتها بعصبية جعلته ينفجر من الضحك حتى استفزها لينعقد حاجبيها بضجر واضح مما أجبره على التوقف لينهض من جوارها منهيا النقاش من اوله قبل أن تبدأ في الضغط على عاطفته كي يزعن لرغبتها وينفذ ما تأمره به في أمر يخصه وحده ولا يحق لأحد التدخل في اختياره
ربنا يسهل يا ست الكل ويعدلها من عنده.
تبعته سائلة وهي تتابعه
بعيناها ينصرف من أمامها نحو الدرج يصعده بخطوات متسرعة
يعني ايه مفهمتش كدة جصدك ايوة ولا لاه
لا ايوة ولا لاه انا عايز اروح انام ياما انااااام
شوف يا اخويا الواد
غمغمت بها تمصمص بشفتيها مرة اخرى
الجزء الثاني
فلم يريحها بالهروب كعادته لتفاجأ بمن سقطت بثقلها على الاريكة تجاورها وقد كانت زوجة ابنها الأوسط خليفة تسألها بفضول
ها يا عمتي خلاص وافق على اسراء يخطبها ولا برضك اجل زي المرة اللي فاتت.
اجابتها بثقة نابعة من شخصيتها القوية
حتى لو هرب زي كل مرة برضو هيرضى ويوافق في الاخر انا محدش من عيالي طلع عن طوعي وطلع كسبان يا هالة.
تبسمت الأخيرة لتضيف على قولها بتأكيد
ايوة طبعا ما هو جدامه حمزة خير دليل لما جرب وطلع عن العيلة في الآخر بجى عايش مع ولده لوحده بعد ما طلق بنت البندر ايوة أمال ايه احنا بناتنا يشهد على جمالهم الكفر كله وإسراء اختي احلى البنات كلها كمان.
…يتبع
الفصل الثاني
بنشاط اعتادت عليه استيقظت مبكرا تسقي أشجار التين والعنب وبعض الخضروات الموسمية التي زرعتها حذيثا في تلك الحديقة الصغيرة التي تعتبرها جنتها ومتنفسها بعيدا عن ذلك المنزل الخانق الذي لا يربطها به سوى ابنتها حبيبتها هي التي تضع عليها الآمال وتتحمل من أجلها كل شيء عرفان القاسي وضرتها الماكرة صاحبة سجل طويل من المؤامرات التي حاكتها لها من وقت ان وطأت اقدامها ذلك المنزل
اغلقت صنبور المياه تطوي خرطوم الري حتى تضعه في جانب أسفل إحدى الشجيرات ثم تناولت حزمتي البقدونس والجرير التي قطعتهم من الأرض قبل أن تسقيها لتدخل بهم المنزل تستنشق رائحتهم القوية داخل صدرها فتزداد انتعاشا
وضعتهم على مائدة السفرة الفارغة في هذا الوقت والتي تتوسط المدخل متجهة إلى غرفة ابنتها تنوي ايقاظها وكانت المفاجأة حينما وجدتها جالسة على جانب الفراش بوضع لم تعتاد عليه ابدا منها
وه من الساعة سبعة الصبح الأميرة ليلى صاحية يا ولاد دي مبتحصلش حتى في عز امتحاناتها
ابتسامة خفيفة ارتسمت بثغر ليلى تجاري والدتها المزاح حتى تخفي توترها
واهي حصلت يا ست الكل تفرحي ببتك بجى ولا تحرضيني عشان ارجع انام تاني انا على تكة اصلا
لا يا ختي وعلى ايه جومي ياللا اغلسي وشك وصلي عبال ما احضر انا الفطار خلينا ناخد اليوم من اوله ياللا جومي
قالتها وما ان همت بالخروج حتى اوقفتها ليلى بالنداء
ما انا كنت عايزة اروح بيت جدي النهاردة
قطبت مزيونة تسألها
تروحي ليه ما انتي كنتي امبارح هناك
بابتسامة اجادتها ردت ليلى
ما انااا شكلي نسيت اغير مية الشرب من قدام الحمام معرفش عقلي كان فين راعيت انضف العشش تحتيهم ونسيت ان الميا نفسها كانت معكرة
طقطقت مزيونة بفمها صوت استياءا تستنكر فعلها
وه معكرة يا ليلى وسبتيها حرام عليكي يا بتي دي بجالها اسبوع اصلا انتي تخلصي فطار وتخطفي رجلك عليهم وتاجي بسرعة مش عايزة كلام وحديت من مرة ابوكي
عبست ليلى رغم راحتها بموافقة والدتها للخروج لتغمغم في أثرها فور أن تحركت ذاهبة من أمامها
ضربة في كرشها مالها هي اطلع ولا ادخل كانت ابويا ولا كانت امي
تكون زي ما تكون مش عايزين رط ولا وجع دماغ يا ليلى
تمتمت بالكلمات مزيونة من خارج الغرفة لتصل إلى ابنتها القلقلة من الأساس لتتذكر تلك الاسورة التي كانت تزين رسغ يدها منذ الأمس ولكنها استيقظت مبكرا على اختفائها بعدما غفلت عن الانتباه ولم تدرى متى فقدتها لينتفض عقلها من ثباته ويجعلها تعي على هفوتها في وقت راحتها فتحدث نفسها الان بحيرة
يا ترى راحت فين بس يا ربي انا مش كد زعل امي دي أغلى هدية جابتهالها في عز حوجتها
في منزل حماد القناوي
كانت الأسرة مجتمعة بأكملها تقريبا على مائدة الطعام في تناول وجبة الإفطار تترأس الطاولة الحاجة حسنية وبجوارها من الناحية اليمنى حمزة ابنها الأكبر ومن الناحية الأخرى خليفة ابنها الأوسط وزوجته ثم باقي المقاعد للاطفال من ابناءهم او أبناء شقيقاتهم
فلا ينقصها إلا الابن الأصغر معاذ وقد اعتاد الجميع غيابه نظرا لظروف سفره الدائمة في الدراسة او تأخره في النوم ايضا لكنه اليوم فاجأهم بحضوره على غير العادة مما اجبر الجميع للتوقف عن الطعام والتطلع إليه فور أن طل أمامهم بهيئته المتأنقة ليقابل فعلهم بالضحكات ساخرا
ايه يا جدعان في ايه شوفتو حاجة غرببة
ما غريب إلا الشيطان هما بس متفاجئين يا غالي دي من مدة طويلة معملتهاش وجومت فطرت معانا ولا يكونش معاك مشوار
كان هذا الرد من حمزة لتضيف عليه حسنية
لا هو اكيد معاه مشوار مش شايفه لابس الحتة اللي ع الحبل
تدخل خليفة ايضا يشاركهم الترجيح
اه والله ياما مش محتاجة فراسة المهم بجى السؤال مشوار ايه ده بالظبط اللي صاحيله بدري ولابسله الجلبية
تمتم معاذ يقترب من الطعام فيتناول بعض اللقيمات واقفا دون ان يجلس كالبقية
وه يا خليفة حتى انت كمان بتسأل هي النضافة والنشاط كانوا حاجة جديدة عليا يعني ولا ايه بس يا جدعان دا العادي بتاعي على فكرة دا انتو كمان ماشوفتونيش في السكن الجامعي بطبخ وبنشر واكوي هدومي مع الزملاء دول يفضحوني لو ما كنتش ايدي في ايدهم ايوة أمال ايه ما هو هناك محدش احسن من حد
كان يردف كلماته بتقطع نظرا لامتلاء فمه مما أجبر حمزة ان يزجره صائحا
طب كل لجمتك وانت جاعد متخليش العيال تقلدك يا معاذ
سمع منه لينفص كفيه منهيا طعامه
لا خلاص يا عم لا يقلدوني ولا اقلدهم انا اساسا شبعت ويدوب اللحق مشواري مع اصحابي عن اذنكم
هم ان يذهب وفور أن تحركت قدميه ليستدير صاحت به حسنية
طب مش هتقول رايح فين الأول يا واد
ياما بجولك مشوار مع اصحابي سلام بجى
تمتم كلماته متوجها نحو الخروج دون انتظار لتغمغم في أثره هاله هامسة لزوجها بصوت بالكاد يصل لأذنه
يا خوفي ليكون المشوار ده وراه حريم
توقف خليفة عن مضغ طعامه والتفت رأسه نحوها بعبوس يأمرها بصوت خفيض هو الاخر
حطي همك في وكلك يا هالة وبلاش تشغلي مخك بحد كلي ووكلي عيالك ربنا يهديكي
بقطعة قماش كانت مزيونة تمر على الأثاث تمسحه وتنظفه من الأوساخ فداء النظافة مستفحل بها لأقصى درجة
مرت على الصالون ومائدة السفرة فلم يتبقى سوى المرآة والتي كانت تضغط عليها بدقة رغم نظافتها من الأساس حتى اضاءت بلمعة اسعدتها جعلتها تتبسم براحة وهي تطالع الصورة بها فانتبهت على انعكاس وجهها به فخبئت ابتسامتها
تتذكر ملامحها التي قاربت على نسيانها من كثرة الأهمال وكأنها تنظر إلى مرأة لا تعلمها وجه اهلكته الهموم وسرقت منه حيويته امرأة بائسة وليست تلك المدللة كما كانت في بيت ابيها قديما والتي كانت ممتلئة حياتها بالمرح واحلام الفتيات الوردية في العيش مع فارس الاحلام وحياة سعيدة بعد ان حرم عليها حلم اكمال تعليمها بحكم العادات القديمة المتحكمة في القرية بزواج الفتيات صغيرات وترك التعليم
نظرت جيدا لوجهها الباهت من كل مظاهر الحياة فهى دائما ماتبدوا حزينة وذلك لما عاشته ورأته فى حياتها بعد تلك الحادثة في ولادة ابنتها التي افقدتها الجزء القاسم في أنوثتها حتى جعلها ناقصة امام زوجها القاسي والذي لم يحتمل او يصطبر عليها فأتى بالزوجة الثانية لكي تذيقها الامرين
متسلطة وخبيثة ومع انحياز عرفان لها كانت تفعل كل شيء من اجل كسرها حتى اطفأتها من الداخل
وافقدها ثقتها بنفسها فكلما حدثت مواجهة او شجار بينهما يتحول لصالحها مهما كانت مخطئة مدامت تجد دائما من يساندها وأن اعترضت هي او اشتكت تعاير بذلك الشيء الذي انقصها عن جميع النساء
مسحت مزيونة دمعتها الغادرة بعدما أتت برأسها كل الذكريات السيئة لتبتعد بوجهها عن المرآة تلك التي جلبت عليها المواجع بمجرد ان نظرت بها ورأت وجهها الذي كان يتغنى بجماله معظم من يعرفها
ألقت بالقماشة ارضا تهم الذهاب إلى الحمام
وغسل وجهها يا ليتها تغسل همومها ايضا
بحثت في منزل جدها وفي اعشاش الحمام وفي كل ركن حتى أصابها التعب دون فائدة لتواصل رحلتها حتى مكان المجرى المائي تنظر اسفله وحوله ف جميع الاتجاهات محدثة نفسها
راح فين دا بس راح فين يا ربي
بتدوري على حاجة يا آنسة
اتاها الصوت الرجولي من خلفها تلتف إليه مجفلة ولكن وفور وقعت عينيها عليه عبست ملامحها في الرد عليه دون اهتمام
وانت مالك باللي بدور عليه خليك في حالك
حتى لو كان معايا اللي تايه عنك
التفت تطالعه بانتباه امتزج بريبة تسأله
جصدك ايه انت تعرف انا بدور على ايه
لم تكد تنهي سؤالها حتى وجدته يرفع الأسورة نصب عينيها لتشهق بلهفة متوجهه نحوه لكن وفور أن اقتربت منه رفع الاسورة للأعلى بعيدا عن متناول يدها فبرقت عينيها بغضب نحوه
انت هتهزر معايا إياك اديني اسورتي يا جدع انت
لا والله ما بهزر انا بس عايز اتأكد هي بتاعتك ولا لاه اصل يعني حضرتك جاية تسحبيها كدة من غير كلام طب انا إيش ضمني انها تخصك
خرجت منه الكلمات بمشاكسة لها رغم الذهول العجيب الذي أصابه وهو يرى مزيجا من الشراسة والفتنة جريئة وبرية لا تهاب احد حتى وهي في منطقة خالية الان ولا يوجد معها سوى رجل غريب عنها
وعايزيني اثبتلك كيف ان شاءالله ما انت شوفتني بنفسك وانا هنا امبارح وبغسل وشي يعني اكيد لما جيت ورايا لجيتها بدليل انك جاي النهاردة تجولي عليها
رفع كف يده امامها ملوحا
ودا يثبتلك اني راجل امين وبدور على صاحبة الاسورة لكن دا مش معناه اني على يقين أنها بتاعتك
حضرتك دي اول مرة اشوفك هو انا اعرفك بت مين انتي اساسا
باستنكار احتل محياها تربعت بذراعيها تردد بسخرية
شوف ازاي يعني جنابك عايزني اجيبلك اسمي واسم اهلي كمان عشان تديني حاجتي
تبسم يميل برقبته نحوها قائلا
اجل ما فيها مش يمكن لما اعرف اسم ابوكي اعرفه من عيلة مين وان هو كان راجل صالح ولا غير صالح وبناءا عليه احدد تربية بنته
إلى هنا والتهبت عينيها ببريق خطر تهدر به
اسمع اما اجولك انا متربية احسن من مية زيك واسورتي مش محتاجة إثبات لأنها بتاعتي ومعمولة مخصوص عشاني يعني مفيش غيرها اساسا
ولو روحت لأي صايغ هيقولك مش من عندي الا عملناها عنده هيخبرك انها بتاع فلانة الفلانية ومكتوب عليها اسمي كمان ليلى
تبسم باتساع حينما تفوهت بإسمها الذي علمه منذ الأمس بالقرائن ليقبض عليه داخل كفه معقبا على قولها
ياااه لدرجادي انتي اهلك اغنيا يا ليلى عشان يتعملك دهب مخصوص
رفعت اليه ذقنها بعزة لتتحدث عن شيء يزيدها فخرا كلما ذكرته
انا ابويا غني صح بس مش لدرجة يعملي دهب مخصوص عشان مخلف غيري لكن عندي ام تعملي النجوم في عقد لو طالت وتبقى أسد لو حد بس هوب ناحيتي بنص سنتي زي ما هتعمل معاك لما اجولها انك سارق اسورتي
قالت الأخيرة بتهديد ووعيد توهجت به عينيها الجميله أمامه بشر أثار بقلبه مرحا جعله يطلق ضحكة مدوية
انتي مفترية جوي يا ليلى يعني مش كفاية لسانك طويل وبتشتمي على الفاضي والمليان كمان عندك ضمير ميت تتهميني تهمة كبيرة زي دي عشان بس عايز اتأكد انها بتاعتك
انا بس بقول كدة عشان اثبتبتلك اني حاجتي هاخدها يعني هاخدها يعني الأحسن تديهاني بالزوق
يعجبه هذا التحدي بلهجتها كما يعجبه لغة الاعتزاز بنفسها وبوالدتها اخلاقه تأمره ان يعطيها اسورتها ولكن قلبه يمنعه ويجبره على المجادلة معها واقتناص الحجج من اجل بقاءها اكثر امام عينيه
والله يا آنسة ليلى انا مش ممانع اديهالك يعني مفيش داعي للتهديد بس بما انك دخلتيني في السكة دي ممكن تفهميني هتعمليها ازاي لو انا مشيت دلوك بالاسورة وركبت الحصان على بيتنا انتي تعرفي اصلا انا واد مين عشان تبعتي ورايا اللي يهددني ولا يشكمني
تلبكت لوهله تتخيل لو فعلها بحق وذهب بالاسورة هذا الرجل مين أين لها أن تأتي به وهي لا تعرفه من الأساس اءن فالتخفف من حدتها
انت مصمم تكبر الموضوع ما تحط الاسورة جدام عينك وشوف الاسم المحفور داخلها هكدب عليك ليه انا
اممم عندك حق
تمتم بها بلؤم ليرفع الاسورة امام عينيه يدعي البحث عن الاسم بالفعل رغم حفظه لكل نقوش الاسورة التي ظل ساهرا عليها طوال الليل
ليلى ليلى ل ايه ده
صدرت الأخيرة منه بإجفال ناظرا نحوها بعدما باغتته بخطفها من بين انامله لا يعلم كيف فعلتها بهذه الفرق الشاسع بينها وبينه في الطول ولكن لما العجب فالقطة الشرسة قادرة على فعل كل شيء
حضرتك الحركة دي مش حلوة خالص انك تخطفيها من ايدي كان لازم تديني فرصتي عشان اتأكد
قبضت على الاسورة داخل كفها بانتصار تخاطبه بتحدي
حلوة ولا عفشة ميهمنيش عشان انا خدت حقي ولا انت لسة شاكك انها تخصني تقدر تسأل عني زين انا بنت عرفان الاشقر أسأل عن عيلة الأشقر ولا عيلة الاحرار عيلة امي مزيونة الحرة وابجى اشتكي براحتك عشان تبقى جيبت لنفسك الكلام
ختمت كلماتها وتحركت مغادرة من أمامه لتتبعها عينيه بسعادة غامرة بعد أن نال الحظ بالحديث معها ومشاكستها ثم الختام بمعرفة هويتها ولقب عائلتها منها لقد وفرت عليه نصف الطريق
بأنفاس لاهثة عادت ليلى الى المنزل قابضة داخل كفها على الاسورة العزيزة التي وجدتها مع ذلك الشاب الغريب لتنقذ الذكرى الأجمل لها مع والدتها تلك التي تدفعها دائما للتقدم وهي قد أقسمت الا تخيب رجاءها
ارتدتها مرة اخرى تزين رسغها قبل أن تنادي والدتها بثقة
امي انا جيت انتي فين
جاءها الصوت من مسافة بعيد إلى حد ما بداخل الفناء الخلفي للمنزل
انا هنا بوكل الطير يا ليلى دقايق ورجعالك
همت ان تتحرك متوجهة نحوها ولكن منعها جرس المنزل الذى دوى فجأة يرافقه بعض الأصوات الانثوية وكأنه حديث بين عدد من النساء لتفاجأ ليلى فور أن قامت بفتح الباب بتلك الملعونة زوجة ابيها تقف امامها ومعها امرأتان لا تعلمهم ولم يسبق لها ان رأتهم سابقا يحدقن بها متفحصات بأعين متربصة كالصقور من راسها الى اخمص قدميها ابتسمت صفا ابتسامة كبيرة بعرض وجهها الممتلئ وموده غير معهوده
ازيك ياحبيبة جلبي عاملة ايه النهاردرة
بشيء من الذهول ردت تجيبها بضيق لا تخفيه
اهلا انا زينة والحمد لله هو انت عايزة حاجة
تجاهلت صفا تصطنع الابتسام امامها
طب سلمي يا حبيبتي الأول على الناس الضيوف ولا انت هتتكسفي منهم
رغم عدم ارتياحها من الأمر تقدمت ليلى نحو احداهن
تمد كفها للمصافحة بارتياب فجذبتها المرأة الأولى تقبلها في وجنتيها عنوة حتى اثارت امتعاضها وهي تردد
اهلا يا حبيبتى ما شاء
الله عليكي اسم النبي حارسك وصاينك
قالتها المراة المتشبثة بليلى والتي فور ان نزعت نفسها عنها بصعوبة وجدت الآخرى تجذبها ايضا لتفعل نفس الشئ بشكل زاد
من استيائها خصوصا وهي تشعر بيد المراة على اضلعها وكأنها تتبين حجم الدهون بها تراجعت عنهم بخوف وهي لا تدري ما سر انقباض قلبها منهم ومن هذه الزيارة الغريبة
بقلب وجل تراجعت للداخل حتى تناست الاصول وواجب الضيافة تريد الهروب او الذهاب بعيدا عن أعين هاتان المراتان المريبتان ومعهما صفا التي لم تكن زياتها ابدا تبشر بالخير ولكنها فاجائتها مرة اخرى تتقدم ساحبة النساء داخل المنزل خلفها وهي تسألها بابتسامتها السمجة والمزعجة
شوفليلنا امك يا نور عيني تاجي تسلم على الحبايب
نور عيني! ودا من امتى ان شاء الله
رددت بالكلمات داخلها تستهجن الوصف الغريب من فم امرأة مثلها ثم تمالكت تجيبها بفظاظة تقصدها
امي جاعدة جوت بتأكل الطيور هو انتوا عايزين حاجة
للمرة الثانية استطاعت صفا كبح غيظها من ليلى وقصدها الواضح في احراجها لتصدر ضحكتها المائعة وهي تزيحها من امامها بخفة
لتواصل التقدم الى داخل غرفة الضيافة وتدعو النساء وكأنها صاحبة المنزل للدخول وهي تقول بتفكه بغير محله
طب استني لما ندخل ونستربح الاول انا والضيوف وبعدها اتكلمي واسالي يخرب مطنك يا ليلى
عبست الأخيرة بضيق متعاظم وهي تجدها تجلس
على كنب الصالون لتجبر على اتباعهم قائلة
طب انا هادخل جوا اروح اندها
خرج صوت المراة الاولى يوقفها
لا استنى عندك يا حلوة وتعالي اجعدي هنا جمبي شوية
توسعت ابصار ليلى نحو المرأة التي تشير بيدها كي تجلس بجوارها على الاربكة الاثيرة للصالون فهمت لتعترض ولكن صفا احرجتها بقولها
يا حبيبتي واجفة ليه خالتك عايدة مش غريبة دي تبجى بت عم ابوكي ومن عيلته يعني تقوليلها يا عمة يعني جوزها مش بس شريك ابوكي لا دا كمان جريبه
أكملت المرأة بتشجيع
عمتها طبعا امال ايه تعالي يا بنيتي تعالي
لم تنصاع ليلى لمطلبها ولكنها اضطرت للجلوس على كرسي بعيد ما عنها تتحاشى النظر نحو تلك المرأة التي تمشطها بغير توقف وهي تسألها
على كدة انت عندك كام سنة يا قمر انتي
قطبت مستنكرة السؤال ولكن صفا تولت الرد
عندها ١٧ سنة وشهرين يعني عشر اتشهر شاء الله وتكمل ١٨
نقلت المراة رأسها نحو المرأة الاخرى لتتبادل معها بنظرة رضا فتردف بلهجة غامضة
عال عال دا عز الطلب
رددت خلفها ليلى
هو ايه اللي عز الطلب
ردت المرأة بابتسامة فقالت صفا بملاوعة
عمتك ام همام قصدها انك صغيرة وحلوة ودا احلى سن
هو ايه اللي احلى سن
قالتها مزيونة التي اتت فجأة من الداخل لتتنفس ليلى الصعداء لمجرد رؤيتها حتى تتمكن من الهروب من هذا الحصار الخانق حولها نهضت المرأتان لاستقبالها ومعهم صفا التي ردت
تعالي يا ام ليلى سلمي على ضيوفك اللي جولك النهاردة مخصوص يتعرفوا عليكي
قطبت مزيونة حاحبيها بحيرة وهي تتقدم نحوهما لتتولى الترحيب بالضيفات فقبلتها الأولى بمودة
يا اهلا يا غالية من بدري ماحد شافك والله وليكي وحشة
بادلتها الرد بروتينية كما يحدث في هذه المواقف وكما فعلت مع الأخرى لتدعوهم للجلوس قبل أن تتوجه لابنتها بنظرة محذرة وهي تدعوها للذهاب
جاعدة ليه وسطيهم يا بت مش تعملي حاجة تضايفيهم بيها
سمعت منها ليلى لتنهض بلهفة وكأن امر والدته قد أتى اليها نجدة
حالا ياما هاقوم اعملهم حاجة يشربوها او حتى ياكلوها ونهضت مهرولة رغم سماعها لاعتراض المدعوة عايدة
ماتسيبها يا مزيونة تقعد وسطينا هو احنا اغراب عشان تضايفنا
ردت تجيب المرأة بدبلوماسية
وماله يا حبيبتي حتى لو كنتوا اصحاب بيت برضك الاصول اصول ولا إيه
قالت الاخيرة مخاطبة الأخرى ايضا حتى وافقتها بحرج متجاهلة صفا التي كانت تجز على اسنانها من غرور تلك المزيونة وجلستها بين النساء مرفوعة الرأس والهامة رغم كل ماتفعله هي بيها كي ترى منها ولو مرة واحدة نظرة انهزام او تحسر ترضيها من الداخل
استمرت جلسة النساء مع مزيونة وهن يحادثنها بمودة وكأنهن يعرفنها منذ فترة طويلة وهي تجاريهن في الحديث بكل زوق وترحاب رغم تعجبها لتلك الزيار الغريبة وهذا الود المبالغ فيه من المرأتين التي كانت بالكاد تعرفهم وتلك المتلونة تتحدث معها بلطف مفاجيء وكأنها حبيبة وليست افعى في هيئة أنثى
اذن ما سر تلك الزيارة فهي لم يحدث ابدا ان وطدت علاقتها بهما طوال فترة زواجها وشراكة المدعو عيسوى او ابنه همام و اللعنة كيف نست ان تلك المرأة تبحث لابنها عن عروس كما سمعت من إحدى النساء
داخل غرفة مكتبه في المنزل
وقد كان منكفئا على إحدى الملفات يراجعها بدقة وتركيز حتى انه لم يشعر بدلوف والدته اليه فجاء التنبيه منها هي
شكل البيه بتاعنا مشغول جوي النهاردة وياعالم هيرضى يسمعنا ولا لاه
انتفض على الفور يتلقفها يالترحاب مستنكرا
وه يا حجة حسنية هو احنا نطول اصلا تشريفك اوضة المكتب دا اصلا حاجة كبيرة دا احنا زارنا النبي يا ولاده
وووه بطل بكش يا واد
غمغمت بها تدفعه بقبضتها بكتفه مستهجنة المبالغة رغم غبطتها بالتفخيم الذي يغمرها به وقد تناولت يده كفها تسحبها للجلوس على الكرسي المقابل له بإجلال مرددا
ماسمهوش بكش يا حجة اسمه إعطاء حق دا انتي البرنسيسة بتاعتنا والكلام ده كله قليل عليكي
جلس يشاهد تأثير الكلمات على بشرتها التي طفح بها اللون الوردي يرافق ابتسامة السعادة لإطراءه رغم استنكارها
يا واد كفاية عاد برنسيسة ايه وكلام فاضي ايه خف الجلع والمسخرة عشان اعرف اكلمك
وعلى عكس ما طلبت زاد من جرعة المشاكسة
جلع ايه بس يا حجة يا حلوة انتي هو انا لحقت اجول كلمتين بس عشان وشك يورد كدة ولا بت ١٧ قلبه جامد الحج حماد انه سابك والله
اخجلها بحق حتى لوحت بقبضتها والمسبحة به حتى يكف تكتم بصعوبة ابتسامتها مما جعله يضحك بملء فمه حتى توقف اخيرا يردف بجدية
وه يا حجة يا حسنية لو الاقي بس واحدة زيك
تحولت هي أيضا تتذكر السبب في مجيئها اليه لتردف بشيء من الحدة
وهو اللي خلق امك مخلقش غيرها ولا احسن منها كمان انت بس أنوي يا ولدي ولا ادي لنفسك فرصة وانا من بكرة اجيبلك احلى البنتة ان شالله حتى بت خمس اتاشر
عبست ملامحه بضيق حينما سمع الأخيرة مرددا
خمس اتاشر ياما! واحد داخل على الاربعين زيي ياخدها بت خمس اتاشر ليه هربيها مع ولدي
فغرت حسنية فمها للمجادلة ولكنه أوقف المحاولة من البداية
اااا مجولتيش يا ست الكل عن سبب الزيارة الاساسي لغرفة مكتبي المتواضعة
زفرت حسنية انفاسا مشحونة بغيظها فها هو كالعادة يغلق الطريق عليها حتى لا يستجيب لطلبها وكأن أمره لا يعنيها ولكن لا بأس هي خلفه حتى يرضخ ويصلح خطأه الأول في عدم طاعتها
ماشي يا حمزة هعمل نفسي مش واخدة بالي واطنش عشان مزعلش منك يا ولد بطني على العموم انا كنت دخلالك اساسا عشان المشجلب التاني اخوك الصغير اللي شكله هو كمان عايز يقلدك بس انا لا يمكن
اسمح انه
يكرر الغلط
غلط ايه ياما اللي لا يمكن يتكرر وماله معاذ اصلا عشان يبقى مشجلب
تمتم حمزة بالكلمات معبرا عن استياءه من طريقتها وقد علم بما ترنو إليه دون جهد ليأتي ردها بتأكيد ظنه
يعني انت عايز تفهمني انك مش واخد بالك من ساعة ما خلص اجازته وانا لساني اتدلدل عليه عشان يتكلم على بت عمه هيستنى ايه تاني لما تتخطب بقى وتروح للغريب
عض على باطن خده من الداخل يكتم غيظه فهو الادرى بغضبها الآن وثورتها التي سوف تقوم به ان اعترض او عبر عن رفضه وقد تضعه محل اتهام في تشجيع الفتى على العصيان
طب انا إيه دخلي يا حجة اذا كنتي بنفسك كلمتيه ومردش بيتشجلب بقى ولا يستهبل انا راجل ملهي في شغلي ورعاية ولدي معرفش ألامور الشخصية دي يا أمي
ردت حسنية بابتسامة ماكرة احتلت محياها حتى اظهرت زوج الأسنان الفضية في الصف الامام في الجانب الايسر من ثغرها
لا ما انا عايزاك تقعنه يا غالي
لم يكن اقل مكرا منها في استجابة فورية يبادلها بابتسامة شقت فمه من الإذن إلى الإذن الأخرى حتى يتجنب غضبها
عيوني هكلمه واعمل اللي عليه وانصحه عشان ميغلطش غلطتي ويسيب بت عمه اللي رباها على يده ليكي طلب تاني يا حجة حسنية
غمرها رضاء تام تجيبه متلاعبة بالمسبحة بين اناملها
لا عين الحجة حسنية قلبي وربي راضين عنك يا ولدي
عودة إلى منزل عرفان
وقد عاد إلى المنزل متأخرا من اعماله بالقرب من الساعة العاشرة مساءا بهيئته الضخمة يدلف حاملا العديد من أكياس الطعام المعلب والفاكهة والحلوى وغيرها من الأشياء التي لا يبخل بها عن نفسه ولا عن زوجته الأخرى المطيعة التي ترضيه عكس مزيونة والتي تفاجأ بها اليوم جالسة في ردهة الاستقبال تبدو وكأنها في انتظاره مما أثار داخله التسلية والسخرية التي عبر عنها قائلا
مفوتة ميعاد نومك ومجمعزة جصاد الباب لا تكوني مستنياني يا غالية!
اعتدلت بجلستها تجيبه ساخرة بابتسامة باهتة خالية من الحياة
نبيه طول عمرك يا عرفان انا فعلا جاعدة مستنياك عشان عايزة اتكلم معاك
ضحك بتحشرج يسند الأكياس على إحدى الارائك الخشبية يخرج من أحدها ثمرة تفاحة يقضم منها بشراهة وعيناه تشملها بنظراته الوقحة قائلا بفجاجة
طب واللي تسهر وتستنى جوزها مش برضك كان واجب تجهزلوا نفسها بهدمة حلوة ولا قميص يبين المخفي عنه بجاله سنين تحت التوب الأسود اللي مش جلعاه ده
تجمدت ملامحها بغضب واضح تهدر به
بلاش التريقة على اخر الليل يا عرفان انا عايزاك في موضوع يخص الناس اللي جم البيت النهاردة عايزة اعرف مرتك جابت حريم بيت العيسوي على بيتي ليه
سمع منها ليقضم من التفاحة هذه المرة بغيظ قبل أن يلقيها جانبا يردد خلفها
مقلتة! بجى المرة لما تجهز لجوزها خلتيها مقلتة ماشي يا محروسة انا فعلا بتمسخر لا تكوني فكرتيني حنيت ولا حاجة وعن حريم بيت العيسوي دول يجيوا في اي وجت اساسا ولا انتي نسيتي انهم شركاتي في الشغل
لا متنستش يا عرفان بس ايه دخل الشغل بالبيت والحريم من امتى بتيجي على بيتنا انا شامة ريحة مش عجباني
ضحك يدنو نحو الأكياس ليرفعها اليه معقبا على قولها باستخفاف
شمي براحتك يا ستي ع العموم هما ناس نضيفة اصلا وريحتهم حلوة يعني القرب منهم زين مش عفش
اندفعت الدماء بعروقها فهي ليست بالغبية حتى لا تفهم من مراوغته في الحديث لتتصدر أمامه بجسدها تمتعه من الصعود هاتفه به
جيب من الاخر يا عرفان وقول ان مرتك الحرباية جايبة جوز الحريم تفرجهم على بتي لولدهم انا مش هبلة عشان مفهمش بتي مش للفرجة بتي هتتعلم يا عرفان ولا انت نسيت شرطي زمان
مرة اخرى يعود لضحكاته القميئة ولكنه هذه المرة باغتها على حين غرة حينما امتدت يده الحرة نحوها يقبض بأنامله القاسية على وجنتيها مقربا وجهها إليه قائلا بتهديد
لا منستش الشرط القديم يا أعز الناس ولا كمان نسيت الشرط التاني انك تعيشي في بيتي عشان تربي البت وبس لكن انتي بجى اللي معدتيش واخدة بالك زي ما بتك كبرت وبجت عروسة انتي كمان اتدورتي وراح عنك صفار الضعف اللي كان ماسك فيكي والعيا
نزل بعيناه سريعا نحو الأسفل ومفاتنها ليردف مبتلعا ريقه
ولا تكوني مفكرة اني لبس الأسود والهدوم الجديمة هيخبوا اللي ظاهر من تحت العباية
قطع مجفلا من فعلها حينما نفضت كفه عنها بعنف تبتعد عنه صائحة به
يدك دي متتمدش تاني عليا ولو غرضك ان تلحس وعودك الجديمة يبقى على مو,تي يا عرفان لا هتمنع بتي من تعليمها ولا هتقدر تلمس شعرة مني
وبدون انتظار رده اندفعت تدلف داخل منزلها الصغير تدلف داخلها لتحتمي به صافقة الباب امام وجهه بعنف ليهدر في اثرها بتوعد
على أساس انك هتقدري تمشي كلمتك عليا ولا حتة باب هيحميكي مني شكلك اشتجتي لشجاوة زمان يا مزيونة انا بجى على استعداد والأرض اللي معدتش تنفع للزرع بجت تنفع للدلع يا حلوة
وبعكس القوة التي كانت تدعيها امامه كاتت هي في الداخل ملتصقة بالباب ترتجف تترك لدموعها العنان بعدما ذكرها بأسوأ الذكريات تقسم الا تترك لابنتها نفس المصير والا يعاد الزمن مرتين
كان غافيا على فراش ابنه الوحيد يحتضنه بعدما قص عليه عدد من القصص واخذه الحديث معه جتى غاصا الاثنان في النوم كعادتهما منذ سنوات لينتفض الان على لكزات خفيفة يتلاقاها على كتف ذراعه وصوت خشن يهمس بجوار أذنه ليوقظه
حمزة حمزة حمممممزة جوم يا واد ابوي عااايزك
اييييه في حد يصحي حد كدة
تمتم بها يعتدل بجذعه متوجها نحو صاحب الصوت الذي ضحك له ببرود
اسف لو ازعجتك يا ابو ريان بس ممكن تصحى عشان عايزك
طالعه حمزة عاقد الحاجبين بضجر ثم تناول ساعته الموضوع فوق الكمود فيزداد غضبا نحوه
بجى جاي ع الساعة اتناشر في عز نومتي عشان تصحيني يا عديم الدم عشان عاوزني!
تبسم معاذ يجيبه برجاء
غصب عني يا واد ابوي ما انا بصراحة مجدرتش انام كان لازم لازم اكلمك عن طلبي الضروري وحياة غلاوة ريان تجوم وتسمعني
كان يود ان يلكمه حتى يطير له الصف الأمامي من أسنانه البيضاء والتي يتفاخر بها بابتساماته اللزحة في استعطافه ولكن حينما أتى الحلفان بابنه زفر بغيظ أشد لييعد الغطاء عن اقدامه فيضطر للنهوض متوعدا
قسما بالله ما يطلع طلب هايف ولا استظراف من جنابك لاكون مبيتك في المستشفى يا معاذ الليلة دي وما لك عندي دي
خرج معه حتى وصلا إلى شرفة المنزل في الناحية الخلفية حيث الهدوء وبعيدا عن ابصار الجميع مزعنا لرغبته حتى إذا جلس على الكرسي المقابل لكرسيه تمتم متوجها له بحنق
جر كلمتينك ومتحرقش كتير عشان انا على اخري
سحب معاذ شهيقا مطولا ثم اخرجه ليهديء به ذاته قبل أن يدخل في الموضوع مباشرة
انا عايز اتجوز
قطب
حمزة في البداية ثم سرعان ما استدرك
لتحتل الابتسامه ثغره معقبا بمناكفة وتلاعب
وعايزني اخد رأي بت عمك بنفسي ولا اكلم امك تجس النبض
عبس معاذ وقد استشف السخرية في لهجته ليباغته دون مواربة او انتظار
لا يا واد ابوي عايزك تجف جمبي ضد الجميع عشان انا اللي رايدها لا من العيلة ولا نعرفها اصلا انا عايز اتجوز اللي حاببها قلبي يا حمزة
الله
صدرت من الاخير كرد فعل فوري وقد التمس الجدية في قول شقيقه العنيد من الأساس وهو الاعلم بطبعه ليردف ساخرا
وطبعا عايزني اقنع امك بالنصيبة اللي مصحيني من عز نومتي عشانها يا غلبك يا حمزة
يتبع
بنات تصويت بقى وبين الفقرات عبروا عن
الفصل الثالث
اشراق الصباح ليوم جديد في قانون الحياة العادية هو بداية لأنشطة واحداث تتجدد بتجدد الوقت اما في قانون البعض هؤلاء الذين يحملون جروحا وندبات مازالت مفتوحة ولم تشفى بعد فهو يمثل لهم الخوف الخوف من تكرارها ان ينعاد ما حدث قديمة وتتجدد ذكريات سيئة مازالت عالقة بالذهن
خرجت ليلى من غرفتها بعد ان مر بها الوقت وتأخرت عن موعد استيقاظها الذي تتكفل به والدتها ولأول لم تفعل فكانت المفاجأة حينما وقعت عينيها عليها غافية أسفل باب البيت مائلة بجذعها بنصف جلسة ونصف نومة قد يفسر الوضع انها قد سهرت حتى غلبها النوم محلها ولكن المكان هو الاغرب على الإطلاق
خطت لتقترب منها وتتبادل معها الدور لأول مرة لتربت بخفة وحذر فتحاول ايقاظها
امي يا أمي يا ست مزيونة يا
ايه في ايه
صدرت منها الكلمات منتفضة بذعر ارتد على ابنتها التي تراجعت للخلف تحاول طمأنتها
مفيش حاجة ياما انا بس بصحيكي عشان لجيتك نايمة في الصالة
طالعتها مزيونة ببعض الاستيعاب ليعود إليها الوعي تدريجيا فتعتدل جالسة جيدا تزفر واضعة كفيها على وجهها بتعب انتبهت له ابنتها لتعقب
انتي نمتي هنا ازاي كدة غلط وضهرك يوجعك
لم تتفوه مزيونه بحرف واحد ردا عليها مما جعلها تتابع ببعض التفكه
والغريب انك ملجتيش في البيت كله غير المكان ده تحت الباب كنتي سهرانة على ايه بالظبط يا مزيونة دا التلفزيون نفسه مجفول
رفعت اليها ابصارها بغيظ فلا هي تجد ردا على اسئلتها ولا تطيق التفسير عن حالها امام احد من الأساس لتتحامل على الأم عظامها من النومة الغريبة وتنهض من مطرحها على الأرض الرخامية بعد ليلة طويلة مرت عليها من الأفكار السوداء وتفكيرها المضني عن مغزى حديث زوجها هل كان تخويفا منه لها او هو محض كلمات عابرة وسوف تذهب لحالها كما يذهب كل شيء لا تستوعب جديته وعقلها يرفض التصديق من الأساس
رايحة فين ياما
تمتمت بها ليلى بعفوية قابلتها مزيونه بحنق تجيبها على عجالة كي تهرب من سيل اسئلتها القادمة
رايحة اغسل وشي واشوف حالي ولا هبيت ليلتي واقضي نهاري كمان لازقة في الباب خلصي اتحركي انتي وروحي صلي الصبح على ما حضرتلك انا فطارك
٠
على مائدة السفرة التي كانت تجمعها بابنتها حيث تناول وجبة الفطور الذي لم تكن تشعر بمذاقه تلوك اللقيمات دون شهية وابنتها الغافلة عما أصابها كانت تتحدث وتسهب عن كل شيء وأي شيء
البت هدى صاحبتي بلغتني انها حجزت عند استاذ سيد مدرس الانجليزي قولتلها احجزيلي معاكي قالتلي لا لازم احجز بنفسي قبل ما يقفل العدد ساعتها تبقى وقعة سودة لو ما لحقتش عايز احجز ياما دي اخر سنة يعني مينفعش اجصر فيها سامعاني ياما
على صوتها بالاخيرة حتى استفزت والدتها لتنهرها بحزم مرددة
سامعااااكي سامعاكي با زفتة الطين لزومو ايه الصوت العالي شايفاني طرشة
انا اسفة ياما افتكرتك سرحانة فكنت حابة تاخدي بالك يعني من اللي بقوله
خلاااص
قاطعتها بها لتردف بفتور
هحاول اتصرفلك ان شاء الله وتلحجي مجموعة الاستاذ سيد وأي مجموعة تاني انتي عرفاني عمري ما جصرت معاكي
توقفت تتابع وكأنها تحدث نفسها باستنكار
مستعجلين ع الدروس والعيال لسة مخدتش الاجازة ولا ريحت حتى من الامتحانات وكأن الدنيا هتطير لو صبروا الحبة دول
صمتت ليلى عن الجدال تراعي الحالة المزاجية السيئة لوالدتها والتي لا تعلم سببها حتى الآن لتضع همها في الطعام الذي فقدت شهيته هو الاخر حتى شرعت ان تنتهي وتنهض ولكن سبقها طرق خفيف على باب المنزل قبل ان يدفع بخفة وتطل امامهما زوجة ابيها وابتسامتها المستفزة لهما
صباح الخير عليكم هو انتو لسة بتفطروا دا انا كنت جاية أبلغكم بحاجة حلوة جوي
٠
في منزل حماد القناوي
وقد كان حمزة داخل غرفته يستعد للخروج والسفر إلى خارج البلاد في مهمة عمل صغيرة تخص أملاك العائلة التي يتولى زمام أمورها انهى ارتداء الملابس ولم يتبقى سوى نثر عطره على أنحاء الجلباب الراقي حتى أصبح يرش بكثافة ليتفاجأ بالتعليق الذي اتى مباغتا من خلفه
عايق طول عمرك يا ولد بطني بسم الله ماشاء الله عليك
ضحك يتوجه بأبصاره نحو والدته التي دلفت داخل الغرفة من مدخل بابها المفتوح لتقف منبهرة به كعادته
عيني عليك باردة
تحرك من محله ليقترب منها ويقبل رأسها بحب ثم هم ان يتحرك ليتناول ساعته الموضوعة على الكمود المجاور ولكن وقبل ان يفعل اوقفته هامسة
شكلك سمعت كلامي ونصحته
طالعها بعدم فهم مستفسرا
كلمت مين انا مش فاهم حاجة
غمزت بعيناها تجيبه
هتلف وتدور عليا ما انكشفت وانا عرفت خلاص خدتو على جمب وروحتو تتودود في الليل انت وهو في الناحية التانية من البيت يعني هيكون ليه مش عشان تفتح معاه ويفتحلك قلبه بعيد عن الكل ومحدش يسمعكم مرة اخوك شافتكم وبلغتني
هااااالة
تمتم بالأسم يحرك رأسه بتعب واستدراك فها هي ابنة عمه العزيزة التي تدور كالنحلة في المنزل حتى لو في نصف الليل حتى لا تخفى عليها خافية وتفاجأه دائما باكتشافاتها
قولي بجى جالك ايه عرفت تقنعه ولا شديت عليه عشان يسمع النصيحة
لا دي ولا دي ياما
تمتم بها حمزة يحبط احلامها مستطردا
ولدك مكانش جايله نوم وحب يتساير معايا مش اكتر من كدة
طالعته حسنية بتشكك ليردف بالمزيد علها تصدق
انا هافاتحه يا أمي بس لما احس انه على استعداد يعني واحد بيقولي ان اهم حاجة عنده الوظيفة دلوك جوم انا اقوله لا لازم تخطب بت عمك الصبر شوية يا أمي الدنيا مطارتش
في استجابة منها غير مريحة مصمصمت بشفتيها تشيح ابصارها عنه بعدم رضا قبل أن تقول
ماشي يا حمزة نصبر شوية المهم بس تعرف تكلمه وتيجي تطمني ميبقاش موضوعنا معلق كدة عايزين حل عشان نخلص
انهت حديثها وتحركت مغادرة الغرفة من أمامه ليزفر بضيق ثم يرفع رأسه للسماء بحيرة بعد وضعه في هذا الموقف الغريب وهو مطلوب منه ان يرضي الاثنان شقيقه الذي وجد حب عمره كما يقول ووالدته التي ترى في ارتباط ابنها الأصغر بابنة عمه امر لابد تنفيذه اذن كيف يوفق بينهما ليتفوه معبرا عما يكتنفه
يا غلبك يا حمزة
٠
جالسة بكل هدوء وبرود تدعيه في الإستماع إلى ما ما كانت تخشاه وها هو يتحقق امامها الان وبقوة وعلى لسان تلك الملعونة التي تخبرها وتتحدث بلهجة أقرب ما تكون إلى الشماتة وهي أعلم الناس بها لكنها ابدا لن تظهر الضعف امامها حتى لو كانت العواصف التي تدور داخلها قادرة على خلع ثباتها من الجذور
الجماعة اتصلوا الصبح وبلغوا عرفان الواد باين امه حمسته عن ليلى وحلاوتها صوته في التلفون مبين جوي انه فرحان أمال لما يشوفها على الحقيقة النهاردة دا هيسمك فيها بيديه وسنانه على كدة مش بعيد عقله يطير منه اه أمال ايه احنا عروستنا مش اي كلام
هي مين اللي عروستكم يا صفا انتوا بتتكلموا في ايه
صدر التساؤول من ليلى والتي كانت ترفع اطباق الطعام وتحملهم إلى المطبخ لتأتي الآن وتسمع الحديث الدائر فتتلقفها صفا وتجيبها بإستفاضة
ومبالغة
انتي يا قمر انتي وهو احنا عندينا عروسة غيرك همام ولد العيسوي شريك ابوكي اللي امه جات هنا امبارح هي وبنتها وشافوكي وجعدتي
معاهم عايزة اجولك انك عجبتيهم جوي يا ليلى عمالين يوصفوا في جمالها حكايات
تتلقى الكلمات كالتائهة بعدم استيعاب فتتوجه نحو والدتها تريد التأكيد
الكلام دا صح ياما
ابدا يا عين امك ولا فيه اي حاجة صح منه
هكذا جاء رد مزيونة ببساطة وهي جالسة محلها بثبات الجبال لم تهتز او تنفعل بهم لدرجة اربكت صفا التي ادعت عدم الفهم تلومها
كيف ولا فيه اي حاجة صح بتك بتسأل ع العريس اللي جات امه امبارح وشافتها
وانااا بقول مفيش اي عريس
صدرت منها بمقاطعة حادة وتحدي متابعة
انتي ولا جوزك حد منكم اداني خبر بالطبخة اللي بتطبوخوها من ورا ضهري انا مش هلت ولا اكتر في الحديت بس انتي احسنلك تنبهي على جوزك ينهي الموضوع الماسخ ده من اوله لانه عارف وانتي كمان عارفة ان بنتي مش هتتجوز غير لما تكمل تعليمها دا اتفاق وشروط يا ام ناصر ولو انتي نسيتي الشروط القديمة مزيونة بقى مبتنساش ولا ترجع في كلمة قالتها
كلماتها القوية اللجمت صفا للحظات لكن سرعان ما استعادت بأسها في مواجهة غريمتها
انتي بنفسك جولتي ان الكلام دا جديم يا مزيونة وعدى وقته وبتك دلوك جالها عدلها دا بدل ما تفرحيلها عايزة توقفي حالها وأنتي مش امها لوحدك عرفان كمان يبقى ابوها وليه كلمته عليها ولا عايزة تعصي بته عليه دا انتي حتى بت اصول
لم تستعجب مزيونة أسلوبها الملتوي في الحديث لتستحضر مكر الانثى داخلها في الرد عليها
اااه يعني انتي متفقة معاه وعلى كدة بقى موافقة على نقض الشرط التاني كمان انه يرجعني مرته بحقوق زي زيك
تجلت ملامح الصدمة بوجه صفا حتي اصفرت بشرتها بصورة كادت ان تضحك ليلى الصغيرة والتي اخدت وضع المتابعة الآن تاركة الدفة لولداتها تدير بها الأمر كما تشاء والتي تابعت بمزيد من الثقة
سكتي يعني يا صفا
سمعت الأخيرة لتنتفض من محلها تنهض عن جلستها قائلة بحنق شديد
وانا مالي يا بوي انا بلغتك وخلاص وانتي حرة العريس جاي العشية شوفي هتعملي ايه ولا تتصرفي كيف مع ابوها وانا مليش دعوة
قالتها وتحركت متجهة للمغادرة على الفور لتردد ليلى في أثرها
جال ملهاش دعوة جال اجطع دراعي ان ما كان كل الموضوع طالع من تحت يدها بجى انا اتجوز همام المخبل ده كمان
ليلى
جاء النداء الغاضب من مزيونة لتحذرها مستهجنة
بلاش تريقة على واد الناس ربنا يرزقه باللي احسن منك واحنا خلينا في مستقبلنا اللي يخصنا احنا وبس
سألتها بضغف وقد شعرت الآن بحجم الكارثة التي تنتظرهم مغ اصرار والدها بتنفيذ ما برأسه
طب وهنعمل ايه ياما مع ابويا انتي عارفاه وعارفة شدته خصوصي والحرباية دي هتنفخ فيها لما تولع نار
نهضت مزيونة قي رد عملي تجيبها
تعمل زي ما تعمل روحي البسيلك اي حاجة وتعالي معايا وانا اجولك هنعمل ايه
هنروح فين طيب
هفهمك في الطريق
قالتها ودون ان تنتظر توجهت نحو غرفتها لتبدل عبائتها البيتية بأخرى خارجية ولكنها وفور أن فتحت خزانتها تجاهلت عن عمد كوم الملابس السوداء المعلقة امامها لتنتقي قطعة مختلفة على الإطلاق من تلك المجموعة التي تركتها منذ سنوات لم تعد تتذكرها فتنزل بها على جسدها الآن امام المراة وترى امرأة أخرى بل هي مزيونة ولكنها قبل أن تتزوج لقد حسمت قرارها وسوف تعود لأصلها مزيونة الحرة
٠
وفي منزل حماد القناوي
وكما تمر الليالي سيئة على البعض تمر ايضا سعيدة ومليئة بالأمل والأمنيات على البعض الاخر
هبط الدرج قادما من غرفته في الطابق الثاني يبحث بعيناه عن شقيقه المنقذ والداعم الأهم في مواجهة العاصفة المتوقعة حينما ينوي اخبار الجميع بما هو قادم على تنفيذه
لم يجده في المنزل فخرج إلى الحديقة ثم توجه مباشرة نحو المدخل الخارجي وقد تفاجأ به داخل السيارة التي يقودها ببطيء التشغيل في البداية يبدو أنه على وشك المغادرة لينتفض مهرولا حتى يلحق به
حمزة حممممزة حمزة
ظهر انعكاسه في المرأة الخلفية في سيارة المذكور ليجبره على السباب وشتمه منتبها لجنونه في قطع المسافة راكضا نحوه حتى وصل إليه في ثواني معدودة ليفتح باب السيارة الأمامي وينضم معه
رايح فين
سأله ببساطة ضاعفت من غضبه لينفجر به موبخا
انت عجلك طار منك ياض طب اعمل حساب لمنظرك وانت بتجري زي العبيط جدام العيال الصغيرة وانت المفترض بش مهندس محترم وليك جيمتك جدامهم يا تربية الأزهر يا سيدنا الشيخ معاذ
اهتز كتفي معاذ بعدم اكتراث قائلا
وماله يعني عادي يشوفو اللي يشوفوه قدوة بجى ولا مثل سيء حتى في كل الأحوال انا مش في دماغي اصلا المهم عندي دلوك
توقف يعلو صوته مردفا
تجولي انت ماشي كدة ورايح فين لحقت تنسى كلامنا واللي اتفقنا عليه امبارح
ضرب حمزة بقبضته على مقود السيارة بغيظ شديد يصيح به بسخط
وهو ايه اللي اتفقنا عليه يا بلوتي السودة انت دا يدوب اللي عدى بس سواد الليل هلحق امتى بس اتكلم ولا اتزفت انت هتشلني من اولها ياض
ضحك بسماجة يتقبل صياحه بتملق
وماله بس يا كبيرنا ما انت برضك البريمو ومفيش حاجة صعبة عليك دا انا اتوقعت اصحى الاقي أمي فوق راسي تزغرد لي فرحانة بعد ما تقنعها انت بذكائك معاها
اممممم
زام بفمه ساخرا معقبا على كلماته
يا حبيبي يا عسل انت تزغردلك كمان! شوف ازاي يا اخوي دا على كدة الموضوع ساهل جوي وانا مش دريان يا ريتني في نص روقانك والله
طب وايه اللي يمنع بس انها تفرحلي وتقتنع مش هي برضو عايزاني اتجوز ولا يعني هتحب بت عمي اكتر مني
تمتم حمزة بالاستغفار يستحضر الهدوء حتى يتعامل مع هذا المتعجل
لا طبعا مفيش الكلام ده هي بس مفاهيم غلط ومتمسكة بيها ع العموم كل حاجة وليها حل المهم بس انت ترسي انت كدة وتعجل ثم كمان احنا لسة معرفناش البت ولا ناسها كل اللي عرفناه هو اسم عليتها اديني فرصة اسأل عليهم واطجس عشان افاتح امك بقلب جامد لو طلعت بنت ناس زينة
اكيد هتطلع بنت ناس زينة انا متأكد منها دي
تمتم بها معاذ بثقة ينقلها لشقيقه الحانق ليعقب بغيظ
طيب يا غالي مش ناوي تقولي رايح فين بالظبط ولا اوفف انزلك هنا
أجابه بلهجة تخللها الفتور قليلا وقد هبط حماسه بعض الشيء بعد تحذير حمزة
لا امشي على طول توصلني للمدينة الصناعية في طريقي اجيب الموتوسيكيل من ورشة التصليح
داخل منزل عرفان وقد أخبرته زوجته بما تم من مزيونة وعدم اعترافها بالأمر من الأساس لتضيف من عندها ما يزيد من تأجيح الغضب بداخله
دي كان ناقص تطردني كلام كتير خربطت بيه انا نفسي مقدرش اجوله كأنها اتفرعنت ومحدش مالي عينها او تكون خلفت بتها لوحدها من غير اب ليه كلمة عليها زيه زيها
يسمع منها بصمت ابلع من اي حديث انه زوجها وهي تعمله جيدا معنى سكوته هو الخطر بذاته
انا من رأيي تعتذر لشريكك وخلاص يا عرفان مزيونة شكلها مش هتجيبها لبر واحنا مش ناقصين فضايح
جاء رده مستنكرا بعنجهية يخرج عن صمته
اتهبلتي يا مرة انتي ولا اتجنيتي مين دا اللي يرجع ف كلمته
ولا مرتي مش هقدر امشي كلمتي عليها ولا احكم بتي اهمدي وكني وملكيش دعوة انتي
اومأت
رأسها تدعي الطاعة لتردف بمكر
حاضر يا بوي انا اصلا مليش دعوة بأي حاجة ياريت بس مزيونة تفهم كدة بدل تلجيحها عليا ان انا اللي ممشياك وزقاك على الموضوع ده وانا ربنا العالم معتبر ليلى زي عيالي وانت نفسك تشهد انا بعاملها كيف
زمجر ينهض من جوارها وقد أشعلت رأسه بما يكفي ولم يعد يحتمل بعد
انا نازل اشوفها المرة دي هي وبتها
ما هي مش جاعدة
هتفت بها توقفه ليناظرها طالبا المزيد من التفسير فتجيبه
من بعد حديتي معاها بالظبط طلعت هي وبتها وادي بجالها اكتر من ساعتين الله أعلم راحت بيها فين
اما عنها وقد انهت مشوارها الاول مع ابنتها وكانت في طريقها معها نحو جهة أخرى وحديث دائر وأسئلة لا تتوقف عنها ليلى او التعبير عن مخاوفها
انا خايفة ابويا يعرف بمشوارنا دا ياما وأنتي عارفاه في لحظة غضبه
ردت مزيونة بجمود البائع الذي لا يهمه شيء
يعمل اللي يعمله انا المسؤولة قدامه انتي ملكيش دعوة بحاجة
كيف ياما اسيبك تواجهي لوحدك والموضوع اصلا يخصني
رمقتها بنظرة محذرة تعيد عليها مشددة
اسمعي الكلام يا ليلى انا عارفة بعمل ايه وكفاية بجى كملي الطريق معايا وانتي ساكتة
في الأخير اضطرت ان تزعن لرغبتها وتوميء بطاعة لتكمل الطريق معها صامتة ولكن مع استمرار السير ونظرات البشر الموجهة نحوههم بتركيز شديد خرجت ليلى عن صمتها تعبر عما يجول داخلها بلطافة
بس انا النهاردة بصراحة فرحانة جوي منكرش الناس كلها بتبص علينا مفكرينك واحدة جديدة عن البلد واللي يعرقك بيفضل متنح عليكي ويبصلك طول ما هو ماشي طقم الألوان عليكي هياكل منك حتة يا مزيونة
لم تبالغ ابنتها وهي تعلم ذلك ترى نفسها بالفعل عادت ثماني عشر سنواتقبل أن تتزوج بعرفان وتصبح امرأة أخرى ولكنها اليوم لا تشغل نفسها ولا تركز إلا مع شيء واحد وهو الاستعداد للقادم وخروجا امنا تبتغيه مع ابنتها تسأل الله النجاح والتوفيق
وفي الناحية الأخرى داخل سيارة شقيقه وقد اللتزم الصمت واكتفي فقط بالتفكير بمن سرقت نومه واحتلت عالم احلامه في المنام واليقظة لا يتوقف عن التفكير بها على الإطلاق حتى حينما وقعت عينيه عليها الآن تسير في نفس الشارع الذي تسير به السيارة ظنها في البداية وهما حتى استوعب بعد لحظات لينتفض يحاول مع شقيقه حتى ينتبه ويراها هو الآخر
اهي يا حمزة وكأنها بتيجي ع السيرة عشان تعرف بس انها إشارة وربنا رايدلي اتجوزها بص وشوف نقاوة اخوك بص بص
صار يهلل بالكلمات وعيناه منصبة على مرأة السيارة الجانبية ناحية شقيقه الذي ازعجه الصراخ بأذنه والشد على جلبابه الفاخر ليخرج عن اعصابه مقررا طرده والتخلص منه
يووووه طب ادي العربية موجفها خالص عشان اخلص منك يا معاذ
اجفل الاخير بفعل شقيقه حينما تفاجأ به ضاغطا على مكابح السيارة بعنف بعد ان فاض به لبجعلها بالفعل تتوقف ولكن في منطقة طينيه ضحلة بالمياه الركدة التي تناثرت على جانبي السيارة حتى شعر بها ذاك الغاضب ليدفع بابها إلى الخارج ويترجل منها فتتوسع عينيه بجنون نحو معاذ الذي اتبعه في الخروج ليشاهد الجريمة الشنعاء بالسيارة الجديدة لشقيقه والذي كان يحدجه بنظرات نارية يفوح منها الخطر ولكن الجريمة الأكبر هي ما انتبه له في نفس اللحظة حينما تحولت ابصاره للخلف قليلا نحو مزيونة وابنتها وقد اصاب ملابسهما ما اصاب السيارة بقع طينيه انتشرت على الملابس الجميلة ليتلقى منهما شرار النظرات القاتلة وجاء رد الفعل الاول من ليلى صائحة به
انتو عميتوا ولا قاصدين تعملوها فينا
دافع معاذ فخرج صوته بلجلجة مبررا
لا والله اخويا وقفها بالصدفة مكانش يقصد ابدا ولا حتى كان واخد باله
ولما هو السواق ومياخدتش باله أمال مين ياخد باله
هتفت بها مزيونة بنظرة غضب ولوم وجهتها إليه حتى شرع ان يتأسف لها بعدما انتبه الى الحزن الذي أصابها وهي تطالع فستانها الجميل وخمارها وقد تلطخا ببقع الطين الغبية
معلش يا آنسة ااا
قاطعته ليلى بلسانها الحاد تمطره توبيخا هو وشقيقه
معللش يعني تبهدلونا وتقول معلش نصرفها منين انشاء الله والله لولا بس مش عايزة شوشرة لا كنت لميت عليكم أمة لا اله الا الله
وه
زمجر بها حمزة مستهجنا رغم علمه بصحة موقفها حتى هم ان ينفعل عليها لولا خاطر شقيقه الذي اكتسحه الندم يهمس له راجيا
احب على يدك اتحمل يا واد ابوي وما تتعصب انا مش عايزاها تكرهني اكتر من كدة دي افتكرتنا بنعاكس
سمع منه حمزة ليصدر منه السؤال دون ان يرفع عيناه عن الاثنتان وقد انشغلتا بنفض ملابسهم ومسحها بالمحارم الورقية او تغطيتها بالحجاب الطويل علها تصلح للسير على الاقل حتى يصلن إلى وجهة قريبة ويبدلنها
هي مين فيهم
البيضة يا حمزة يا اخوي
الاتنين بيض وحلوين وصغيرين انت تقصد اي واحدة فيهم
الصغيرة يا حمزة مش باينة جدامك
اشار بذفنه نحو ليلى ليطالعها حمزة بنظرة عابرة ثم يعود لمن سرقت اهتمامه من النظرة الاولى تلك الجميلة العابسة والتي أثر به حزنها لدرجة دفعته ليقترح دون تفكير
احنا ممكن نوصلكم بالعربية لحد بيتكم
لا يدري كيف صدرت منه رغم برائة قصده ولكن رد فعلها والنظرة النارية التي وجهتها نحوه جعلته يعرف جيدا مدى خطأه
توصلنا لحد بيتنا! لا يا اخويا متشكرين مش احنا أللي نركب عربيات ناس اغراب ياللا بتي ياللا
يا آنسة انا مش قصدي والله
قطع هذه المرة مجفلا بشهقة خرجت من حلقها وعينيها برقت باتساع وكأنه سبها بسبة نابية أضافت على سوء الظن الذي اتهمته به من لحظات
جال آنسة جال سلامة النظر والشوف
قالتها لتسحب ابنتها بعنف ذاهبة بها لتضيف ليلى هي الأخرى قبل أن تذهب
لما هي آنسة يبجى انا مين خلفني
أمهاااا
تمتم بها حمزة متجمدا في اثرهما بذهول ليعقب معاذ هو الاخر
كاننا عكيناها جامد يا اخوي والله خايف البت تكرهني بالفعل قبل حتى ما ادخل بيتها بعد ما كنت فرحان شوفتها يحصل الموقف الزباله ده
لم يعقب حمزة على كلماته ولكن جاء استفهامه ف شيء اخر
طب انا شايفهم رايحين ناحية الزراعات هما رايحين على فين
اجابه معاذ بفتور
اكيد رايحة بيت جدها انا شوفتها اصلا هناك مرتين هناك عندهم برج حمام قديم اكيد بتروح تراعيه مش هنمشي بجى
ظل حمزة صامتا للحظات حتى تحرك فجأة يعود لسيارته فتبعه شقيقه وفور أن اشغل المحرك أمره قائلا
طب انا عايز اشوف البيت دا
يتبع
الفصل الرابع
توقف بالسيارة التي تقله مع شقيقه من مسافة بعيدة الى حد ما من المنزل المقصود ولكنها تمكنها من مطالعته من الخارج ليستائل نحو شقيقه
باين من شكله ان البيت قديم لكنه مأصل دي حاجة مش محتاجة ذكاء لكن انت متأكد انها مش ساكنة هنا
اجابه معاذ بهيام يتخلل نبرته
وه يا واد ابوي ما هي لو ساكنة هنا انا مكنتش هسيب مطرحي انشالله حتى أبيت وسط الزرع المهم ان اشوفها وأطل عليها.
اممم أنت هتقولي
تمتم بها حمزة شبه ساخرا ليردف بحزم
ماشي يا عم الحنين لم نفسك واعرف اصلها
وفصلها عشان نخلصه من الموضوع ده ونشوفه ينفع ولا لاه وبالمرة اتأكدلي من اااا……
توقف يتابع ببعض بارتباك
تتأكد يعني من موضوع اللي ماشية معاها دي ان كانت امها صح ولا….
ولا ايه إنت مش مصدق يا حمزة انها امها فعلا
حاول إخفاء ما يشعر به ليجيبه بجدية
يا سيدي مش حكاية أصدق ولا مصدقش انا بس بقولك تلم اكبر معلومات عنهم عشان لما افتح مع امك اتكلم بقلب جامد اتفقنا يا سيدي
اتفقنا يا باشا.
تمتم بها معاذ بحماس ليدير الاخر محرك السيارة بعقل مشتت قائلا
تمام يا سيدي وربنا يعدلها
عادتا الاثنتان من الخارج بعد انجاز هذا الشيء الهام الذي خرجن من اجله وجاء الان موعد المواجهة كما يبدوا من هيئة هذا المتجهم الذي وجدنه جالسا داخل الشقة التي تسكن بها مزيونة وابنتها في لفتة نادرة لا تحدث الا نادرا فالمعتاد انه لا يلتقي بهما الا في الضرورة وفي ذاك الجزء الفاصل ما بين شقة مزيونة والطابق الثاني الذي يسكن به مع اسرته وصفا زوجته لكن ان يكون هنا الان وبتلك الوضعية حيث كان واضعا قدما فوق الأخرى يدخن بشراهة جعلت المنزل يبدو كمدخنة يستقبلهما رافعا حاجبا بشر
حمد على السلامة يارب تكونو انبسطوا في مشواركم.
اممم
زامت بها مزيونة تحرك رأسها بتفهم وقد تيقنت الان ان المعركة قد بدأت باكرا بفضل صفا التي لا تقصر ابدا في شحنه سريعا ضدهما.
لم تتأثر او تهتز برؤيته فهي تستعد لذلك منذ فترة اليوم طويلة وليس اليوم عكس ابنتها والتي تجلى الخوف في نبرتها
الله يسلمك يا بوي امي طلعت معايا تتفجلي مع الاستاذ سيد عشان يشركني في مجموعته الجديدة قبل ما يقفل العدد وملقاش حد يديني درس الانجليزي
لهفتها في الحديث ولهاثها ايضا يؤكدان دون جهد توترها ولكنه مع ذلك لم يهتم وقد لفت انتباهه شيء اخر شيء تفاجأ به رغم توقعه منذ فترة طويلة زوجته العزيزة وقد بدلت اليوم ملابسها من الأسود للألوان لتكشف عن جمالها المتخفي منذ سنوات عديدة لم يعد يذكرها وقد نضجت والتف عودها بعد الضعف الشديد والمرض الذي جعله ينفر منها قديما لتصبح كالثمرة الطازجة سب نفسه لأكتشافه المتأخر وعيناه تمشط منحنياتها بسفور حتى عقب ساخرا
ايوة…… واللي تروح تتفق ع الدرس تغير للالوان دا باين الاستاذ سيد عزيز جوي.
اجفلها حقا بوقاحته حتى برقت عينيها نحوه بغضب شديد لتأمر ابنتها
روحي ادخلي جوا يا ليلى وسيبني اتكلم مع ابوكي.
سمعت منها ولكنها لم تتحرك لتطالعها باستجداء ورغبة في عدم تركها وحدها معه لتضطرها ان تعيد عليها بحزم
جولتلك خوشي جوا يا ليلى انتي مبتسمعيش الكلام
تدخل عرفان هو الاخر متهكما
اسمعي الكلام يا بت دا انتي مش سايبة امك مع حد غريب حتى ولا أنتي كمان نسيتي انها مرتي
تضاعف الحنق داخلها لتجبر ابنتها على التحرك وهي تدفعها بخفه حتى سارت بخطوات ثقيلة إلى أن وصلت الى غرفتها لتلتصق بالباب وتتصنت لحديثهما بترقب.
اما عن مزيونة وفور أن اختلت الأجواء بينها وبينه خرج صوتها بانتقاد نحوه
ياريت تخلي بالك من كلامك عشان البت صغيرة متفهمش في تلميحاتك الماسخة.
تبسم بخفة لينهض مقابلا لها يعقب على قولها
تلميحاتي انا ماسخة ومسخرتك وانتي بتطلعي تجابلي رجالة غريبة باللبس الملون يا غندورة اللي ماعملتيها لجوزك الغلبان.
زجرته بعيناها تحذره
للمرة التانية هجولك انتبه لكلامك انا بت الأحرار وسمعتي تاج على راسي انت ايه اللي جابك بيتي اصلا
ضحك ليقترب ويده امتدت لتلامس انامله وجنتها مرددا
جابني الهوا يا مزيونة.
أبعدت اصابعه عنه بازدراء وارتدت للخلف تبتعد عنه لتثير به التسلية
تصدجي بالله انت كنت جاي ومستحلفلك بقالي ساعة مستنيكي بعبي وبفضي في صدري منك لكن سبحان الله بعد ما شوفتك وحتي وانا دمي محروق منك اعصابي بردت ويدي اللي كانت بتاكلني لضربك كفين اعدلك بيهم دلوك بتوزني على حاجات تانية….
هم ان يقترب ولكنها تراجعت مرة اخرى لتهدر به
أوقف مكانك واياك تقرب خطوة تانية.
صيحتها الهادرة جعلته يستفيق من نشوته فيتذكر غضبه منها
حلو…….. كويس جوي انك فكرتيني للسبب الأساسي لمجيتي الهلفطة اللي سمعتها من صفا تشيليها خالص من مخك عشان انا راجل مبرجعش في كلمتي البت هيجي عريسها النهاردة ومش بعيد نقرأ فاتحة هندسي نفسك كدة وفطمي البت من الهبل اللي عششتيه ف مخها عن التعليم والكلام الفاضي تروح بيت جوزها عايزها تكمل هو حر انما غير كدة انسي.
وان جولتلك مش هيتم وبلاها منه احسن.
قابل لهجة التحدي خاصتها بمزيد من العنجهية والاستخفاف
دا على اساس اني بتهدد يعني مش بجولك اعصابي بردت يا مزيونة ومليش غاية اتعصب عليكي كانه يوم سعدك اهدي واعرفي مصلحتك فين ونيمي البت بدري عشان انا ناويت اخليها معاكي الليلة دخلة جديدة دا كمان أمر ومفيش منه رجوع .
لم يلقى منها ردا هذه المرة سوى ابتسامة غامضة وغير مفهومة ليسحب نفسه ويتحرك بزهو انتصاره المزيف حتى إذا خرج من عندها غمغمت هي في اثره
نجوم السما اقربلك.
اما عنه وبعد أن خرج من عندها مشتتا حتى كاد أن يخطأ وجهته في الصعود إلى الطابق الاخر ذهنه مشغول بها وعقله يستعيد ذكرياته القديمة معها اول امرأة دخلت حياته كرجل وعاشرها كانت صغيرة في عمر الثالثة عشر وهو في الخامسة والعشرين اختارها وتعلق يها منذ اول مرة وقعت عينيه عليها لقد كانت بهية وساحرة تلحقها العيون أينما حطت قدميها يذكر انه اجبر والده لدفع اكبر مهر في البلدة حتى يتمكن من اقناع والدها للموافقة على تزويجها إليه كانت كالتفاحة الطازجة شهية ولا يشبع منها ابدا حتى حملت بابنتها وتبدل حالها جسدها الصغير لم يكن مستعدا ابدا لحمل اطفال فضعفت وهزلت حتى جاءت القاسمة بولادة متعسرة نزفت على أثرها حتى كادت ان تمو,ت مع الطفلة لولا نجدتها بصعوبة من قبل الأطباء الذين اقروا بعد ذلك أن حملها مرة أخرى هو شهادة المو,ت لها
ولكنه لم يستمع واعتبره محض هذيان ليس أكثر ليمارس دوره الطبيعي كزوج دون اكتراث برفضها ومرضها حتى حملت بطفل ثاني ولكنها أسقطت من اول شهر واصابها النزيف مرة اخرى وبصورة جعلتها تمكث في المشفى لأيام عدة فأصابها المرض بعد ذلك حتى زاد من ضعفها وهزلها لتصبح كالجثة المتحركة وما كان يجعلها متعلقة بالحياة هو ابنتها وفقط حتى مل هو
وضجر رغم صبره عليها اكثر من سنة
هو ليس راهبا لأن يعيش بدون نساء أو مع امرأة مريضة ان لمسها عانت بعدها لأيام حتى ينفضح امره امام الجميع رغم علمهم بحقه بها كزوجة من واجبها ان تلبي رغباته….
عند خاطره الاخير فاق من شروده على رؤية من حلت مكانها صفا ابنة خالته والتي كانت مقدرة له منذ مولدها ولكنه فضل مزيونة الجميلة عليها قبل أن يعود اليها مضطرا لحاجته الشديدة لامرأة تلبي احتياجاته وتلد له الأطفال خصوصا الاولاد بعد أن صار الانجاب من مزيونة أمر شبه مستحيل.
عملت معاها ايه اوعى تكون ضربتها
قالتها متصنعة الجزع في نبرتها حتى كادت ان تضحكه لعلمه بأن ضربه لمزيونة وابنتها هو أجمل الاماني لها وللأسف مضطر ان يحبط املها
لا يا صفا طمني قلبك مضربتهاش عشان مليش مزاج كفاية بس اني امرتها وهي عارفة انها متقدرش تطلع عن طوعي.
قالت بملامح ارتسم عليها الاستنتكار رغم تصنعها غير ذلك
ااه وعلى كدة معرفتش راحت
فين وهي ساحبة بتها معاها.
رد ببرود كاد أن يجلطها وقدميه تتخذ طريقها إلى داخل المنزل
راحت مطرح ما راحت عاد جهزي انتي بس القعدة من دلوك للضيوف مش عايز حاجة ناقصة لو طلبت وعشينا نسايبنا .
نسايبنا!
غمغمت بها من خلفه بغيظ يفتك بها لا تصدق ان الامر سوف يسير بهذه السهولة أيعقل ان تكون استسلمت ولن تعارضه اللعنة ان قبلت ايضا بذاك الأمر الاخر بأن يأخذ حقه بها كزوجة سوف تكون هي الخاسرة وقتها بعدما عادت مزيونة لعهدها الأول.
دلف لغرفته يرتمي على فراشه بمرح يغمره لقد اخذ الموافقة من شقيقه والذي تحمس اليوم بعدما رأى ليلى الجميلة ووالدتها الصغيرة هي الأخرى كان اللقاء بهما كارثي وكاد ان يفقده الأمل في الارتباط بها ولكنه الأن اكتفى بالوعد الذي أخذه من شقيقه بعد ذلك
عليه فقط ان يعرف مكان منزلها بالضبط لقد عرف من احد اصدقاءه اليوم بمحل عمل ابيها مزرعة الفواكة التي يمتلكها بمشاركة مع احد الرجال.
يتبقى فقط المنزل وهو ما سيذهب إليه اليوم بمرافقة زميله
ااااه
تأوه بصوت مسموع يردف بلوعة
امتى تيجي العشية واعرف بيتك يا ليلى يارب أتمكن من شوفتك يارب تيجي بدري من سفريتك يا حمزة وتخلصلي الموضوع ده انا عارف انك متغلبش
……… ………..
مساءا وقد اقتربت اللحظات الحاسمة
كان القلق والترقب هما سيدان الموقف في منزل مزيونة وابنتها بعد أن أرسل لهما عرفان قبل قليل ابنه ناصر يأمرهما بالصعود إليه حتى ان أتى العريس المنتظر واسرته تتم الجلسة في الطابق الأعلى مقر سكنه الدائم مع صفا وأولاده.
بالطبع مزيونة لم تنفذ لا هي ولا ابنتها التي تقف خلف باب الشقة الان على اعصابها تراقب الحركة في المدخل وقدميها لا تكف عن. الاهتزاز بصورة ازعجت والدتها التي تتحلى بالبأس من أجلها تسيطر على ارتعاش أطرافها بصعوبة حتى لا ينتقل التوتر اليها وهي لا ينقصها
ابويا بجالو لحضة طويلة بعتلنا انا خايفة ينزل دلوك ويسحبني من شعري
ردت عليها بسأم
اطمني مش هيسحبك غير لما ياجي العريس
جمدت ليلى وانسحبت الدماء من بشرتها تطالعها بفزع جعل مزيونة تسارع للتصحيح ملطفة
يا بت بهزر مجصديش بلاش الخوف ده اجمدي بقى .
بتعب أوشك ان يوقعها تحاملت ليلى تترك محلها خلف الباب وتحركت حتى جلست على اقرب مقعد وجدته امامها لتسقط بثقلها عليه مرددة
اجمد ازاي بس وابويا في اي لحظة متوقع يبقى فوق رأسي وراسك لو عريس الهنا ده طب الأول قبل الجماعة ما يوصولوا انتي متصلتيش ليه تستعجليهم
زفرت مزيونة بسأم تجيبها للمرة الالف
عشان مينفعش ازن واوجع مخهم دي مش عيال صغيرة بيروحو ويجوا في كلامهم دي ناس كبيرة وكلمتها بالف حساب اهدي انتي بس وكل حاجة هتم زي ما احنا عايزين اهدي.
اومأت تحرك رأسها بنعم ولكنها شردت بعدها في نفس اللحظة تخشى غضب ابيها وتأخر من تنتظرهم بحق.
بت يا ليلى.
انتفضت بفزع فور أن سمعت النداء بأسمها من قبل ابيها الذي تعرف صوته جيدا قبل أن يجفلها بحضوره داخل المنزل حينما دفع الباب الخارجي كي يلج اليهم فوفعت عينيه عليها يقيمها سريعا ببصره ليردف صائحا
لساكي ببجامة البيت وانا بعتلك بجالي ساعة انتي وامك الغندورة
تلجلجت أمامه بخوف
يابا ما هو ما هو .
ما هو ايه يا بت الكل……… اخلص ياللا اتحركي.
ركضت على أثر صيحته الأخيرة تختفي من امامه داخل غرفتها تنفيذا لتعليمات والدتها التي نبهت عليها سابقا بذلك كخطة بديلة رغم اعتراضها قلبها يضرب بجنباتها بقوة يوشك على الخروج من صدرها وهي تراقب الموقف من محلها
اما عن مزيونة فقد ظلت على سكوتها المريب دون أدنى اعتراض لينتهز عرفان الفرصة باعتقاد منه ان الامر بين يديه وسيتم ما يريده ليزيد من قربه هامسا بغزل مبطن
كويس انك جلعتي الألوان ورجعتي للعباية السودة بصراحة اخاف تطلعي مع بتك العريس وابوه يتلخبطوا بينك وبينها وأن كان على لبس الألوان
توقف يمسح على طرفي شاربه يردف بتنهيدة ساخنة
ليكي عليا اجيبلك كل الألوان الشفتشي والناعم وكل اللي اتحرمنا منه السنين اللي فاتت اه لو تعرفي انا مشتاقلك كيف……. نخلص بس من البت دي ونعيش شهر عسل من جديد ونعيد اللي فات منينا
سكوتها المستمر كان يحفزه على المواصلة بظن منه انها تبادله نفس الشعور
اتلم عليكي بس يا مزيونة وهتلاقيني لزقت ف البيت ومش طالع واصل.
ختم بضحكة متحشرجة اثارت قرفها منه ولكنها تماسكت تخفي انفاعلاتها حتى أتى الفرج على حين غفلة بطرقة خفيفة على باب المنزل وصوت يصدح بالنداء
عرفان يا اشقر انت فين يا ولد
انتفض المذكور يهرول نحو باب المنزل كي يستقبل صاحب الصوت الوقور رغم استغرابه لحضوره
عم الشيخ خميس دا ايه الزيارة ال…….. المفاجأة دي
تقطعت الكلمات منه حينما انتبه للرجلين الآخرين المرافقين له ليضطر ان يرحب بهما ايضا ولكن بتوجس
يا مرحب بالاستاذ نعيم منور يا عم جاد .
دلف الرجال بصحبته لتتلقفهم مزيونة بلهفتها
عم الشيخ خميس.
ربت الرجل العجوز على يدها بخفة ليضمها بين كفيه حتى جلس وأجلسها بجواره امام عرفان الذي تسربت داخله الريبة وهو يتابعهم.
ليبادره العم جاد الحديث بمراوغة
شكلنا فاجأناك بحضورنا لا تكون كنت مستني حد غيرنا .
ارتفع حاجبه باستدرك ليجيبه مرددا
كنت! لا مكنتش انا فعلا مستني ضيوف مهمين بس انتو كمان مفيش أغلى منكم مع اني مستغرب شوية
مجيتكم المفاجئة يعني
ليس غريبا عليه الجلافة في الرد رغم ادعائه غير ذلك لتسارع مزيونة في التصليح
البيت بيتك يا شيخ خميس انت والأستاذ نعيم وعم جاد زيارتكم انتو الأهم فعلا .
قالتها بمغزى نحوه ضاعف من شكوكه ليأكده المتر نعيم بقوله
اسفين على الزيارة لو جات في وقت مش مناسب على العموم احنا مش هنطول عليك هما كلمتين وهنلم نفسها ونقوم
كلمتين ايه
جاءه الرد من الشيخ خميس
كلمتين تقدر تعتبرهم نصيحة في البداية كدة قبل أي شيء احنا جايين نفكرك بالعهد اللي اتاخد زمان على ايدنا
احنا التلاتة وكان ساعتها معانا ناس ورحلو من ضمنهم الحج شريف الحر والد مزيونة واخوها اللي برا البلد دلوك في شغله افتكرتهم ولا تحب نعيد عليهم من تاني انا راجل كبرت صح لكن عقلي مازال بخيره
تغضنت ملامحه بغضب وقد بدأ عقله يفطن لمغزى الزيارة ليظل على صمته يتابع الرجل العجوز وهو يردف
خالفت ليه الشروط يا عرفان مش احنا متفقين انك هتعلم البت ولا انت هتخالف كمان وصية الراجل اللي حطها في رقبتك امانة قبل ما يمو,ت .
ااااه
صدرت من حلقه كزمجرة يركز ابصاره نحو زوجته التي تطالعه بتحدي يزيد من حنقه
يعني انتوا ملمومين بصلاة النبي جايين تفكروني بكلام عدى وفات عليه سنين لا وفي ايه في وقت ما انا مستني نسايبي اللي هيقروا معايا فاتحة البت على اساس اني راجل هفية هتبعكم واكسر كلمتي مع الرجالة مش عيب برضو ناس كبيرة وعليها القيمة زيكم يمشوا ورا مرة عقلها ناقص زي دي
انا عقلي يوزن مية من عقلك
صدرت منها كرد على كلماته لينتفض من محله صائحا بها
لمي نفسك يا بت
انا لسة حسابي مجاش معاكي اصلا راحة للرجالة الغريبة تلميهم عليا عشان يراجعوني في اللي يخصني ويخص بتي دا انا اكسرك انتي قبليها وماليكي عندي ديه.
تدخل العم جاد بحدة يوقفه
صلي على النبي في قلبك يا عم عرفان وبلاش الافترا مرتك احنا مش اغراب عنها ولا عنك انت كمان هي عملت بالاصول واحنا مبنعملش اكتر منها جاين نفكرك بالشروط القديمة وانت حر وهي كمان حرة تشوف مصلحتها ومصلحة بتها فين
بت ميييين
صدرت من عرفان بقوة وعيناه ذهبت نحو ابنته التي وقفت بالقرب تتطلع إلى ما يحدث بصمت ليشدد في توجيه الحديث نحوها ونحو الجميع
عشان نبقى واضحين الكلام في القديم عليه الرديم وبتي انا ابوها وعارف مصلحتها زين يعني لمتكم دي من غير زعل ولا كسوف ملهاش لازمة..
يبقى انت كدة جيبت آخرها وبرضك مفيش كسوف.
صاحت بها مزيونة امامه بقوة تسبق المتر نعيم الذي ايد ردها
واحنا على استعداد لكل الاجراءات
قالها الرجل لتبدأ حرب الكلمات بين عرفان المصمم على الفتك بها وبابنتها وبين الثلاث الرجال الذين تولوا اليوم مهمة الدفاع عنها.
وفي الخارج
كان قد توقف هذا العاشق بمساعدة صديقه الذي دله على العنوان ليمارس مهمته بنشاط في السؤال عنها وعن اسرتها حتى يتثنى له جمع المعلومات اللازمة لتقوية موقفه مع شقيقه امام المواجهة الحاسمة ضد والدته ولكن بعض الأصوات التي كانت تصدر من الداخل جعلته يسترق الانتباه مع صديقه وبعض الرجال الذين التفوا معه في تساؤول عما يحدث بالداخل حتى أوقفوا طفلا صغيرا من اهل المنزل للأستفسار منه
واد يا ناصر ايه اللي حاصل في البيت جوا
وانتم مالكم
قالها الطفل بجرأة غير عابئا بفضول الرجال الذين لم يملوا المحاولة معه
يا ولدي احنا بنسأل احسن عايزين نعرف بس عشان نطمن دا كمان في ضيوف دخلالكم
قال احدهم فتوجهت ابصار الجميع نحو مدخل المنزل الذي توقفت أمامه سيارة وترجل منها رجل وامرتان وشاب منمق الهيئة بصورة اثارت التوجس بقلب معاذ ليتدخل هو الاخر بسؤاله إلى ذاك الصغير المتمرد
هما الجماعة دول قرايبكم يا عسل
وفي إجابة أتت تزلزل الأرض من اسفله
لاه دا خطيب اختي والنهاردة قراية فاتحتها……
لم تكن صدمة بل كانت شيء اخر لا يعلم له اسمها جعله يشعر بتكسر قلبه إلى أشلاء متفرقة بوجع يفوق الاحتمال يكتنفه ولأول مرة حتى غادر دون الانتظار.
اما في الداخل وقد كانت المشاجرة على اشدها حتى دلف ضيوف عرفان المنتظرين تتلقفهم صفا المراقبة كعادتها من بعيد لتمارس دورها في استغلال الفرص فتزيد الوضع اشتعالا بإدخالهم وادعاء الترحيب حتى ان سألوا عن سبب الأصوات العالية والشجار وجهتهم بخبث نحو شقة مزيونة والجلسة الحامية داخلها.
وقد كانت تصل في هذا الوقت اشدها
طلجني يا عرفان ما دمت مش عامل قيمة لكلام الناس الكبيرة وعايزة تنقض الشروط يبجى ما بدهاش مفيش ولا سبب واحد تاني يخليني على زمتك .
قابل عرفان انهيارها بعنجهية وتكبر
دا لما تشوفي حلمة ودنك شكلك فاكراها سايبة مش انا اللي تمشي حرمة كلمتها عليا
تولى المتر نعيم الرد حازما يفاجئه
لا يا عرفان باشا مدام وصلت لكدة يبقى انت تستاهل الخلع اطمن احنا مشينا في الإجراءات من دلوك لأننا كنا عارفين اللي فيها .
خلع يا محامي الغبرة دا انا هطلع روحك النهاردة.
تمتم بها عرفان لينفض عنه الجزء الباقي من تماسكه
فينقض عليه يمسكه من رقبته غير مكترثا بكبر عمره ولا حتى توقير العجوز شيخ البلدة
حرام عليك شيل يدك عنه دا كد ابوك
صرخت به مزيونة في محاولة لم يستجب لها ينتوي تأدبيها فيما بعد لكن منعه زوج ذراعان قويان تسحبه بقوة عن الرجل ليتفاجأ بشريكه العيسوي وابنه العريس المنتظر همام….
صدمه افقدته النطق وقد اكتست ملامحه الحرج غير قادرا على مواجهتهم او الرد على اسئلتهم
ايه اللي حصل يا عم عرفان دا المتر نعيم مفيش راجل في احترامه ف البلد
الراجل في بيتك وبتتعرك معاه دا كلام برضك يا شريكي
امام ارتباكه الملحوظ وجدت مزيونة فرصتها
عايز يمو,ته عشان بلغه بالدعوة اللي رفعتها انا عليه عشان يخلعني منه.
سمع منها واشتعلت رأسه يقاوم تكبيل الرجلين له يريد الفتك بها
خلع لما يخلع ضروسك دا انا اخلع روحك جبلها.
أوقفه الرجال بالعنوة تقدمه نحوها ليحكما السيطرة عليه ولتضاعف هي من حرجه اكملت
همام يا عيسوي مع احترامي ليك ولابوك ولعيلتك كلها
انا معنديش بنات للجواز دلوك يا ولدي بتي هتكمل تعليمها.
لاااا دا انتي بجى اللي جبتيها لنفسك.
قالها ليتمكن هذه المرة من ابعاد الرجلين عنه وقد نالت منهما الصدمة لترتخي ذراعيهما ويتمكن هو من إزاحة العم جاد الذي حاول ان يتصدر له
فلم يتبقى سوى الشيخ العجوز والمحامي الكهل هو الاخر كجدارين ضعيفين لحمايتها يعلم أنه قادر على دفعهما بإصبعه حتى يصل اليها ويخنقها أمامهم لكن اوقفه صرخة واحدة أتت من داخل المنزل لفتت ابصار الجميع نحو صاحبتها وهي تجري مندفعه نحو والدتها صائحة.
إياك تقرب من امي والله أرمي نفسي في المشروع لو مسيت شعرة منها
ضمتها مزيونة اليها تحميها وتحتمي بها في نفس الوقت فتزيد عليه ليلى بجرأتها
اسمع يا عم عيسوي انت وولدك انا مع امي في اي كلمة تقولها ولو ابويا مشى كلمته هيبجى غصب
عني لو تقبلها على نفسك انت وولدك عاد
جاء رد الرجل الفوري بإحباط تخلل نبرته موجها نظرة قاسية نحو شريكه
لا يا بتي وعلى ايه انا ولدي تتمناه الف واحدة غيرك احلى وأصغر كمان يا للا بينا يا همام.
جر الاخير اقدامه بصعوبة موجها ابصاره نحو عرفان الذي شعر وكأن برميل مياه باردة أسقطت عليه بعد ان فقد احترامه ومكانته امام الجميع مصمصت الشفاه من النساء الواقفة في مدخل الشقة بجواز زوجته الثانية صفا والتي لم تقصر هي الأخرى كرامته التي صارت في الأرض تحت
اقدام تلك المزيونة وابنتها وقد تحلت بالقوة اليوم من اجل ان تكسره ولكنه لن يسمح
على صوته فجأة يلملم المتبقي منه كي يرد اعتباره منتقما منها
مزيونة يا بنت شريف الحر……. انت طالق تلمي هدومك وتاخدي بتك في يدك من الليلة ملكيش بيات فيها
وقد كان
رمى عليها يمين الطلاق لتترك منزله بحقييبة ملابسها وتأتي لتبيت ليلتها هنا داخل منزل والديها الطيني القديم رغم اصرار الثلاث رجال من أصدقاء المرحوم والدها لأصطحابها إلى منازلهم أو على الأقل الذهاب بها إلى منزل شقيقها الغائب هذه الليلة في عمله حتى يعود ولكنها رفضت ان تحمل احد مسؤوليتها تحمد الله انها نظفته صباحا من الاتربة ليتثنى لها الآن النوم على حصيرة نظيفة كانت قد فرشتها على الأرض ومعها وسادة وغطاء يضمها مع ابنتها التي التصقت بها تستمد الدفء منها
تفتكري هنقدر نكمل ياما منين هنجيب حق الدروس والاكل والشرب والمدرسة انا مصاريفي كتيرة ياما وخالي يدوب بيكفي مصاريف بناته.
زادت مزيونة من ضمها إليها تطمئنها قائلة
ومين جالك اننا هنعتمد على خالك ولا غيره احنا دلوك بقينا احرار لو هناكلها
بدقة مش هنجصر هتتعلمي يا ليلى غصب عن الظروف وعن الكل سمعاني يا بتي .
سمعاكي ياما.
غمغمت بها بصوت ناعس لتغوص بعدها في عالم الاحلام فتبتسم والدتها بحب وقد نالت غرضها اخيرا بالخلاص منه ومن كل ما يخصه ولتبدا من الغد رحلة كفاح اخرى أقوى واشد عما سبق ولكن تميزها الحرية وما أجملها من كلمة
غلبها النوم هي الأخرى حتى ايقظهم صوت طرق قوي كاد أن يخلع الباب وصياح من الخارج
افتحي يا مزيونة الليلة دي هخلص عليكي انتي وبت الكل…… التانية
انتفضت هي وابنتها عن الفراش بجزع لتذهب نحو اول شيء وجدته امامه عصا والدها الراحل امسكتها ليخرج صوتها بتهديد رغم ارتجافه
امشي وروح على بيتك يا عرفان ما تجيبش لنفسك الكلام انت خلاص بقيت طليقي يا افضحك واقول بووو
ضحك بشر مغمغما
والله ضحكتيني طب صرخي مع نفسك بقى.
قالها ليشرع بعدها في كسر الباب الخشبي عبر الدفع بجانب الجسد الضخم عليه مرة واثنان والثالثة كان في الداخل معهما مرددا بفحيح
هااا وريني بقى صوتك هيوصل لحد فين عشان انا الليلة دي مش هعتقك لا انتي ولا بتك
صرخت بأعلى صوتها فور أن انقض عليها يحاول نزع العصا منها حينما حاولت ضربه بها.
بعد عنينا يا عرفان انت مش طلقت وخلاص خلصنا منك .
اه يا حلوة ما انا طلقت بس لازم اربيكم الليلادي.
قالها لتنشب بعد ذلك المعركة الغير متكافئة بينه وبينهما يضربها وتضربه وليلى التي كانت تحاول دفعه عن والدته تطولها يده هي الأخرى يفاجئه القوة الجديدة من مزيونة ورغم ذلك هو عازم على كسرها الليلة واخذ حقه منها في الحرام مادامت لم تقبل به في الحلال
بعد عني يا عرفان
ابعد عن امي حرام عليك يا ناس اللحقونا ياناس
تلك الأصوات التي صارت تصدح في اجواء المكان الخالي إلا من محاصيل الخضروات والأشجار في تلك الليلة الغريبة لتصل إلى ذلك الذي كان يقود السيارة عائدا من سفرته السريعة ليفاجأ بمصدرها من داخل المنزل المهجور كما يعلم والوحيد في هذا المنطقة.
وبدون ادنى تفكير أوقف السيارة يترجل منها مهرولا نحو المنزل المفتوح على مصراعيه ليتفاجأ بما أشعل الدماء برأسه تلك الجميلة التي رأها اليوم يضربها رجل في قوة الثور وهي تقاومه بما تستطيع وابنتها تساعد
بتمد يدك على حريم يا عديم النخوة
صدرت منه تلفت الانتباه نحوه قبل أن يهجم بقوته يسحب عرفان إليه فيباغته ليقع ارضا فاقدا للوعي فصرخت ليلى
ابويا ليكون مات ياما ليكون مات
شعر بالحرج والتف نحوها باعتذار
انا اسف لو أدخلت مكنتش اعرف جوزك
طليجي مش جوزي.
وصلت إليه العبارة كماء مثلج رطب على قلبه فاندفع يريد المزيد من التأكيد
يعني مش متجوزة حد غيره
لا يا أخينا لا هو ولا غيره دا انا ما صدجت خلصت منه اصلا.
شعور بالارتياح كاد أن يفقده صوابه لولا استدراكه لخطورة الموقف وهذا الأحمق الذي كان تسطح الأرض كالجثة امامهم ليجثو بركبته اليه يتقحص حالته ثم ينهض سريعا يهديء من روع الاثنتان
اطمنوا متقلقوش دلوك اخده ع المستشفى نسعفه يا ابعت لحد من عيلته يشيلوا نصيبتهم مع نفسهم.
ردت مزيونة بتحدي
يبجى التانية انا همليك نمرة عيال عموا عشان ياجو وتشهد بنفسك على اللي شوفته يا استاذ ااا
حمزة حمزة القناوي بس ياريت قبل كل شيء تغطى نفسك عاد الأول لا مؤاخذة يعني .
قال الأخيرة يبعد ابصاره عنها بصعوبة لتتدارك هي لنفسها بتلك العباءة النصف الكم التي كانت ترتديها وشعرها المنطلق دون حجاب او طرحة يزين جانبي وجهها فشهقت تهرول أمامه بخجل.
يا مري انا كنت نايمة وماخدتش بالي منك لله يا عرفان
ضحك بخفة يحاول التخفيف عنها رغم سعادته بمشهدها الفاتن والذي سوف يظل عالقا بذهنه إلى انتهاء عمره
مستورة يا بوي مستورة
….يتبع
الفصل الخامس
وصل إلى المنزل والشمس يطل ضياؤها على الأرض باستيحاء في هذا الوقت المبكر من الصباح بعد الفجر يجر أقدامه جرا من التعب بعد انتهائه من تلك المشكلة بتسليم هذا الأحمق لعدد من أفراد عائلته وشهادته لهم بما حدث بناء على رغبة تلك المرأة الجميلة وابنتها الفتاة التي أذهبت عقل شقيقه من نظرة واحدة. الآن فقط يعطيه الحق بعد أن رأى والدتها.
تنهد بقوة ليسقط بثقله على الفراش فيتسطح عليه بظهره دون حتى أن يخلع عنه ثيابه فاردا ذراعيه وأبصاره للأعلى نحو السقف. جسد منهك لا يعلم ما الذي أصابه ربما كان ذلك نتيجة السفر والقيادة لمسافات طويلة وربما الشجار مع هذا الثور وانفعاله عليه وضربه وربما هي تلك المشاعر التي عصفت به كرياح موسمية شديدة القوة تقلب حتى الثوابت الصلبة في الأرض رأسا على عقب.
من كان يتصور أن رجلا مثله يسقط في فخ النظرة الأولى وكأنه فتى مراهق يشعر أنه قد تفوق على شقيقه في هذا الأمر. لا يعلم لم يكتنفه إحساس قوي أن وجهها مألوف إليه رغم انبهاره بجمالها الفاتن
فتح عينيه فجأة يتذكر شقيقه وهذا السكوت الغريب منه لقد توقف عن الاتصال به منذ آخر مرة هاتفه بعد أذان المغرب تقريبا إنها سابقة غريبة بالفعل خصوصا في هذا الوقت والحماس يدفعه دفعا من أجل الارتباط بحوريته.
حاول رفع رأسه يهم بالنهوض لرؤيته ولكن غلبه التعب لتعود مرة أخرى إلى الوسادة يغمغم بصوت ناعس
بكرة الصبح بجى…… بكرة الصبح…… اشوفك يا واد ابوي.
أما عن معاذ فقد كان في غرفته الآن جالسا متربع القدمين على السجادة بعد انتهائه من صلاة الفجر وقراءة القرآن والورد اليومي أيضا ينتظر مرور الوقت حتى يأتي موعده. وقد كره البلدة وكره البقاء فيها بعد سماع الخبر المشؤوم بخطبتها. يأمر عقله بعدم الاستسلام لأهواء النفس والتفكير في امرأة لم تعد تحل له ولكن قلبه الملتاع يغلبه وشيء ما يخبره أن هناك خطبا ما أمل في الطريق يحاول عدم الانجرار خلفه حتى لا يدخل في دوامة الأوهام ليجد نفسه في الأخير وبدون إرادته يتضرع بالدعاء
ياارب ان كان ليا نصيب فيها فعجل بالفرج او عاطيني إشارة وأن مكانش يبقى اصرفني عنها واصرفها عني وارضيني بنصيبي.
وعند مزيونة التي انتظرت انتهاء اللحظات الصعبة بانصراف الجميع ومغادرتهم ساحبين الأحمق زوجها السابق يحمل خزيه وخجله منهم مع جرح رأسه وكرامته التي يهدرها بتهوره وفعلته الشنعاء بالتهجم عليها وعلى ابنتها داخل منزل والديها القديم في المنطقة المنعزلة مستغلا عدم وجود رجل أو عائلة أو حتى جيران تحتمي بهم منه. ولكن الله كان له بالمرصاد ليكشفه. لن تنسى أبدا حرجه الشديد وعدم قدرته على رفع أبصاره في أعين الرجال.
تحمد الله على مرور هذا الغريب في الوقت المناسب بالقرب منهم كي ينقذها هي وابنتها التي عادت للنوم مرة أخرى رغم شكواها من وجع في يدها لتتولى هي البدء في ترتيب المنزل حتى يصلح للسكن الآدمي بعد هجره منذ سنوات طويلة برحيل والديها وسكن شقيقها في منزل آخر.
انتهت من غسيل المرحاض جيدا ثم بدأت في إخراج الأواني من المطبخ الخشبي كي تعيد تنظيمه بقلبه رأسا على عقب حتى يصلح للعمل
به. تعلم أن ما ينتظرها كثير وهي على أتم الاستعداد للتحمل. ولكن الآن عليها الإعداد للإفطار وسوف تضطر للخروج لابتياع طعام جاهز أو حتى خضروات أي شيء يصلح لسد رمقهم حتى تتمكن من تشغيل الموقد الغازي أو حتى موقد طيني لن تغلب. لقد تحملت المسؤولية ولابد أن تكون بقدرها.
ليلى بت يا ليلي انتي صحيتي ولا لسة
هتفت منادية بها وهي تغادر المطبخ ساحبة بيدها عباءتها السوداء من أجل ارتدائها والخروج ولكن أوقفها الفتح المفاجئ للباب الخارجي للمنزل ودخول شقيقها الوحيد وصفي ليسارع بإلقاء التحية والتبرير بعد أن انتبه لنظرة الجزع التي احتلت ملامحها
معلش لو خضيتك بس انا فتحت بمفتاحي
استيقظ بعد عدد قليل من الساعات مستعيدا نشاطه بهمة وعزم محددا أهدافه جيدا متخذا طريقه نحو غرفة شقيقه وحين لم يجده نزل إلى الطابق الأرضي حيث الجلسة اليومية لوالدته وسط أحفادها وعدد من شقيقاته وبنات عمه هالة وإسراء… وحين انتبه إلى الأخيرة تذكر على الفور شقيقه.
عاملين ايه يا جماعة منورة ياإسراء
دا نورك يا حمزة يا واد عمي كلك زوق والله يا ابو ريان
أجابته برقة وعذوبة ليست غريبة عنها فهذا ما يجعل والدته تصر عليها بشدة لتزويجها من معاذ لعلمها بطبيعة الفتاة. ولكن القلب وما يهوى ولأنه يعرف جيدا بهذا الأمر يساند شقيقه حتى رغم رغبته هو أيضا في ذلك فهي تكاد أن تكون مكتملة المواصفات الجيدة عكس شقيقتها هالة التي لا تملك إلا الجمال فقط.
ليبادلها الرد بابتسامة لطيفة قبل أن تتدخل والدته بأسئلتها
محدش حس بيك يعني لما جيت انت نمت في البيت ولا رجعت من سفرك الصبح
أجابها وهو يقترب يصافح شقيقاته وأبناءهن
لا رجعت بعد الفجر يا ست الكل وخطفتلي ساعتين نوم ريحت بيهم جسمي اللي كان متكسر ازيك يا ام ياسين ازيك يا ام تبارك عامل ايه يا واد يا ادم انت لسة مطولتش يا حزين جاعد قرد زي ما انت.
انا قرد برضك يا خال دا انا أطول من ولدك.
كداب انا ولدي طالع طويل زيي..
طب حطنا جمب بعض ونشوف
تعالي يا سيدي واد يا ريان خليه يشوف طولك ياض.
تركته حسنية يشاكس الأطفال ويمازح شقيقاته حتى إذا توقف قليلا باغتته بفراستها
يعني لحقت تنام وتصحى فى ساعتين عشان تجوم بدري كدة تتسبح وتلبس الحتة اللي على الحبل دا باين وراك مشوار مهم جوي.
تبسم يرضي فضولها قليلا
هو مشوار مهم بس مش سر حربي يعني ارجع بس واحكيلك على كل حاجة هو الواد معاذ فين مش جاعد في اوضته.
جاء الرد هذه المرة من هالة التي بدت وكأنها تتحين الفرصة للتحدث معه
معاذ صحي الصبح وفاجأنا انه مسافر أسيوط جال عشان يستلم الشغل بتاعه لم شنطته ودلوك تلجاه برا هيركب العربية مع خليفة اللي هيوصله لحد القطر.
وه
تمتم بها حمزة باستنكار موجها حديثه نحو والدته وشقيقاته متجاهلا من أخبرته
مسافر كدة على طول من غير ما يديني علم الواد دا مخه مفوت ولا عقله طار منه
قالها وتحرك بأقدامه متخذا طريقه للخروج ليأتي تعقيب والدته من خلفه
ما هو من الصبح بيرن عليك والتلفون يديه مغلق مكانش يعرف انك في الاوضة اللي جمبه.
لم يعلق واستمر بخطواته السريعة حتى أصبح خارج المنزل يبحث عنه بعينيه حتى تفاجأ به داخل السيارة التي تقطع مخرج البوابة الحديدية. فتناول هاتفه على الفور واتصل به حتى استجاب ورد بفتور
ألوو يا حمزة انت….
انا إيه يا حمار انت مسافر فين من غير ما تبلغني يا زفت.
وصله زفير أنفاس مشبعة بالإحباط يجيب بصعوبة
يا عم انت مين جالك بس انا اصلا تعبان و حاسس نفسي مخنوق عايز اسيب البلد واللي
فيها حاولت كتير اتصل بيك لكن كان تليفونك مغلق بصراحة مقدرتش استنى انت راجع امتى من سفرك
راجع امتى!
تمتم بها بسخرية اختلطت بغيظ شديد نحو هذا الأحمق الذي لو نظر فقط في مرآة السيارة لراءه ليردف مرددا بعناد
راجع وقت ما راجع غور يا معاذ مطرح ما انت غاير انا مش طايق خلجتك أساسا غووور.
وأغلق الهاتف بوجهه ليتطلع به الاخر بدهشة
وه دا ماله ده!
أما عن حمزة وفور أن أغلق الهاتف هم بالرجوع إلى المنزل حتى وقعت أبصاره نحو القادمة باتجاهه شقيقته الوسطى منى التي كانت تقابله بابتسامتها كالعاده ليتأملها بتفكير وتمعن حتى اقتربت منه تشاكسه كعادتها
سرحان في ايه يا ابو ريان لتكون بتحب جديد يا واد ابوي
ختمت ضاحكة قبل أن يجفلها ويسحبها من يدها
لا مش بحب بس عايزك في كلمتين.
وه كلمتين ايه إنت واخدني ورايح بيا فين اصلا
أكمل بسحبها قائلا
هفهمك واحنا في الطريق متقلقيش
جادلت رغم استسلامها لسحبه بطرافة لا تتخلى عنها حتى أصبحت سمة تميزها عن الجميع
مقلقش كيف بس وانت واخدني مشوار مش عارفاه ومن غير ما اخد شورة ماي هسبن منصور منص جوزي.
دفعها داخل السيارة كاظما على أسنانه
يا ختي متشليش هم منص مشوارنا في البلد اساسا مش طالعين منها.
لتعلق ضاحكة باستمتاع وهي تتكئ بظهرها على الأريكة الخلفية فاردة ذراعيها بأريحية.
ولو برا يعني هيعمل ايه اااه يا بوي خلينا نجرب العربية الجديدة.
وفي الجهة الأخرى حيث الجلسة التي تجمع مزيونة بشقيقها داخل منزلهم القديم يخاطبها بعتب وغضب يحاول كبحه
دا برضو كلام اسمع زيي زي الغريب باللي حاصل طب كلفي نفسك برنة حتى على الاقل احس انك عبرتيني وعملتيلي قيمة زي الجماعة اللي روحتي وطلبتيهم يحضروا معاكي.
تقبلت نقده بصدر رحب قائلة
معاش ولا كان اللي يقلل منك يا واد ابوي بس انت عارف عرفان غشيم إزاي وأنت عصبي مش هتتحمل دا غير ان الأمور كلها جات في يوم واحد يعني كنت هتصل بيك كيف وانت برا المحافظة في شغلك
كنتي اتصلتي يا مزيونة وانا كنت هاجي واقطع ورديتي حتى عشان محسش اني خيال مجاتة ولا كيف الأطرش في الزفة وأنا الرجالة بيحكولي دلوك على اللي حصل مش شايفاني راجل واقدر احميكي يا خيتي ولا اجبلك حقك
زمت شفتيها باستياء لتنهض وتجلس مجاورة له ترضيه
انت تعرف عني كدة برضو هو انا ليا مين غيرك اصلا بعد اللي راحو دا غير إني اتصلت الصبح بيك
متنكرش اصله كمان كل حاجة جات بسرعة يعني انا كنت أتوجع مثلا ان عرفان يطلجني ويحلف عليا مباتش في بيتي لا انا ولا البت.
غمغم بغضب ردا عليها
قليل الاصل الدون بيرمي مرته وبته في أنصاص اللياليوكمان ياجي يتهجم عليهم زي ما سمعت انا دلوك بس عرفت باللي عمله لولاش بس الفضيحة وإني مش عايز مدبحة بين العيلتين لكت خلصت عليه في بيته بس اني راجل واعرف العيبة مش زيه.
مالت متمتمة بتأكيد
طبعا راجل وسيد الرجالة بس انت مش محتاج تأدبه كفاية عليه اللي هو فيه دا انت لو شوفت منظره والرجالة مسنداه امبارح طالع من البيت زي العيل اللي عاملها على نفسه.
احسن يستاهل الكسوف بعد عملته المهببة.
سكت برهة ليتابع بعدها
بس انتي ملكيش جعدة هنه جومي هاتي خلجاتك اللي لسه في شنطهم وتعالي معايا على بيتي.
عارضته بلطف لا يخلو من حزم
معلش يا وصفي بس اني مش هتعتع من مكاني ده ولا هروح اي حتة تانية دا بيت ابوي يعني جنتي وحريتي اللي ما صدقت طولتها.
وبيت اخوكي ما هو برضو بيتك وجنتك انت وبتك يا مزيونة ولا عندك شك فيها دي
أمام إصراره الشديد علمت أنها لن تجد فرصتها إلا بالانفجار
لا معنديش يا وصفي بس انا مش هلاقي راحتي غير هنه وانا مش عايزة أحس إن حمل تقيل على حد يعني بلاش تضيق عليا
الله يرضى عنك نفسي بقى انفذ قرار انا عايزاه ولا هفضل طول عمري كدة مليش كلمة حتى على مصيري.
سمع منها ليغمض عينيه لاطما كفيه ببعضهما مرددا بقنوط وقد فطن إلى ما ترمي إليه عن ذلك الذنب القديم والقضاء على طفولتها بالزواج المبكر
تاااني يا بت ابوي تاني يا مزيونة بتفتحي في الجرح القديم ما انتي شهدتي وشوفتي بنفسك ابونا عاش لحد ما مات واكله الندم بذنبك وانا نفسي بعمل كل اللي يرضيكي عشان اعوضك نعمل ايه تاني بس
متعملش حاجة يا وصفي عشان انت عارف إني مسامحة انا بس طالبة تسيبني علي حريتي مش أكتر.
تنهد يمسح بكفيه على صفحة وجهه بتعب بعد حصارها له وحشره في تلك الزاوية زاوية الندم إن صمم وأجبرها على ما يريد والتي لا يوجد منها هروب سوى الموافقة حتى وإن كانت على غير إرادته
ماشي يا مزيونة هسيبك براحتك بس تقدري تقوليلي لو رجع عرفان واتهجم عليكي تاني هتعملي ايه
أجابته بثقة
مش هيقدر يعمل حاجة بعد ما اسود وشه بعملة امبارح دا غير ان انا كمان هكون مستعديه ليه ولغيره هطلع بندقة ابويي النهاردة وانضفها والعيار اللي يطلق في الهوا حتى لو مصابش يكفي انه يخوف ويصد أي مخلوق انه يهوب نواحينا.
توقف هذه المرة يتابعها بتأمل لقد كبرت شقيقته ونضجت لترمم جراحها. والسبب الرئيسي الذي عاشت من أجله هو الدفاع عن صغيرتها ومستقبلها حتى لا يتكرر لها ما حدث معها.
بنبرة دافئة تحمل في طياتها الكثير من المشاعر دون أن يفصح بها اللسان تحدث بتسامح
خلاص جومي طيب صحي البت ليلى خليني اصطبح بوشها الحلو وابوسها قبل ما اطلع اجيب الفطار واجضي اليوم معاكم انا عارف البيت محتاج شغل كتير وعايز يد راجل خلينا نعدله زين دا ريحة الحبايب.
هبت تقفز منتفضة من مكانها بجواره بلهفة وحماس طفلة في الخامسة من عمرها
تسلملي وما يحرمني منك يا قلب اختك وليك عليا اعملك من يدي احلى وكل نتغدا ونتعشى مع بعض كمان..
تبسم لها برضا لتتحرك من أمامه نحو الغرفة التي نامت بها ليلتها مع صغيرتها لتتفاجأ بالأخيرة جالسة على الحصيرة التي نامت عليها متقوقعة بصورة أثارت قلقها.
بت يا ليلى مالك انتي في حاجة وجعاكي
توجهت إليها بالسؤال لتفاجأ بها حينما رفعت وجهها المغرق بالدموع بصمت أثار هلعها فهرعت إليها بفزع.
يا مري اللي صايبك يا حزينة
رفعت إليها ذراعها الذي كانت تخفيه عنها أسفل الغطاء فسقط قلب الأخرى من الرعب وهي تخبرها بشهقات متقطعة
دراعي من ساعة العركة مع ابوي وهو واجعني ودلوك حساه وارم.
دلوك ! دلوك بس اللي حسيتي انه وارم يا ليلى
صرخة خرجت من حلقها حتى أتت بشقيقها من خارج الغرفة ليستكشف الأمر.
ايه ف ايه ايه اللي حصل مالك يا ليلى
جاء سؤاله الأخير وقد انتبه هو الآخر ليسقط بجوارهم يتفحصها بقلق أصابه فانطلقت مزيونة تضرب على فخذها شاكية
شوف بنفسك يا واد ابوي البت
وابوها هيمو,توني ناقصة عمر هو يجدحها على دراعها و يكسره ساعة ما كنا بنتعارك معاه وهي تخرص وتفضل كاتمة على الوجع لحد ما ورم زي ما انت شايف وانا اللي مفكراها نايمة طب تقولي كنت اتصرفت.
انطلقت ليلى في نوبة من البكاء تبرر فعلها.
والله كنت فاكراه وجع وهيروح ما كنتش أتصور انه هيوصل لكدة.
وصفي إليه ليهدئ من روعها آمرا شقيقته المرتعبة هي الأخرى بحزم حتى تكف عن المزيد من الندب.
خلاااص حصل اللي حصل ملحوقة ان شاءالله انا هاخدها دلوك على اقرب دكتور يشوفها بس انتي لبسيها حاجة غير العباية البيتي دي على ما اتصل اشوف حد يوصلنا يا اما اسحبكم معايا على الجسر اللي ورانا وأي عربية نوجفها توصلنا.
وفي داخل السيارة التي كان يقودها برفقة شقيقته وبعد أن قص عليها ما حدث والمطلوب منها الآن صدر ردها باستهجان
يعني عايزني ادخل على واحدة معرفهاش يا حمزة دا برضو كلام
بقولك حالة انسانية يا منى الست مع بتها في البيت لوحديهم شكلهم ساكنين جديد هتدخلي تطمني عليهم وتشوفي دنيتهم إيه ليكون الراجل طليقها اتعرضلهم تاني ولا عمل اي حاجة تضايجهم.
تمتمت خلفه بدهشة
يعني هيكون لحق في اللحظة اللي نمتها ولا هتقومله قومة تاني بعد ما جرب راسك الناشفة دي يا حمزة دا اقله ان ما رقد فيها شهر.
رمقها بضيق مشددا عليها
مش لازم يكون عشانه انا عايزك بس تطمني وتتعرفي عليهم انا راجل ودخلتي تقيلة ومتنفعش على اتنين حريم ما تفهمي بقى يا منى.
لم تعلق هذه المرة وقد اكتفت بمطالعته بنظرة كاشفة وابتسامة خبيثة فهم عليها حتى أثارت استفزازه.
عليا النعمة يا منى لو زودتي في الحديت هنزلك هنه وخلي الغندور بتاعك ياجي يستلمك من نص الطريق.
سمعت منه لتردد ضاحكة
منص ما انت عارف انه ما هيصدق يلاقيني بطولي من غير العيال عشان ياخدني يفسحني ويتفسح معايا عقله خفيف وانا اخف منه.
حدجها بغيظ شديد لتعود مصححة
خلاص يا عم متزعلش هروح وادخل ع الست واعمل الواجب حتى عشان اشوفها بالمرة واعرف ايه سر إهتمامك بيها.
تمتمت الأخيرة بصوت خفيض حتى لا يصل إليه وينقلب عليها. وما هي إلا دقائق قليلة حتى وصلوا بالقرب من المنزل القديم وقبل أن تصدر استفسارها وجدت الباب يفتح أمامهم ويخرج منه أحد الرجال ما جعل حمزة يغمغم متسائلا
دا مين ده كمان
انت متعرفوش
تساءلت بها من خلفه ليرمقها بنظرة محذرة جعلتها تغلق فمها حتى وقعت عيناها على امرأة جميلة تخرج خلف الرجل تسحب فتاة صغيرة لا تبدو على ما يرام.
وه ليلى
ليلى مين
صدر سؤالها بعدم فهم وقد أجفلها بالترجل من السيارة يهرول نحو المذكورين باهتمام جعله يغفل عن وجودها معه وكأنه نسيها لتتبعه هي الأخرى مغمغمة بحنق
قلة زوق.
أما هو وفور أن وصل إليهم ليفاجأ الثلاثة بحضوره قائلا
ايه الحكاية يا جماعة ليكون حصل حاجة بعد ما انا مشيت الراجل ده اتعرضلكم تاني
طالعه وصفي باستغراب واستفهام فهمت عليه شقيقته لتسارع بالتعريف به
دا الاستاذ حمزة القناوي يا خوي اللي وقف لعرفان ساعة ما اتهجم على البيت .
أومأ وصفي برأسه بتفهم ليتكفل بالرد عليه
الف شكر يا أستاذ حمزة على معروفك انا لو هشكرك من هنا للصبح مش هيكفي جميلك ده هيفضل دين في رقبتي لحد ما امو,ت ثم تابع معرفا نفسهاني ابجى وصفي اخوها.
بعد الشر عليك يا عم وصفي انا معملتش اكتر من الواجب لكن انتوا برضو مقولتوش البنية الصغيرة دي مالها ماسكة دراعها كدة ليه
قال الأخيرة بإشارة نحو ليلى التي كانت تتوجع بصمت لتجيب عنها والدتها
منه لله ابوها زاحها ووجعت عليه ساعة ما كان بيتهجم علينا صحينا لقيناه وارم قولنا نروح نكشف لها ونشوف
أضاف عليها وصفي
اكيد مفيش دكتور فاتح دلوك في البلد انا هاخدها اقرب مستشفي في المحافظة.
هتاخدها كيف معاكم عربية
لا طبعا بس الجسر قريب منينا اي عربية نوجفها توصلنا .
توجف عربية وانا موجود
قالها حمزة ليردف بإنفعال
أمال عربيتي دي ايه لزمتها ياللا يا عم وصفي تعالوا اوصلكم في سكتي
يا سيدي مش عايزين نتعبك دي …….
لا يا عم إيه اللي انت
بتقولوا ده والله ما ينفع البت عيانة انتو لسة هتستانوا
كان متشددا بإصراره حتى أضحض اعتراضهم وأجبرهم على الانضمام معه في السيارة أمام منى التي قد نساها بالفعل وقد كان على وشك الذهاب حتى لوحت له هي بيدها من خلف زجاج النافذة الأمامية ليتذكر ويقدمها لهم
ااه صح تعالي يا منى دي الحاجة منى اختي يا جماعة كانت جاية تتطمن عليكم بنفسها تعالي يا منى عشان تروحي معانا.
دلفت تنضم إلى الكنبة الخلفية بجوار ليلى ووالدتها لتصفق الباب بقوة وغيظ مرددة
لا مؤاخذة يا جماعة .
في منزل عرفان الأشقر والذي يتخذ الصمت منذ الأمس منهجا أمام النقد والتوبيخ الذي يتلقاه من أفراد عائلته الصغار قبل الكبار حتى زوجته صفا هي الأخرى لا تقصر ولكن بخبث اعتادت عليه حتى تتجنب العقاب.
دلفت إليه داخل غرفة نومه وقد كان شاردا فيما حدث لتلقي بكلماتها السامة
اخبار راسك ايه دلوك يا عرفان على الله بس تكون راقت من اللي فيها.
اعتدل هذه المرة يعقب سائلا
قصدك ايه يا ست البرنسيسة وضحي بلاش الكلام المتنتور شغل الحيايا دا جني وزويلي.
ظل محتفظا بجموده يطالعها دون أدنى تعبير ثم اتخذ طريقه للخروج مغادرا يتركها في نحيبها وبكائها ودعواتها.
ان شاالله يدك تتشل يا بعيد.
وفي داخل المحافظة توقفت سيارة الشقيقين لتزويدها بالوقود وتكفل خليفة بشراء المشروبات الغذائية من بقالة المحطة تاركا شقيقه المكتئب عكس طبيعته الفوضوية واقفا بجوار السيارة متأففا بحنق متعاظم حتى علق فور رؤيته
تلت ساعات بتشتري علب كنز وبسكويت يا خليفة ما كنت بيت احسن في المحطة وبلاها اسافر انا النهاردة خالص.
رد خليفة ببساطة
ومالوا يعني هيحصل ايه هيفوتك الامتحان مثلا خد يا واد ابوي وروق نفسك مفيش حاجة مستاهلة امو,ت واعرف ايه اللي مضايقك بس .
تناول معاذ منه عبوة المياه الغازية يتجرع منها بكثرة ليقول بضيق
حتى لو خلصت امتحانات برضو عايز اسيب البلد واهج لو حصلت اعمل دراسات عليا واشتغل هناك عشان معتبش البلدي دي هعملها بلا وجع قلب وقرف
اومأ خليفة يحرك رأسه باستدراك
اااه يا بوي مدام جيبت سيرة القلب يبقى هو ده السر كبر مخك يا حبيبي ياما غيرك حب ومطالش رضي بنصيبه وياريت نصيبه راضي بيه.
قطب معاذ يطالع شقيقه الأوسط بتساؤل عن مغزى الكلمات المبهمة هل يقصد ذاته بهذه الكلمات ولما وهو الذي اختار هالة ابنة عمه زوجة له بعد رفض حمزة الزواج منها.
دي عربية حمزة
قالها خليفة لتلتف رأس الآخر نحو السيارة المألوفة التي تمر في الاتجاه الآخر وفي الأمام رجل لا يعلمه بجوار شقيقه أما في الكنبة الخلفية شقيقته منى و… اللعنة هل ما يراه حقيقة أم محض خيال أيعقل أن تكون ليلى ووالدتها معه
أم أن المرض زاد به حتى أصبح يتوهم أشياء لن تحدث
دي اختك منى ومين البتين الحلوين اللي راكبين معاها دول كمان من ورا
راكبين معاها يعني انا مبخرفش ولا بتوهم وأنت شايفهم زي ما انا شايفهم
صاح بالكلمات معاذ أمام شقيقه الذي نهره بضيق
ايوه يا عمنا مالك انت هتخرف ولا ايه بس شايفهم زي ما انت شايفهم وهما مين دول اساسا
ردد من خلفه معاذ بعدم تصديق وكلمات غير مترابطة
لا والله ما خرفت بس مستعجب انهم راكبين مع حمزة ومنى معاهم كمان و….. استنى هنا…….
توقف فجأة يمسكه من تلابيب ملابسه مردفا بتحذير
انت كيف صح تعاكس بنات الناس وتقول عليهم حلوين عيب عليك يا خليفة احترم نفسك.
بعد قليل وبداخل المشفى كانت ليلى جالسة على مقاعد الاستراحة بعد أن شخص الأطباء حالتها مبدئيا وقاموا بعمل الأشعة اللازمة لغرض التأكد قبل اتخاذ أي خطوة.
تضمها والدتها إليها كي تهون عليها رغم وجعها المضاعف بسبب ألم ابنتها ربما تخفف عنها.
خلاص يا نور عيني كل حاجة هتخلص النهاردة وبعدها ماهتحسيش بأي حاجة هي بس لحظة الوجع تمر وبعده كله يروح.
يارب ياما يارب انا تعبت جوي.
زادت من ضمها تقبل رأسها
سلامتك يا حبيبتي الف سلامة.
تدخل وصفي الجالس بجوارهم
ليلى جدعة وبألف راجل زي أمها صح يا بت اختي الغالية
أومأت بتحريك رأسها بعينين دامعتين رغم الألم الساكن في ملامحها الجميلة لتزيد على تعب والدتها التي تمنع دموعها بصعوبة. منتبها لها ذلك المراقب من الجهة المقابلة حيث كان جالسا بجوار شقيقته التي كانت تتابعهما بتأثر لتفاجئه بقولها
على فكرة انا عرفتها الأول كانت تايهة عني بس دلوك اتأكدت
هي مين
مزيونة.
التف نحوها باهتمام فور أن استمع للاسم
عرفتيها ازاي وكيف
ردت تجيبة بهمس وحرص
كانت معايا ايام الاعدادية بس انا كنت سابقاها بسنة بس اللي عرفته انها مكملتش الشهادة سمعت انهم جوزوها على تلتاشر سنة.
تلتاشر !
غمغم بها مندهشا كاد صوته أن يعلو لكنه تمالك نفسه متسائلا بعدم تصديق
انتي بتتكلمي جد ولا بتهزري
تنهدت تدير عينيها في حرص تراقب الجهة المقابلة لتتأكد من أن الصوت لن يصل إليهم.
براحة عشان محدش ياخد باله انا مش بهزر مزيونة كانت ماشاء الله عليها طالعة فايرة وزي ما انت شايف زي القمر كل العيون كانت طمعانه فيها رغم سنها الصغير احنا نفسنا مستغربناش لما اتجوزت بالعكس دي البنات كانت بتحسدها عشان اتجوزت قبل الكل المهم انا من ساعتها معرفش حاجة عنها عشان كده مفتكرتهاش غير دلوك لما بصيت فيها كويس.
بدأ يظهر عليه شيء من الاقتناع والاستيعاب أخيرا. لم يكن أعمى حين أخطأ وظن أنها بالفعل لم تتزوج ولكن كيف لها أن تعاشر مثل هذا الشخص وكيف تحملت أن تسرق براءتها وتتحمل مسؤولية كبيرة كهذه في سنها الصغير
يامري دا جه صح!
قالتها منى ليلتفت نحو الجهة التي تنظر إليها فيفاجأ بشقيقه الأصغر قادما نحوهم بخطوات سريعة محددا هدفه
دا ايه اللي جابه ده وعرف منين مكانا
تسائل بها نحو منى التي أجابته بتشتت
اتصل بيا من شوية كان عايز يعرف إحنا فين باينه هو كمان عارف بالجماعة اللي بنتكلم عنهم انا مش فاهمة ايه حكايتكم.
برقت عينا حمزة بهلع وترقب مستدرجا إياها لمعرفة المزيد
وانتي قولتيله ايه
قولتله الحقيقة ووضع ليلى هي ايه الحكاية اصلا
جاءت إجاباتها ببراءة كادت أن تجلطه بينما كان يرى ذلك الأحمق يتجه نحو المذكورة باندفاع.
مالك يا ليلى ايه اللي حصلك
بالطبع لم يجد ردا فوريا سوى نظرات الذهول من الثلاثة قبل أن يستوعب وصفي الموقف أولا ويسأل
انت مين يا أخينا
كاد أن يجيبه برد أحمق يسأل عن صفته ليفاجأ بمن تكفل بالرد عنه
دا اخويا المهندس معاذ اكيد جاي يطمن بعد ما عرف من منى عن مكانا عن اذنكم يا جماعة هاخده ف كلمة على جمب.
تحرك بدون إنتظار دافعا إياه بعيدا عنهم حتى وصل به إلى مسافة آمنة ليأتي رد معاذ بسخط
بتبعدني ليه انا عايز اطمن على ليلى هي ايه اللي حصل لها مش كانت خطوبتها امبارح.
…..يتبع
الفصل السادس
لم أكن ضعيفة حين احتجت كنت فقط امرأة تتوق إلى يد تمسك بها لا قيد يكبلها.
سقطت نعم لكنني نهضت وحدي.
واليوم
لا أبحث عن من ينقذني بل عن من يسير بجواري.
حب صادق لا يطفئني بل يزيدني ضوءا.
الخاطرة والمراجعة من الجميلة سنا الفردوس الف شكر يا قلبي
بالغرفة التي تقبع داخلها الآن تحت أيدي الطبيب المعالج والممرضات يتخيل ما يحدث معها وكأنه في الداخل بجوار خالها وشقيقته التي ترافق والدتها.
وفي كل مرة تصل إليه أصوات التوجع والهمهمات المؤلمة منها ينتفض مفزوعا وتتجه أبصاره نحو باب الغرفة بلوعة وعدم احتمال.
ولولا وجود ذلك الذي كان منتبها لكل حركة منه لكان اقتحمها دون أدنى تفكير وقد هتف به محذرا حينما فاض به الأمر
اهدي بقى وارسى على حيلك مش عايزين فضايح.
تشدق يخاطبه باستعطاف
مش قادر يا واد ابوي عقلي بيوزني اقوم اكسر باب الاوضة اللي مانعني عنها ده اطبطب عليها ولا احضنها اخفف من وجعها يا اما اضرب الدكتور واجبرلها كسرها انا بنفسي .
سمع منه حمزة قاطبا حاجبيه بدهشة شديدة معلقا
يخرب مطنك كل ده شكلك مش هتجيبها لبر انا بجول تلم الدور وتروح احسن انت ايه اللي مجعدك هنا اصلا لا البت ولا أهلها يخصوك بشيء والكلام اللي ف دماغك بدري جوووي عليه على ما ربنا يعدلها جوم يا معاذ انا مليش خلق ليك قوم.
بعناد متأصل طالعه المذكور مقارعا
رجلي على رجلك ما انت كمان ملكش دخل بيهم ولا يمكن في صلة قرابة وانا معرفش
ياااا….
كادت أن تخرج من فمه سبة نابية ردا على استفزازه لكنه تمالك نفسه مردفا
يا سخام البرك انت يا عديم المفهومية انا جاعد وبعمل الواجب اللي عليا بعد اللي حصل امبارح وهما عرفوني وانا عرفتهم انما يعرفوك انت منين عشان تدخل لبتهم تسألها عن صحتها دا هي نفسها استعجبت من جرأتك انا مقدر لهفتك انما هما هيفهموا ايه من تصرفاتك دي اعجل يا واد ابوي وروح شوف مصالحك اختك منى جايمة بالواجب مع البت وامها وأنا براعي من بعيد لبعيد وكله في مصلحتك كل ما كانت علاقتنا بيهم متينة كل ما سهلت الأمور ما بينا فهمت بقى يا غبي
أومأ رأسه بتفهم نفاه بعد ذلك سريعا.
حتى لو كان برضو مش هسيب مكاني ولا همشي من غير ما اطمن على ليلى انا الاحق برعايتها دلوك بعد اللي سمعته النهاردة والليلة الواعرة اللي مرت عليها هي وأمها بسبب الزفت ابوها اللي كان عايز يجوزها غصب ويحرمني منها دلوك والله ما افرط فيها ولا اتوانى لحظة عن نجدتها.
كز حمزة على أسنانه يحجم نفسه بصعوبة عن الانفجار فيه فهذا الأحمق مصدر خطر عليه وعلى نفسه بأفعاله المتهورة ورأسه اليابس.
ماشي يا معاذ بس عليا النعمة لو عملت اي غلط لااكون مهزقك جدامهم وجاطع عليك اي فرصة بعد كدة مع ليلى .
سمع منه قبل أن يأتي صوتها عن قرب فانتفض واقفا مثيرا الرعب في قلب شقيقه مرة أخرى.
هتعمل ايه البت طالعة مع خالها وامها مش ناقصة فضايح.
رمقه معاذ مترقبا بتحفز لخروج ليلى من الغرفة في ظل الأصوات التي تصل إليه قائلا
هحاول اسيطر على نفسي المهم اطمن عليها.
قالها وانفتح باب الغرفة ليخرج أولهم وصفي الذي كان يضم رأسها إليه وهي تتوجع بصوت عال ووالدتها تساندها من الجهة الأخرى ومن خلفهم منى التي اشتركت معهم في تلك اللحظات العصيبة بمسؤولية ليست بغريبة عنها رغم عبثها الدائم.
هم معاذ بالتحرك نحوها ولكن الآخر لحق به ليذكره محذرا بصوت خافت
هااا احنا جولنا ايه
زمجر بضجر مجبرا نفسه على طاعته
طططيب هترزع مكاني اها اما اشوف ايه اخرتها.
تنهد حمزة ببعض الارتياح وتقدم نحوهم بخطوات بطيئة مخاطبا إياهم
حمد الله على السلامة يا بنيتي ايه الاخبار دلوك
أجابه وصفي وهو يجلس بها على أحد المقاعد
الحمد لله اللي جات على كد كدة بكرة تخف وتبجى ايام واتنست .
ردت ليلى بصوت مختنق بدموعها
أنسى كيف يا خالي بس دا وجعه عفش جوي.
جاء التعقيب المباغت من والدتها التي تدعي التحلي بالقوة والبأس امامهم
والله كله بيتنسي يا بتي كسر العضم أسهل بكتير من كسر الروح على الاقل دا بيلم ويخف انما الروح…..
ما أصعب كلماتها! هذا ما دار في نفسه وعيناه انصبتا عليها بتركيز تام وقد تناسى وضعه والظرف وكل شيء. تلك الجميلة التي رأى طليقها بالأمس ترى ماذا فعل بها ليصب المرار في حلقها هكذا وقد أخذها طفلة لا تعي من أمور الحياة شيئا.
الف سلامة يا آنسة ليلى لما انتي موجوعة جوي كدة ليه الدكتور الحمار ده معطاكيش حاجة تخفف عنك الوجع ده شوية
يخرب مطنك
غمغم بها حمزة داخله بعدما اجفله هذا المتهور بقوله ليأتي الرد الغاضب من الطبيب المعالج الذي كان خارجا من غرفته بالصدفة
الدكتور لو حمار كان زود عليها البنج وضرها انما احنا بندي الجرعة حسب الحالة المسكن لسة واخداه حالا يعنى لسه شوية على ما يشتغل.
سارع حمزة بالاعتذار لتخفيف وطأة الموقف الحرج وقد عم الصمت بين الباقين.
معلش يا دكتور هو مش قصده حضرتك اللي ما يعرفك يجهلك………
ولا يعرف حتى عن إذنك.
هتف بها الطبيب مقاطعا بحدة ثم تحرك مغادرا دون استئذان مما ضاعف من حنق حمزة تجاه ذلك المجنون الذي لا يسمع إلا لصوت رأسه الأحمق والذي تجاهل الأمر وكأنه لم يفعل شيئا مستمرا في الحديث إليهم
انا نازل تحت اجيبلي علبة عصير اشربها حد عايز حاجة اجيبهاله معايا
لم يأته رد من الثلاثة المذهولين وقد كانت أبصارهم منصبة عليه بعدم استيعاب لأفعاله فصرفتهم عنه منى بفطنتها متفكهة رغم غيظها هي الأخرى
روح يا حبيبي إحنا ريحة المستشفى اصلا نفخت بطونا يارب بس نعرف ناكل ولا نشرب لما نروح.
أومأ لها ثم التفت مجبرا ليغادر حتى لا يفسد الوضع أكثر من ذلك فتابعت هي
بس العضم عايز وكل ودهن عشان يقوي من تاني يا مزيونة انا بستأذنك اخدها عندي على الاقل اكل على حسها والنعمة اخليهالك بطة بلدي .
تبسمت لها مزيونة تشكرها بامتنان على مشاركتها لها تلك اللحظات الماضية ودعمها فنهض وصفي من جوارهم
طب حيث كدة بجى استأذنكم انا خمس دقايق قبل ما نقول ياللا.
عقب حمزة على قوله وقد أدرك وجهة الرجل
ماشي وانا مستنيك عشان اروح بيكم
إليه وصفي يود الاعتراض لكن حمزة أخمد رفضه منذ البداية.
روح خلص اللي وراك عايزين نروح.
……………….
في القرية
كان جالسا على مقهى يبعد قليلا عن منزله قريب من الأراضي الزراعية يستنشق الهواء النقي لعله يصادف رؤيتها أيضا.
كان يقيد قدميه بصعوبة عن الذهاب إليها وتكسير رأسها بعد أن فضحته بالأمس. لن يتنازل عن حقه أبدا لكن عليه أن يتريث قليلا. يكفيه ما ناله من خزي وتوبيخ فوق ما يشعر به من صداع.
لن يتركها تهنأ بعيدا عنه يكفيه حماقاته في السنوات الماضية حين نفذ شروطا ووعودا غبية بابتعاده عنها رغم أنها كانت تحت سقف
منزله.
والآن بعد أن استعادت صحتها وحيويتها تتركه
أقسم أنه لن يسمح بحدوث ذلك.
جاعد لوحدك ليه يا عرفان سرحان وشارد في ايه يا عرفان
تمتم بها أحد الرجال من أبناء عمومته الذي نال نصيبه من الشماتة به بالأمس رغم إنكاره لذلك.
افندم يا عطوة وما اسرح يا سيدي ولا اجعد لوحدي انت مالك
تبسم المذكور
بسماجة يعقب على كلماته بنوع من العتاب.
اخص عليك يا عرفان مالك بتعاملني كده ايه وترد عليا بكلام ناشف كأني بشتمك مع ان ربي العالم انا كل غرضي مصلحتك.
مصلحتي!
تمتم بها عرفان يطالع الرجل بتوجس لا يخلو من ضيق فتجاهله الآخر ليصل إلى غرضه مرددا
ايوة مصلحتك ما انا شوفت اللي حصلك ورجال العيلة اللي كانوا عاملين عليك رباطية وكأنهم منزهين عن الغلط محدش فيهم مقدر النار اللي أنت كنت فيها يجوا يشوفوا المحروسة اللي عملوا عمايلهم عشانها وهي راكبة العربية مع الراجل اللي ضربك وواخدة معاها بتها كمان .
انتفض عرفان فجأة ممسكا إياه من تلابيب ملابسه
انت واعي للي انت بتجوله دا يا واد دا كلام تطير في رقاب
أومأ عطوة على خوف مبددا صمته ليخبره الحقيقة كاملة
يا عم عرفان انا مش قصدي حاجة عفشة انا بس استغربت لما شفتهم في العربية ومعاهم وصفي اخو المدام.
وصفي!
اه والله وصفي تفتكر راحوا فين
ضاق بعرفان فدفعه عنه ثم نهض مغادرا من أمامه بهيئة لا تبشر بالخير.
ليغمغم عطوة في أثره بحقد
جاك ضربة لما تاخدك في حد يسيب مزيونة لهطة الجشطة ويجعد على صفا والله ما كنت تستاهلها من اساسه دي ما تستاهلش غير راجل زيي يعرف يقدر الابطال صح.
أمام موظفة الاستعلامات في المشفى وقف وصفي مشدوها يردد خلف الفتاة باستفسار
بتجولي إيه كيف يعني الحساب ادفع من ساعة ما وصلنا
ردت الفتاة بعملية مشيرة إلى الحاسوب أمامها
يا فندم اهو مسجل قدامي مبلغ كبير اتحط تحت الحساب للمريضة ليلى عرفان يعني انا هكدب ليه مثلا حتى بالامارة….. استنى حضرتك
توقفت فجأة مومئة بذقنها للأمام نحو من انتبهت إليه وهو يسير بالقرب منهم في الناحية الأخرى
حضرتك الراجل اللي هناك ده هو اللي دفع.
التفت وصفي نحو الجهة التي تقصدها ليمسح بكفه على جبهته المتعرقة بحرج محدثا نفسه
يا دي الكسوف يا ولاد ودا هعرف اتعامل معاه كيف دلوك
استجمع وصفي بأسه ليذهب نحو حمزة متحفزا بكل جهده. كان يريد ان يرجع له مال المشفى الذي دفعه لكن الآخر استطاع بحنكته وإصراره أن يجعله يقبل مجبرا مستغلا نقطة ضعف الرجل في أدبه المبالغ فيه.
ثم توقف على مسافة بعيدة عنهم تمكنه من الرؤية ليتابع رد فعلها الرافض وانفعالها نحو شقيقها الذي بدأ وكأنه يبرر لها كي تتقبل الأمر بعدما أخبرها بما تم. حتى كادت أن تتحول لمشاجرة ليسارع هو بالخروج من المشفى يسبقهما إلى سيارته قبل أن ينتبهوا لوجوده فينقلب الأمر عليه.
بداخل السيارة التي ستقلهم للمغادرة جلست منى مخرجة رأسها من النافذة تتابع الحديث الحامي بين شقيقيها العزيزين بانتباه شديد تستشعر شيئا ما غير مفهوم.
طب انا مش بقولك روح يا معاذ عايزني اتعصب عليك دلوك في الشارع العمومي ونلم علينا الناس.
وتلم علينا الناس ليه بس يا عم حمزة أيه اللي يوصلها للخناق اصلا دا كله عشان بقولك اروح معاكم في العربية.
دفعه فجأة ليصطدم ظهره بالسيارة محذرا إياه كازا من بين أسنانه
ياض إنت كام مرة اقولهالك من الصبح شغل عقلك دا اللي مسحته بأستيكة اجعدك معانا فين والاربع أماكن معايا في العربية محجوزه اخوها هيجعد جاري والحريم ع الكنبة اللي ورا ازوقك جمبيهم مثلا
لع زوقني جمب عم وصفي من جدام. فيها حاجة دي
قالها بسهولة ليهدر به
ونتحشر احنا التلاتة جمب بعض ليه من قلة العربيات معاذ يا واد ابوي حل عني انا على اخري.
سمع منه الأخير ليتجه إلى سلاحه الأخير في استعطافه عله يشفق عليه
عايز احس بقربها يا حمزة اطل علي عنيها في المراية واشوفها ان كانت هتتعب من مشوار الطريق ولا تعوز حاجة اجيبهالها.
تدخلت منى في هذه اللحظات وقد تأكدت من ظنها لتشاكس بخبث الاثنين
حبيبي يا حنين انا عندي حل يا حمزة أيه رأيك تتصرف انت وتسيبه هو اللي يسوق بينا العربية ويرجعنا البلد.
سمع منها المذكور ليطالعها فاغرا فمه بدهشة ثم نقل نظره نحو الآخر الذي أشرقت ملامحه بالأمل والتمعت عينيه تمسكا بحلها
طب والله فكرة حلوة ايه رأيك توافق يا حمزة على الاقل تخدم اخوك.
اخدمك!
قالها حمزة بسخرية ليجذبه من قماش قميصه مبتعدا به عن السيارة مردفا بنفاذ صبر
دا انت مش عارف تمسك نفسك وانا واقف جمبك هتعرف تتصرف وانا مش معاك امشي من هنه ياض امشي لاحلف على موضوعك ده ما انا داخل في ابدا امشي ياض.
يووووه
تمتم بها معاذ يضرب بقدمه على الأرض يبرطم بسخط وكلمات غير مفهومة مغادرا على غير إرادته ليبحث عن وسيلة مواصلات تقله للذهاب. أما حمزة فقد حطت كفه على وجه تلك المشاكسة يدخل رأسها عنوة مرددا
وانتي خشي خشي وارحمينا من أفكارك الجهنمية اللي تودي اللومان دي.
وفي داخل البلدة عاد خليفة حاملا حقيبة الملابس التي خرج بها في الصباح مع شقيقه قبل أن يتركه المذكور داخل المحافظة التي كانوا على وشك مغادرتها ليلغي فكرة السفر من الأساس. قرار مفاجئ كاد أن يطيح بعقله وهو يفكر في السبب بعد ذلك.
حمد على السلامة يا خليفة راجع بشنطة اخوك ليه
صدر السؤال من حسنية التي كانت في استقباله جالسة في مكانها المعروف وسط المنزل. ليتبسم لها ساخرا يجيب
اصل البرنس لغى فكرة السفر زي ما قرر فجأة يسافر لغى كمان فجأة واحنا كنا على وشك نطلع خلاص ولدك ده مجنون يا امه.
تلقت قوله بعدم استيعاب تطالعه وهو يضع الحقيبة على الأرض ثم يحط بجسده على أقرب أريكة متكئا عليها. فأتى التعقيب من زوجته التي جاءت هي الأخرى على الصوت
شنطة معاذ بتعمل ايه معاك يا خليفة هو سافر من غيرها
ضحك بخفة خلف قولها فتولت والدته الرد متهكمة
لع يا حبيبتي بيقولك المحروس مسافرش اصلا بعد ماجضوا نص اليوم برا كأنهم خدوا الشنطة يفسوحها .
وه يا امه.
تمتم بها خليفة باستياء ليردف نحوها عاتبا
وانا ذنبي ايه بس ولدك جطع من مخه واحنا في نص الطريق وسابني لوحدي عايزاني افر وراه يعني انا خدت جعدتي على القهوة ريحت شوية وشربتلي حجرين شيشية على امل انه يرجع لكن محصلش اعمل ايه بجى افر ادور عليه بمكروفون.
ايوة يا حبيبي لكن ليه دا اللي احنا عايزين نعرفه عايزين نعرف السبب.
تدخلت هالة بتحقيقها المعتاد في كل أمر لا تعلمه لا تستريح أو يغمض لها جفن حتى تلملم جميع المعلومات التي تريدها. ولمعرفته الشديدة بطبعها أمعن هو في مراوغتها لينتفض فجأة قائلا
وانا مالي يا ابوي ما تسألوه انتوا لما يرجع وافهموا منه لو اتكلم أو اسألوا
حمزة!
قال الأخيرة بصوت خفيض وقد ابتعد بمسافة كافية مكنته من صعود الدرج سريعا كي يختفي من أمامهن. فتبادلت الاثنتان السؤال بدهشة
حمزة!
أما هو وقد استقر في مكانه ينتظر خروج الأم وابنتها وشقيقها ليوصلهم.
كما توقع داخله فوجئ بها تطل أمامه بمفردها تسبقهم. ولم يكن السبب غريبا على شخصيتها رغم معرفته القصيرة جدا بها.
فقد كان يعلم أنها ستأتي. العزيزة الحرة لم تتقبل ما أجبر شقيقها عليه بالخدعة.
راقبها وهي تقترب منه بخطوات يزينها الحياء تلتف حول وجهها البردة التي تحجبها عن أعين البشر وتحميها من مكرهم.
هي الفتنة بحق امرأة كاملة بحق تخفي ذاتها عن النفوس الطامعة. وهو أخيرا قد وجد ضالته فيها.
اعتدل في وقفته فور أن اقتربت منه فتخاطبه بصوت بالكاد يخرج من فرط خجلها
سلام عليكم انا كنت جاية اااا
مش هقبل……
نعم….
صدرت منها نظرة لتقابل عينيها الجميلتين
خاصتيه تلك التي لم تفارقهما طوال الوقت. وتلك الهالة من الغموض التي تحيط به جعلته يطالعها بجرأة تثير حقا دهشتها رغم حديثه العادي.
بوفر عليك يا ست مزيونة عشان منكررش نفس الجدال اللي تم مع استاذ وصفي.
هبت روح الاعتراض فيها ترفض بعنف
كيف يعني انا مرضهاش الله يخليك مت…
الله يخليكي انتي متزعلنيش
قاطعها بها ليواصل بحنكته
ياريت متخدهاش على كرامتك او عقلك يصور حاجة ابعد من قصدي انا اتحطيت في موقف امبارح بالصدفة وشوفت اللي كان السبب في اللي حصل لليلى تصرفي تم كنوع من الاعتذار ليها عيلة صغيرة ودي حاجة اكبر طاقتها.
تمتمت بغصة مؤلمة في حلقها.
بس الكلام ده يتسئل عنه ابوها مش انت .
ميخصنيش بيه لانه ميستاهلش انا بتكلم عن احساسي البنية شوفتها زي ولدي ريان على فكرة الفرق ما بينهم مش كبير.
أحرجها بذوقه لتردف بحرج
ربنا يخليلك ريان يا ابو ريان بس برضو……
ما أجمل نطقها بلقبه المحبب مما يعزز إصراره حتى وإن اضطر إلى أن يترجاها.
ارجوكي يا ست مزيونة تجبري بخاطري في الموضوع ده الحكاية اصلا مش مستاهلة والله.
لا طبعا مستاهلة.
تمتمت بها بضعف وقد تأثرت من رجائه قبل أن تنتفض فجأة إذ خرج صوت من داخل السيارة قبل أن يطل رأس صاحبته من النافذة المجاورة لها.
لا مش مستاهلة يا مزيونة ولميها بقى وخلينا نروح قبل ما اتحمص في العربية وجوزي ما يعرفنيش.
شهقة مباغتة خرجت منها ويدها امتدت غريزيا إلى موضع قلبها ما لفت انتباه ذاك المتربص بها ليغمره الامتنان تجاه شقيقته التي تسببت في ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم خلعتيني يا منى.
ابتسامة خبيثة ارتسمت على شفتي الأخيرة تأثرا بما رأته من رد فعل على وجه شقيقها الذي انفضح أمره أمامها كالصغير الذي غادر.
اسم الله عليكي من الخلعة يا حبيبتي ما تسمعي الكلام بجى يا روح جلبي اخويا دماغه جزمة جديمة هتتعبي نفسك في اللت معاه على الفاضي روحي هاتي ليلى الله يهديكي جوزي هيطلجني يا بت.
همست الأخيرة بصوت مبحوح بفكاهة لتجعلها تضحك على غير إرادتها حتى أظهرت الصف الأمامي من أسنانها البيضاء قبل أن تستأذن مغادرة من أمامهم بخجل.
ارتسمت ابتسامة على وجهه في أثرها وقد فرقعت البلونات حوله ورفرفت في معدته الفراشات بعدما فاز أخيرا برؤيتها باسمة وضاحكة. ولكن منى انتشلته من عالمه الجميل وهتفت به
خلاص يا خوي لمها مش هنجضى احنا باقي اليوم في جو صلاح ذو الفقار وشادية.
طلت برأسها نحو باب الشقة المغلق منذ الأمس ويدها تضرب على ذراع الأريكة التي مرت بجوارها وهي تقطع مسافة المدخل ذهابا وإيابا دون هوادة. كم كانت أمنية تتمنى أن تتحقق بمغادرة غريمتها وابنتها عن المنزل وعالمها كله. ولكنها فقدت فرحتها بفضل هذا الأحمق زوجها الذي جعل سيرتهم كالعلكة على الألسنة بعد فعلته. وبعد أن كسبت هي شوطا كبيرا في نشر ما حدث أمام الغريب والقريب والجيران ليعرف الجميع طباع تلك المتمسكنة التي تستقطب عطف الجميع ومحبتهم على مدار سنوات وهي في الحقيقة قليلة الأدب والحياء لم تراع كرامة زوجها بل أهدرتها أمام الغرباء ولا حتى قدرت إكرام الضيوف.
اه يا ناري.
صدرت منها بعمق ما تحمله داخلها من نيران وغليل نحو تلك المزيونة وابنتها وقد خرجت من المنزل رافعة رأسها منتعشة وكأنها خرجت لحريتها. لم تر بعينيها الذل الذي كانت تتوقعه بعد طردها شر طردة أمام كل من يعرفها. والأمر من كل ذلك هو ما حدث من هذا الأحمق آخر الليل ليجعلها فضيحة أمام العائلة. لقد أفسد كل شيء وبدا واضحا أنه يريد إرجاعها إليه حتى لو أنكر أو هي رفضت. يريد إخضاعها ونيل ما حرمته عليه عدد لا بأس به من السنوات. هي أعلم الناس بطبعه. تبا له إن فعلها واستطاع إعادتها إليه مرة أخرى.
المرة دي هجتلها بيدي
قالتها بصوت مسموع وقد أفصح اللسان عما يدور برأسها وتتوعد به داخلها.
ها قد وصلوا أخيرا فوقف بالسيارة أمام المنزل القديم. نظر حوله في الأراضي الزراعية الممتدة ليغمره شعور بعدم الارتياح. كيف له أن يتركهما وحدهما هنا خاصة مع إصابة ليلى الصغيرة
هو انتوا متربيين هنه بالفعل جوه البيت ده
توجه بالسؤال نحو الشقيقين فأوقفهما عن الترجل قبل أن يتكفل وصفي بالرد ضاحكا
اااه يا سيدي متربيين هنه وعمرنا ما خوفنا اننا وحدينا البيت على ارضنا يعني كنا نطلع الجاموسة تاكل في الزرعة من غير ما نحتاج نحش لها البرسيم ولا نتعب نفسنا تشرب من حوش الميا اللي بنسجي منه الزرعة وترعى هي وعيالها وتجيب احلى لبن تحلبه امي طازة نشربه والباقي نعلمه سمن وجبن ونعيش عليه ياااه يا عم حمزة فكرتنا بأحلى ايام ياريت بس يرجع نصها.
صدرت الأخيرة بشجن حقيقي ارتد على مزيونة التي غامت عيناها بتأثر واضح تجلى في نبرتها.
مش بس احلى ايام دي العمر الحقيقي اللي يتحسب من كل السنين اللي عشناها……
توقفت لتخرج تنهيدة خافتة ثم همت بتحضير ابنتها للترجل من السيارة فتابع هو مستفسرا
يا جماعة انا بسأل عن البنت العيانة لامؤاخذه يعني هي عايزة وكل زين ونضافة والبيت بالاكيد لسة متوضبش للسكن ف….
قطع كلامه بتردد وتفكير فيما إذا كان من المناسب عرض ما يدور في ذهنه لكن وصفي وفر عليه ذلك بقوله
لا في دي متشلش هم الجماعة جات من الصبح هي والعيال وضبوا البيت بما يؤدي الغرض وحضروا وكل لليلى كمان.
اااه طب الحمد لله تمتم مدعيا الارتياح ليغلق فمه عن الجدال. وفور أن انفتح باب المنزل خرجت منه ثلاث فتيات صغيرات لاستقبالهم وقد بدا عليهن رهبة تلاشت بمجرد أن ظهرت أمامهن ليلى حين ترجلت من السيارة.
ليلى ليلى مالو دراعك يا ليلى
براحة عليها لا تؤذوها…
وصل إلى أسماعه الصوت المألوف وبداخله يتمنى تكذيب أذنه لكن مع تجمد الفتيات ورقابهن التي توجهت للخلف تأكد بالفعل من ظنه. ليترجل من السيارة مغلقا الباب خلفه بقوة ومتوجها بأبصاره نحو هذا الأحمق الذي كان قريبا منهم يسارع بالتلطيف
معلش انا تبع الجماعة مش غريب انتو اتأخرتو ليه يا جدعان بقالي ساعة مستنيكم تجاهل وصفي الرد عليه ليسحب
ابنة شقيقته ويتحرك بها نحو المنزل بصحبة بناته. أما ليلى فقد اكتفت بنظرة حائرة نحوه لا تقل استغرابا عن والدتها التي ظلت على تجهمها حتى أشرق وجهها بخروج آخر فرد من أبناء أخيها فتى في العشرين من العمر. استقبلهما ضاحكا وألقى بنفسه داخل حضن عمته التي قابلته باشتياق.
حازم باشا بجلاله قدره مستنينا يا جدعان.
حبيبتي يا عمتي والله وحشتيني.
وانت كمان يا قلب عمتك.
عبس حمزة لرؤية ذلك العناق الذي استفزه وقد نسي أمر شقيقه الذي انعقد حاجباه بضيق واضح وهو يراقب الفتى يمازح ليلى ويتحدث معها بود بينما تستقبله هي بتباسط وابتسامات تخالف تماما ما اعتاد أن يجده منها.
انا صلحتلك سرير جدي المرحوم بنفسي وامي فرشته ووضبته عشانك يا ليلى.
يارب ينكسر… غمغم بها معاذ في داخله قبل أن يجفل على صوت دعوة وصفي.
واقفين ليه محلكم يا جماعة تعالوا جوا نشرب حاجة ونتغدى وبالمرة تشوفوا البيت.
هم أن يتحرك سريعا مستجيبا
للدعوة لكن يدا غليظة أوقفته بحذر يعكس يقظة صاحبها ليعتذر بعدها نحو الآخر قائلا
تشكر يا ابو حازم يا ابو الواجب مرة تانية ان شاءالله.
مرة تانية ليه بس يا عم حمزة الدنيا واسعة والله ومفيش كسوف حتى تجرب معايا جعدة المسطبة اللي تحت شجرة التين اللي جدامك احلى كوباية عصاري والله تشربها تحتها.
تطلع إلى ما يقصده برضا ثم نقل بصره نحو شقيقته التي بدأ النعاس يغلبها فعدل عما كان يبتغيه مؤجلا الأمر
ان شاءالله يا عم وصفي الايام جاية كتير عن اذنك بقى اوصل الحاجة منى لبيت جوزها الا مقولتليش صح هي ارضكم فين بالظبط هنه
اعتلى الحزن ملامح وصفي وأشار بذقنه إلى الأمام قائلا
الزمام اللي في وشك دا على طول… بس دا كان قبل ما نبيعه وتروح معاه الأيام الحلوة. أمال إحنا هجرنا بيتنا من شوية
في ناحية أخرى
بعيدة إلى حد ما أسفل إحدى الأشجار وقف عرفان يراقب بتركيز شديد وداخله يتوعد ويحلف بأغلظ الأيمان بعد أن تأكد من صدق ما أخبره به عطوة عن ذلك الرجل الذي أقل زوجته وابنته. أيا كان السبب الذي جعلها توافق على ذلك حتى في وجود شقيقها عديم الرجولة لا شيء يشفع لها أن تجيب حتى لو حدثها هذا المحتال الذي استغل هفوته وباغته بضربات متتالية علي رأسه والتي سقط علي إثرها ليسقيه كأس الذل أمام عائلته وأمامها وأمام ابنته.
ليته كسر ذراعي الاثنتين عله يبرد شيئا من نيرانه… لن يكون عرفان الأشقر إن لم ينتقم.
في طريق عودتهم إلى المنزل
لم يتوقف معاذ عن اللغو والعتب على شقيقه الذي ظل صامتا دون أن يتفوه بحرف رغم حنقه عليه ورغبته الأكيدة في لكمه على وجهه عدة مرات حتى يكف ويصمت. ولكن طاقته قد نفدت ومجهود الأمس واليوم كادا أن يقضيا عليه.
حين وصلوا بالقرب من منزل شقيقته توقف متجاهلا الآخر مخاطبا إياها
بس وصلنااا اصحي يا منى وصلنا بيتك منى…
خلاص يا حبيبي سمعت هي غينوة.
تمتمت بها لتفاجئهم بوعيها فيعلق معاذ ساخرا
يعني صاحية يا حلوة وكنتي بتمثلي علينا
لملمت حقيبتها تخاطبه بتحد
أيوه كنت بمثل وإنت طلعت دوهل بقالك ساعة كلت دماغي عن ليلى وأم ليلى وبيت ليلى دا أنا حفظت تاريخ البت يخرب مطنك.
ضحك حمزة ليعلق في أثرها هو الآخر وهي تغادر السيارة
آه يا سوسة…
جعدت ملامحها تغيظه بطريقتها فزادت ضحكات حمزة لتقترب فجأة من النافذة المجاورة له وتميل بكتفها من خارج السيارة تضع ساعدها على ذراعه وتعطيه دوره هو الآخر
وإنت عامل نفسك تقيل ومش راضي تتكلم على أساس مكشفتكش دا انت كل أفعالك فضحاك.
تجمدت ضحكته وهو يخاطبها بتحذير
لمي نفسك يا منى مش عايز أتعصب عليكي.
تبسمت تغيظه
وإن ملمتش هتعمل إيه مش من مصلحتك أصلا تزعلني دلوك.
عض على شفته بحنق شديد فالملعونة تعرف ما يدور برأسه وتلاعبه على هذا الأساس وليس أمامه سوى مهادنتها
امشي يا منى وروحي لجوزك وعيالك منصور على آخره أصلا منك.
تبسمت بدلال وهي تبتعد عنه مرددة
لا يا حبيبي ما تشيلش هم ماي هسبن منص حبيبي مفيش أهدى منه أساسا…
منى.
أتى الصوت الجهوري من شرفة المنزل لتنتبه على وجوده بوقفته المتحفزة وهو يلوح بالتحية لشقيقيها بوجه متجهم وحاجبين معقودين
فتهرول هي من أمامهم مرددة
يا لهوي دا متعصب صح! أروح أهديه جاتكم نيلة عيلة ما يجيش من وراها غير الهم!
بعد قليل
وفور أن خطت السيارة داخل البوابة الحديدية انتفضت هالة التي كانت تطل من شرفة الغرفة الأرضية للحاجة حسنية لتهرول نحوها مرددة
وصلوا ياما وصلوا! الاتنين وصلوا مع بعض في عربية واحدة يبقى خليفة كان عنده حق.
توقفت حسنية عن ارتشاف اليانسون الساخن بإجفال لتضع الكوب على الصينية النحاسية بحرص قائلة
هما مين يا جزينة خلعتيني!
اقتربت منها تعيد عليها بلهفة
حمزة ومعاذ ياما راجعين في عربية واحدة يبقى أكيد في مصلحة بينهم. شوفي بقى جضوا يومهم كله فين وإيه الحاجة المهمة اللي تخلي معاذ يلغي سفره عشانها!
أومأت حسنية تراضيها رغم ضجرها من إلحاحها واصرارها على معرفة كل صغيرة وكبيرة داخل المنزل وحتى عن أولادها
حاضر يا هالة روحي لجوزك ليكون عايز حاجة منك.
اعترضت برفض تام
هيكون عايز إيه يعني هو أساسا نام.
أومأت حسنية مرة أخرى لعلمها الأكيد أنها لن تصمت حتى تعرف كل شيء فاضطرت أن تذعن لرغبتها وانتظرت حتى اقترب أبناؤها من مدخل المنزل فهتفت تناديهم بأسمائهم
معاذ حمزة.
التف الأول نحوها وكاد أن يذهب إليها لولا حمزة الذي انتبه لوجود هالة فضغط على كفه محذرا بخفوت
تطلع دوغري على أوضتك وتنام إياك تجيب سيرة أي حرف من اللي حصل النهاردة ولا الموضوع إياه غير لما أنا أقولك.
طب وإمتى هنفاتحها
سأله بريبة ليشدد عليه الآخر
مالكش دعوة أنا هتصرف. المهم تسمع كلامي.
أومأ له بطاعة ليرتد بخطواته متخذا طريق المدخل هاربا من والدته. وتكفل حمزة بالقدوم إليها حتى الشرفة المنخفضة المقابلة للغرفة الأرضية ليجيبها مبتسما
نعم يا ست الكل عايزانا في حاجة
عبست ملامحها بضيق تجيبه
أخوك طلع على طول ومعبرنيش!
برر متجاهلا النظر إلى هالة
أخويا هلكان ياما النهاردة كان يوم صعب وفي مية حاجة. أنا كنت جاي أحكيلك.
وضح التحفز على الاثنتين فجاء الرد من حسنية ليصدم هالة
طب مستني إيه ما تيجي. قومي يا هالة اعملي لواد عمك كوباية شاي.
سمعت منها لتبرق عيناها بصورة كادت أن تضحكه لكنه تماسك وواصل مراوغته
خليك مكانك يا هالة أنا بجولك هحكيلك ياما بس دلوك هلكان والله سبيني أرتاح وبكرة إن شاء الله هريحك.
ماشي يا نور عيني تصبح على ألف خير.
وهكذا استطاع بحنكته أن يراضي والدته… ولا عزاء لهالة.
وإلى مزيونة وقد حل المساء
واختفى الضجيج والزحام ولم يبق سوى صوت الليل من حولهم بعد مغادرة الجميع.
رغم إصرار شقيقها على المبيت معهما أو أخذهما إلى منزله إلا أنه في النهاية أذعن لرغبتها وغادر إلى عمله المسائي لتبقى هي مع ابنتها وواحدة من بنات شقيقها التي غلبها النوم بعد العشاء فخلا الجو بين الأم وابنتها.
وقد
تحسن الوضع اليوم عن الأمس فهما نائمتان على السرير لا على الحصيرة كما في البارحة.
حتى وإن كان الفراش قديما لكنه نظيف ودافئ بحضنها لصغيرتها والحديث يدور بينهما
فرحتي يا ما لما اتخطبتي لأبويا
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي مزيونة وأجابتها
والله ما فاكرة إن كان عجبني ولا معجبنيش فرحت بعريس الهنا ولا ما فرحتش كل اللي فاكراة إني كنت مبسوطة بالفستان والدهب اللي اتحط في يدي ومباركة الجيران والقرايب وفرحتهم بيا إني هتجوز قبل الكل وإني هبجى أحلى عروسة.
وبجيتي أحلى عروسة.
بجيت أحلى عروسة يا قلبي لكن بعدها ما شفتش الفرح. كان مقلب وشربته. أبوي نفسه ندم وفضل عمره كله يطلب مني أسامحه… وأنا سامحته بس ده عمره ما هيرجع اللي راح.
أنهت مزيونة حديثها كأنه عرض صغير يلخص تجربة عمرها لتحصل على الرد من ابنتها
أنا عمري ما هتجوز صغيرة يا ما.
…يتبع

