المغضوب عليهم

من هم المغضوب عليهم في سورة الفاتحة؟
تُعدّ سورة الفاتحة أعظم سور القرآن الكريم، فهي أمّ الكتاب، ولا تصحّ الصلاة إلا بقراءتها. وقد اشتملت هذه السورة القصيرة في ألفاظها، العظيمة في معانيها، على أصول العقيدة، ومنهج الهداية، والدعاء الجامع الذي يردده المسلم في كل ركعة من صلاته. ومن أكثر آياتها إثارة للتساؤل والتدبر قوله تعالى:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
مقالات ذات صلة
فمن هم المغضوب عليهم ؟ ولماذا خصّهم الله بهذا الوصف؟
أولًا: المعنى اللغوي لـ«المغضوب عليهم»
الغضب في اللغة هو شدة السخط والإنكار، وإذا نُسب الغضب إلى الله تعالى فهو غضب يليق بجلاله ، لا يشبه غضب المخلوقين، وهو يدل على الوعيد والعقوبة بسبب ارتكاب الذنب مع قيام الحجة.
فـ«المغضوب عليهم» هم قوم عرفوا الحق وعلموه، ثم تركوه عمدًا، وخالفوه عن علم وبصيرة .
ثانيًا: من هم المغضوب عليهم في تفسير العلماء؟
أجمع جمهور المفسرين من السلف والخلف على أن اليهود هم المقصودون أولًا وأساسًا بوصف المغضوب عليهم .
1. الدليل من السنة النبوية
جاء عن النبي ﷺ أنه قال:
«المغضوب عليهم اليهود، والضالون النصارى» (رواه الترمذي وغيره)
وهذا التفسير النبوي يقطع الخلاف ويبيّن المراد بوضوح.
2. لماذا اليهود تحديدًا؟
لأنهم:
أُوتوا التوراة،
وعرفوا أوصاف النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم،
وعلموا الحق،
ثم جحدوه وكتموه وحاربوه .
قال تعالى:
﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ﴾ ﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾
فغضب الله عليهم كان بسبب العلم بلا عمل، والمعرفة بلا طاعة .
ثالثًا: هل يقتصر وصف «المغضوب عليهم» على اليهود فقط؟
رغم أن اليهود هم أبرز مثال ، إلا أن العلماء قرروا قاعدة مهمة، وهي:
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
أي أن كل من:
عرف الحق،
وقامت عليه الحجة،
ثم خالفه عمدًا،
واتبع هواه،
فهو داخل في وصف المغضوب عليهم بقدر فعله، سواء كان يهوديًا أو مسلمًا أو غير ذلك.
قال بعض السلف:
«من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود» .
رابعًا: الفرق بين «المغضوب عليهم» و«الضالين»
لفهم المعنى كاملًا، لا بد من التفريق بين الفريقين:
الفريق حاله
المغضوب عليهم عرفوا الحق ولم يعملوا به
الضالون عبدوا الله بجهل وضلّوا عن الطريق
فالمغضوب عليهم فسادهم في الإرادة .
والضالون فسادهم في العلم .
ولهذا كان خطر الأول أعظم، لأن المعصية مع العلم أشد جرمًا.
خامسًا: لماذا ندعو الله في كل صلاة أن يبعدنا عن طريقهم؟
لأن القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن، ولأن الإنسان:
قد يعلم الحق ثم يضعف،
أو يعرف الصواب ثم يتهاون،
أو يستخدم العلم لتحقيق مصالح دنيوية.
فكان من رحمة الله أن علّمنا هذا الدعاء العظيم؛ نطلب فيه:
الهداية،
والثبات،
والسلامة من طريق أهل الغضب والضلال.
سادسًا: دروس وعبر من الآية
العلم وحده لا يكفي ما لم يصحبه عمل.
أخطر الناس من يستخدم الدين أو العلم لهوى أو مصلحة.
الفاتحة ليست مجرد قراءة، بل منهج حياة .
كل ركعة تذكير لنا: هل نحن على طريق المنعم عليهم؟ أم نخشى أن ننحرف؟
إن المغضوب عليهم في سورة الفاتحة هم في أصل التفسير اليهود ؛ لأنهم عرفوا الحق وجحدوه، لكن المعنى لا يقف عند حدود قوم أو زمن، بل هو تحذير دائم لكل من يعلم الحق ثم يخالفه.
ولهذا نختم كل صلاة بهذا الدعاء العظيم، راجين من الله:
أن يجعلنا من أهل العلم العاملين،
لا من أهل الغضب ولا من أهل الضلال،
وأن يهدينا الصراط المستقيم حتى نلقاه.
اللهم اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *