بعد ما ورثت روماني مكرم٣

نظرت من نافذة السيارة إلى شوارع المعادي الهادئة، والضوء الخافت المنبعث من أعمدة الإنارة يذكرني بليلة اقتحام طارق للحوش. فكرت بعمق، وتذكرت شيئاً مهماً.. شيئاً صغيراً جداً قد يقلب الطاولة على طارق ويدفنه في السجن إلى الأبد بتهمة التزوير الجنائي.

التفتت للمستشار وقلت بابتسامة حادة:

— خليه يقدم العقد للطب الشرعي يا سيادة المستشار، وخليه يفرح باللعبة دي كام يوم. طارق نسى حاجة مهمة أوي وهو بيزور العقد ده.. حاجة هتكشف كذبه من أول دقيقة فحص للورق!

— حاجة إيه يا أسماء؟

— طارق لما زور امضاء أبويا، أكيد استخدم قلم حبر عادي عشان يبان الخط قديم. لكن أبويا الله يرحمه، من يوم ما استلم عقد ملكية البيت، مكنش بيمضي على أي ورقة تخص البيت أو الشغل إلا بقلم واحد بس.. “قلم السيراميك الأسود” اللي سابهولي في المكتب، الحبر بتاع القلم ده حبر كربوني مخصص للمستندات الرسمية، مش حبر جاف عادي، وأبويا كان دايماً يقول لي: *(الحبر ده بيموت مع الورقة ومبيتغيرش لونه ولا بيتمسح)*. لو الخط المكتوب بيه العقد الجاف العادي، الطب الشرعي هيثبت إن عمر الحبر متطابقش مع التاريخ المكتوب! ومش بس كده.. العقد المزعوم مكتوب بتاريخ قبل وفاة أبويا بسنتين.. وفي التاريخ ده بالذات، أبويا كان في رحلة علاجية برة مصر في ألمانيا لمدة 6 شهور، وجواز سفره القديم لسه معايا في الخزنة ومثبت فيه تواريخ الخروج والدخول من المطار! يعني أبويا مستحيل يكون مضى العقد ده في مصر بالتاريخ اللي طارق كاتبه!

صاح المستشار رفعت بفرحة عارمة وضرب بيده على مقود السيارة:

— الله أكبر عليكي يا أسماء! أنتي مش بس أمّنتي نفسك، أنتي بقيتي أستاذة قانون! جواز السفر القديم مع تقرير نوع الحبر كفيلين يحولوا قض..ية طارق من “نزاع مدني” لجناية تزوير في أوراق رسمية واستعمال محرر مزور، ودي عقوبتها الأشغال الشاقة!

في صباح اليوم التالي، توجهنا إلى النيابة وقدمنا حجة غياب والدي وجواز سفره، مع طلب استعجال فحص العقد من الطب الشرعي. وفي نفس الوقت، كان طارق يقبع في حجز القسم، ينتظر الفرج ويظن أن عقده الأسود سينقذه.

لكن المفاجآت لم تتوقف عند هذا الحد.. فبينما كنا نخرج من مبنى النيابة، وجدنا شخصاً يقف أمام الباب ينتظرنا، شخصاً لم نكن نتوقع رؤيته أبدًا في هذا الموقف.. “زوج شيرين”، الذي كان يحمل في يده حقيبة سوداء صغيرة، وبدت على وجهه علامات الخوف والرغبة في الانتقام من زوجته وأهلها بعد أن علم بنصبها عليه باسمه في الإسكندرية!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *