تشتري مني العروسة ديه

يا بيه.. تشتري مني العروسة دي؟ أمي بقالها 3 أيام ماكلتش”.. اللي المليونير ده اكتشفه جوا العروسة دمر عيلته كلها!
باب كافيه “شيك” جداً في حي “الزمالك”، واحد من أغنى أحياء القاهرة، اتفتح بصوت جرس هادي. ريحة القهوة والمخبوزات الطازة ملأت الرصيف الساقع. “مازن”، محامي شركات ناجح جداً وعنده 32 سنة، خرج من المكان وهو عينه مش بتفارق موبايله الأحدث موديل. كان بيراجع إيميلات وبيظبط كرافتته الحرير، وبيتحرك بسرعة واحد فاكر إن العالم كله لازم يلف على ساعة مكتبه.
بس صوت صغير جداً وقفه في وسط زحمة الموظفين والناس اللي بتجري.
“يا بيه.. ممكن تشتري مني العروسة دي؟”
مازن وقف وبص لتحت.
كانت بنت صغيرة عندها بتاع 6 سنين. لابسة فستان قديم وواسع عليها بزيادة. في رجل لابسة “فردة شبشب” مقطوعة، والرجل التانية كانت حافية تماماً على أسفلت الشارع الساقع. كانت حضنة “عروسة قماش” من

النوع الشعبي البسيط اللي بضفاير خيط، وكأن العروسة دي هي السند الوحيد اللي متبقي لها في الدنيا. شعرها كان ملموم لورا بـ “توكة” مقطوعة، وعينيها السودة الواسعة كان فيها نظرة “كبر” ووجع مفيش طفلة في سنها المفروض تحس بيه.
“عشان أساعد ماما،” البنت قالتها من غير عياط، من غير تمثيل، بصوت ثابت يخلي الدم يتلج في العروق، “هي ماكلتش أي حاجة بقالها 3 أيام.”
فجأة، زحمة القاهرة ودوشتها اختفت. صوت الكلاكسات، وصريخ سواقين الميكروباصات، ودوشة الشارع.. كل ده سكت قدام الكلمة دي. 3 أيام! طفلة بتقولها ببساطة وكأن الجوع ده حاجة عادية بتحصل كل يوم.
مازن سأل وهو مستغرب إن صوته طالع مهزوز وضعيف: “هي العروسة دي غالية عليكي أوي؟”
البنت ضمت العروسة لـ صدرها الصغير: “ماما هي اللي عملتها لي وأنا بيبي.. بس دلوقتي.. أنا بجد محتاجة أبيعها.”
مازن بص حواليه، الناس ببدلهم الشيك بيعدوا بسرعة، بيخبوا عينيهم كأن “الفقر” مرض هيعديهم. محدش وقف يسأل، محدش اهتم في شارع كله محلات براندات وماركات غالية.
“اسمك إيه يا شاطرة؟” مازن سأل وهو بينزل لـ مستواها.
“لوزة.”
“عندك كام سنة يا لوزة؟”
البنت رفعت إيدها الضعيفة وفردت 6 صوابع في الهوا بفخر طفولي: “6.”
6 سنين. السن اللي المفروض تكون فيه بتلعب، في الحضانة، بتجري ورا أحلامها، مش بتبيع “الأمان” الوحيد اللي متبقي لها في طفولتها.
“وماما فين دلوقتي؟”
“في البيت.. نايمة شوية عشان بتدوخ لما بتقوم،” ردت بكلمات كأنها تشخيص طبي قاسي لـ “سوء تغذية”.
مازن بلع ريقه وحس بوجع في زوره: “عاوزة كام في العروسة؟”
لوزة فكرت بجدية وهي مكشرة: “20 جنيه.. بس عشان أجيب ربع كيلو رز وشوية فول.”
مازن فتح محفظته الجلد الغالية. كان فيها فلوس تعيش عيلة كاملة شهر، بس طلع ورقة بـ 200 جنيه (أو 500)، وهو حاسس بكسوف من غناه الفاحش قدام البنت دي.
“بالفلوس دي تقدري تجيبي رز كتير وأكلة حلوة لماما،” وناولها الورقة.
عينيها برقت من الصدمة والخوف: “بس.. أنا معيش فكة يا بيه.”
مازن ابتسم ابتسامة حزينة نادرة على وشه الصارم: “النهاردة مش محتاج فكة يا لوزة.”
البنت خدت الورقة بحذر كأنها خايفة تطير في الهوا. ولما مدت إيديها الصغيرة عشان تديله العروسة، ترددت ثانية: “توعدني إنك هتاخد بالك منها؟”
كلمة “توعدني” خبطت في ركن منسي في روح مازن، حتة إنسانية “البيزنس” كان دافنها بقالها سنين.
لوزة سلمته العروسة، ولفت وجريت وهي ماسكة الفلوس بكل قوتها. بعد كام خطوة، لفت وشاورت له بإيدها.. مازن شاور لها وهو مش مصدق إنه ضامم عروسة قماش على بدلته الـ “براند”.
بالليل، في هدوء شقته الـ “بنتهاوس” الفخمة والباردة في التجمع، مازن حط العروسة على تربيزة الإزاز. المكان كان فخم بس ملوش روح، مفيش ضحكة ولا دفا بيت. وهو بيعدل العروسة عشان يسندها، سمع 

 

لمحة نيوز

 

صوت غريب جداً. صوت خبطة “معدن” ناشفة جاية من جوا قلب العروسة القماش!
مازن استغرب، مسك العروسة وقعد يلمسها، وحس بحاجة صلبة مستخبية وسط القطن. جاب مقص وفتح طرف العروسة بالراحة، ولقى حاجة خلته يقع من طوله على الأرض..
لقى “خاتم دهب” قديم عليه اسم أمه، و”صورة صغيرة” لـ ست بتشبه أمه جداً وهي شايلة طفلة.. الطفلة دي كانت “لوزة”، والست دي كانت أخته اللي عيلته طردتها من سنين عشان اتجوزت راجل فقير، والسر اللي كان جوا العروسة مكنش بس الخاتم، ده كان “ورقة” مكتوبة بخط إيد أخته بتقول: “لو حد لقى العروسة دي.. أمانة توصلوها لأخويا مازن.. أنا بموت ومحتاجة يحمي بنتي من أهلي اللي دمروا حياتي.” مازن م استنّاش للصبح، نزل جِري بعربيته وهو ماسك العروسة والورقة في إيده، ودموعه م بتوقفش. راح للعنوان اللي كان مكتوب بضعف في آخر الورقة.. منطقة “عشوائية” جداً، بيوتها قديمة وشوارعها ضيقة لدرجة إن عربيته

الـ “براند” م قدرتش تدخل. 

نزل وجري يسأل عن “ليلى” (أخته). الناس بصوا له باستغراب، واحد دله على أوضة تحت بير سلم في بيت مهدد بالسقوط. دخل ولقى “لوزة” قاعدة جنب أمها وهي بتغسل وشها بشوية مية وبتقولها: “يا ماما قومي كلي.. أنا بعت العروسة وجبت أكل كتير.”

اللحظة التي انكسر فيها قلب المليونير

مازن دخل الأوضة، والريحة والمنظر خلوه ينهار. ليلى كانت عبارة عن “هيكل عظمي”، نايمة على مرتبة في الأرض، وأول ما شافته، عينيها برقت بذهول وقالت بصوت مش طالع: “مازن؟ إنت جيت يا أخويا؟”

مازن اترمي تحت رجليها وهو بيبكي بحرقة: “سامحيني يا ليلى.. سامحيني إننا سيبناكي تموتي من الجوع وإحنا بنرمي الأكل للكلاب في فيلا التجمع! سامحيني إن أبوكي وأمك فهموني إنك سافرتي وهربتي بفلوسهم!”

السر اللي دمر “كبرياء” العيلة

ليلى وشوشت له وهي بتطلع نَفَسها الأخير: “يا مازن.. أنا م هربتش بفلوس.. أنا أبوك

هو اللي مضاني على (تنازل) عن ورثي كله مقابل إنه م يقتلش جوزي الغلبان.. ولما جوزي مات في حادثة، هما اللي منعوا عني الشغل وخلوا كل الأبواب تتقفل في وشي عشان أرجع أركع تحت رجليهم.. بس أنا فضلت الجوع على إني أرجع لناس قلوبهم حجر.” 

ليلى ماتت في حضن مازن وهي مبتسمة لأنها اطمنت إن “لوزة” بقت في إيد أمينة.

المواجهة الكبرى (ليلة الحساب)

مازن أخد “لوزة” والعروسة والورقة، وراح لفيلا والده في نص الليل. دخل الصالة وهما قاعدين بيشربوا أغلى أنواع السيجار وبيدردشوا في “صفقات الملايين”.

رمى العروسة في نص الصالة، وصرخ فيهم بصوت هز جدران الفيلا:

— “ليلى ماتت! ماتت من الجوع يا (باشا) إنت وهو! ماتت وهي باعت (أمان) بنتها بـ 20 جنيه عشان تجيب ربع كيلو رز!”

أبوه وقف بمنتهى الجبروت وقال: “إنت بتكلمني كدة عشان واحدة خاينة باعتنا عشان حتة جرسون؟”

مازن طلع الورقة والخاتم: “الخاتم ده كان خاتم

أمي اللي إنت قولت لي إنه ضاع.. إنت كنت بتسرق ورثها وبتذلها وهي حية وميتة! ومن اللحظة دي، أنا م بطلتش أكون ابنكم بس، أنا بفتتح قضية (تبديد أمانة) و(تزوير عقود) ضدك يا بابا.. والبيت ده، وكل الأملاك اللي إنت واخدها بوضع اليد من ورث أمي لليلى، لوزة هتستردها بالقانون.” 

النهاية

مازن طرد أبوه وأمه من الفيلا بقوة القانون، وأخد “لوزة” تعيش معاه في بيته الفخم اللي بقى مليان “روح” بضحكتها. العروسة القماش فضلت محطوطة في “برواز قزاز” في صدر الصالة، عشان تفكره دايماً إن “الفقر” الحقيقي هو فقر القلوب، مش فقر الجيوب.

أما “لوزة”، فكبرت وهي عارفة إن أمها ضحت بأغلى ما تملك عشان تفتح لها باب “النجاة”، وإن “العروسة” اللي باعتها بـ 20 جنيه، كانت هي اللي اشترت لها مستقبل بمليارات.

العبرة: م تستهونش بدمعة طفل أو شكوى غلبان، فربما يكون هو “الرسالة” اللي ربنا بعتها عشان ينقذك من قسوة قلبك.. والظلم

مهما طال، لازم الحقيقة تخرج من قلب “عروسة قماش”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *