حكايات زهرة الربيع ٣
أحمد فضل باصص للشاشة ومتردد ينطق، وجسمه كله تيبّس ورا الدريكسيون. مريم مسكت في كتفي بخوف، والنَفَس اللي صدقنا إنه رجع لنا كتم في صدورنا تاني.
“أنطق يا أحمد! في إيه؟” صرخت فيه بصوت مخنوق والقلب دق دقات سريعة ورا بعضها.
أحمد لف وشه لينا، وعينيه كانت مبرقة بذهول حقيقي: “أمي.. الظابط بيقول الهارد مش عليه بس الفيديوهات المتفبركة بتاعة مريم.. الهارد عليه ملفات كاملة باسم (دفتر مواليد 88).. ملفات فيها صور، وبيانات، وعناوين لشباب وبنات كتير من نفس جيلنا، كلهم من طنطا والمحافظات القريبة!”
مريم شهقت وحطت إيدها على بقها، وأنا حسيت برعشة في ضهري.. “دفتر مواليد 88؟!” الكلمة رنت في ودني وصحّت جوايا شكوك قديمة. مدحت ومريم كانوا زمايل جامعة، ومن جيل واحد.. بس إيه اللي يخلي مدحت يجمع بيانات جيل كامل؟
أحمد كمل وصوته بيفقد ثباته: “الظابط بيقول إن مدحت والمهندس اللي معاه مكنوش بيعملوا كدة لمجرد حبس مريم أو السيطرة عليها.. دول جزء من شبكة أكبر، شبكة بتستهدف جيل معين، بيراقبوا بيوتهم، ويعرفوا مين مسافر ومين عايش لوحده، ويستخدموا الذكاء الاصطناعي عشان يزوروا فيديوهات ومكالمات لأهاليهم، ويوهموهم إن كل حاجة تمام.. بينما الحقيقة إنهم بيتم ابتزازهم أو استغلالهم في تصفيات حسابات قديمة وتجارة مشبوهة!”
“يعني إيه؟” مريم سألت بدموع وعياط: “يعني أنا مكنتش ضحية لشكوكه وغريزته وبس؟ أنا كنت مجرد رقم في دفتر؟”
أحمد داس بنزين وتوجه بالعربية لمديرية الأمن بناءً على طلب الظابط. طول الطريق وعقلي شغال زي المكنة. افتكرت كلام مدحت يوم التخرج لما قال “بلدنا فيها مشاريع ومستقبل ولازم أرجع أرد الجميل”.. المستقبل اللي كان يقصده مكنش مشاريع معمارية، كان مشروع إجرامي منظم تكنولوجياً بيدار من قلب البيوت المعزولة في الصعيد، بعيد عن عيون الحكومة.
وصلنا المديرية، الأجواء كانت مشحونة، وعساكر وضباط داخلين خارجين بملفات. الظابط المسؤول استقبلنا في مكتبه، وكان حاطط الهارد الخارجي قدامه واللابتوب شغال.
بص لنا بجدية وقال: “يا حاجة.. ابنك أحمد أنقذ مريم، بس بالهارد ده هو فتح عش دبابير. مدحت اعترف تحت الضغط إن في (رأس كبيرة) في القاهرة هي اللي بتمول التكنولوجيا دي، وبتشتري منهم البيانات والفيديوهات المتفبركة عشان يبتزوا رجال أعمال وشخصيات ليهم ثقل، من خلال عيالهم اللي من مواليد السنين دي.”
الظابط التفت لأحمد وكمل: “الشبكة دي لما هتعرف إن الهارد اتكشف، مش هيرحموا حد.. إحنا أمنّا مدحت والرجالة هنا، بس أنتوا لازم تطلعوا على طنطا تحت حراسة، لحد ما نجيب بقية الخيوط.”
خرجنا من المكتب وجسمنا بيترعش من حجم المؤامرة. مريم كانت بتبص للأرض بكسرة، حاسة إن حياتها وجوازتها كانت كذبة كبيرة ومخططة من أول يوم دخل فيه مدحت حياتها في الجامعة.
أحمد وقف برة في الممر، ملامحه رجعت قوية وعنيفة تاني. مسك الشاقوف (البلطة الصغيره) اللي كانت لسة في جيب الجاكيت، وبص لها بضيق: “الظاهر الشوك طلع كتير أوي في السكة دي يا أمي.. والبلطة دي مش هتقعد في الشنطة كتير.”
“هنرجع بيتنا يا أحمد، والشرطة هتقوم بواجبها،” قولتله وأنا بحاول أطمن نفسي قبل ما أطمنهم.
ركبنا العربية، وتحركت معانا عربية بوكس حراسة من مديرية الأمن لتأمينا لحد حدود المحافظة. الطريق السريع كان هادي، والنور كشف كل حاجة.. بس الغموض اللي جوة الملفات كان لسة مغطي على قلوبنا.
طول الطريق، كنت باصة لمريم اللي نامت من التعب والإرهاق على الكنبة الورانية. كنت بفكر في “دفتر مواليد 88”.. الاسم ده مش غريب عليا، ده السجل اللي جوزي الله يرحمه كان بيكتب فيه ملاحظات زمان عن شغل قديم ليه في المحاماة وقضايا تزوير كبيرة! هل الموضوع ليه علاقة بالماضي؟ هل مدحت اختار مريم بالذات عشان ينتقم من حاجة قديمة؟
فجأة.. على بعد كيلومترات قليلة من استراحة الطريق الصحراوي، عربية الحراسة اللي كانت سايقة قدامنا فرملت وعملت صوت احتكاك مرعب.. ووقفت تماماً.
أحمد وقف العربية وراهم علطول. بصينا قدام.. لقينا عربية نقل ضخمة، قالبه مقطورتها في نص السكة وقافلة الحارتين، ومفيش أي أثر لسواق النقل.
عساكر الحراسة نزلوا من البوكس بحذر وشايلين س*لاحهم، وبيقربوا من المقطورة المقلوبة. وفي اللحظة دي.. النور كله انطفأ في أعمدة الإنارة بتاعة الطريق، وكأن حد فصل الكهرباء عن المنطقة كلها!
سمعنا صوت ضرب نار كثيف وجاي من وسط الجبل المحيط بالطريق.. ضرب نار مش عشوائي، ده ضرب موجه لـ عربية الحراسة!
أحمد وطى راسه وجر مريم تحت الكراسي: “أمييي! اتخفضي!”
وسط ضرب النار والظلمة الكحل، شفت من شباك العربية خيالات لرجالة لابسين أسود في أسود، نازلين من المدقات الجبلية ومعاهم أجهزة لاسلكي.. وواحد منهم كان ماسك جهاز تابلت منور، وبيتكلم بصوت حاد وواضح وسط الرصاص: “هاتوا الشنطة.. والهارد لازم يرجع قبل ما يوصل طنطا! تابعو صفحه رومانى مكرم
الرصاص كان بينهش في صاج العربية زي المطر، وصوت ضرب النار كان بيزلزل سكات الصحراء. أحمد كان مغطيني أنا ومريم بجسمه وهو كاتم أنفاسنا برعب: “أمي.. أوعي ترفعي راسك! دول مش جايين يهربوا مدحت.. دول جايين يمحوا الدليل ويمحونا معاه!”
من تحت الكراسي، شفت عربية البوكس بتاعة الحراسة وهي بتتغربل بالرصاص، والعساكر بيحاولوا يستخبوا ورا الصاج ويردوا على مصدر الضرب، بس الهجوم كان مفاجئ ومن كذا ناحية. الظلمة كانت كحل، ومفيش نور غير فلاشات الرصاص اللي بتنور وتطفي زي الكوابيس.
الراجل اللي شايل التابلت برة بدأ يقرب من عربيتنا بخطوات واثقة، وصوته الأجش كان بيعلم على اللاسلكي: “اخلصوا.. اقلبوا العربية وجيبوا الهارد اللي معاهم، الـ “رأس الكبيرة” مش هيرحم حد لو الفايلات دي اتسربت برة الصعيد.”
أحمد في اللحظة دي ملامحه اتحولت لكتلة غضب وعينه لمعت بنور غريب. مد إيده تحت الكرسي وسحب البلطة الصغيرة ومسن الحديد في إيده التانية. بصلي ونظراته كانت بتودعني: “أمي.. لو قربوا من العربية، أنا هفتح الباب وأشتتهم.. أول ما تلاقيني نزلت، اتسحبي أنتِ ومريم من الباب التاني واجروا ورا المقطورة المقلوبة في الضلمة، متقفيش ومتبصيش وراكي!”
“لأ يا أحمد! مش هسيبك!” صرخت والدموع حارقة عيني، بس هو مسمعش كلامي.
الراجل أبو تابلت وصل لحد باب السواق، ومد إيده عشان يفتح الباب وهو رافع س*لاحه. في الجزء من الثانية ده، أحمد سبق وفزع الباب بكل قوته في وش الراجل.. الباب خبط في صدره ورجعه لورا، وفي لمح البصر أحمد نزل زي الطلق.
شفت أحمد وهو بيرفع البلطة وبينزل بيها بكل غله على إيد الراجل اللي شايلة الس*لاح. الراجل صرخ صرخة هزت المكان والس*لاح وقع منه. أحمد مأداش له فرصة، وبظهر مسن الحديد ضربه ضربة قوية على دماغه وقعته مكانها ج*ثة هامدة.
اللاسلكي اللي في جيب الراجل وقع على الأرض، وصوت برة بدأ يندفع منه بزعيق وهستيريا: “يا عوض! إيه عندك؟ خلصت؟”
أحمد وطى بسرعة، أخد الس*لاح الآلي بتاع الراجل والتابلت المنور، وزعق فيا بصوت جهوري وهو بيضرب نار في الهوا عشان يغطي علينا: “اجري يا أمي!! حالااااً!”
سحبت مريم اللي كانت بتترعش ومش قادرة تقف على رجليها، فتحت الباب السري الوراني واتسحبنا وسط عتمة الليل الكاحلة. زحفنا على الرمل وعيوننا مليانة تراب لحد ما استخبينا ورا عجل المقطورة الضخمة المقلوبة في نص الطريق.
من ورا العجل، كنت شايفة المشهد مرعب.. أحمد كان واقف ورا صاج عربيتنا بيتبادل ضرب النار مع بقية الرجالة اللي نازلين من الجبل كأنه أسد بيحارب في غابة. كان بيضرب بذكاء ويغير مكانه كل ثواني عشان يوهمهم إن في قوة كاملة بتحاربهم. عساكر الحراسة لما شافوا أحمد بيقاوم، اتشجعوا وبدأوا يضغطوا على المهاجمين من الناحية التانية.
مسكت التابلت اللي أحمد رماه في حضني قبل ما ينزل، الشاشة كانت لسة منورة.. وفتحت عيني على آخرهم لما شفت الفايل المفتوح.
كان فيه خريطة مرسومة، وفي نصها كلمة واحدة مكتوبة بالخط العريض فوق اسم “طنطا”: (الهدف القادم: أرشيف محاماة ماكرم – تصفية الحساب القديم).
جسمي كله قشعر وعرقت في ثانية.. الشك اللي جالي في المديرية طلع حقيقة! الموضوع مش مجرد شبكة ابتزاز عشوائية.. “دفتر مواليد 88” ده سر قديم من أسرار جوزي الله يرحمه، ومدحت كان مجرد طُعم دخل بيت تلميذه عشان يوصل للسر ده!
صوت ضرب النار بدأ يهدى فجأة.. وسمعت صوت سرينات إسعاف وقوات دعم تانية جاية من بعيد، أنوارها الزرقا والحمرا بدأت تقطع ضلمة الصحراء. الرجالة المهاجمين لما شافوا الدعم، بدأوا ينسحبوا ويجروا في الجبل زي الفئران.
“أحمد!!” صرخت بأعلى صوتي وجريت من ورا المقطورة وأنا ساندة مريم.
وصلت للعربية.. لقيت أحمد ساند ضهره على الإكصدام، عرقان، وهدومه متبهدلة دم وتراب، والآلي في إيده بيطلع دخان.. بس كان بيتنفس وصاحي. أول ما شافنا، رمى الس*لاح وجري علينا حضننا إحنا الاتنين: “أنتوا كويسين؟ حصلكم حاجة؟”
“إحنا بخير يا حبيبي.. بخير بفضلك.” قولتله وأنا ببوس راسه وإيدي بتترعش.
قوات الدعم وصلت والمكان اتقلب كشافات ونور عمى عيوننا. الظابط الكبير نزل وجري علينا وعلى العساكر المصابين. أحمد سلم الس*لاح والتابلت للشرطة، وبص للظابط بملامح حاسمة: “الشبكة دي مش في الصعيد بس يا فندم.. الرأس الكبيرة والهدف الحقيقي مستنينا هناك.. في طنطا!”
الظابط بص في التابلت ووشه اتقلب: “الحاجة دي لازم تتحرك تحت حراسة مشددة فوراً لمديرية أمن الغربية.. اللعبة كبرت وبقت قض*ية أمن دولة.”
ركبنا عربية تانية تابعة للشرطة، مأمنة ومصفحة، وتحركنا في وسط أسطول من العربيات متوجهين لبلدنا. مريم كانت حاطة راسها على كتفي، وعينها على الطريق.. الخوف اتلاشى وحل مكانه رغبة قوية في المواجهة. أحمد كان قاعد جنب السواق، ماسك البلطة الصغيرة في إيده، بيمسح الدم من عليها ببرود وثبات.
عربيات الحراسة كانت بتنهش الطريق السريع، وأنا عيني مش مفارقة الشباك.. كنا داخلين على معركة تانية، معركة فتح دفاتر القديم.. والوصول للرأس الكبيرة اللي حركت كل الكابوس ده.
وصلنا لطنطا وسط حراسة أمنية مشددة، وكأننا داخلين في قلب عاصفة. مديرية أمن الغربية كانت في حالة استنفار، والظباط كانوا بانتظارنا ومعاهم أوامر مباشرة من القاهرة بخصوص “دفتر مواليد 88”.
أحمد نزل وهو ماسك الهارد والتابلت كأنه ماسك س*لاحه في الحرب. دخلنا مكتب مدير الأمن، وهناك، شفت راجل في الخمسينات، وقور بس عينيه فيها نظرة شريرة ومكارة، قاعد ومكلبش.. ده كان “محامي كبير” في طنطا، زميل قديم لجوزي، كان الكل بيحترمه، بس طلع هو “الرأس الكبيرة” اللي بيحرك الخيوط من ورا الستار.
أول ما شافني، ابتسم ابتسامة صفراء وقال بصوت هادي: “أهلاً يا أم أحمد.. جوزك الله يرحمه كان دايماً ذكي، بس كان متمسك بمبادئ تافهة في وقت كان ممكن نملك فيه الدنيا كلها.”
الدم غلى في عروقي، سيبت إيد أحمد وطلعت خطوة لقدام، وبصيت في عين المحامي ده: “جوزي كان راجل شريف، ومات وهو رافع راسه.. أنت يا حقير كنت بتسرق أعمار الشباب، بتتاجر بيهم وبتستغل التكنولوجيا عشان تبتز الناس اللي عرقوا وتعبوا!”
المحامي ضحك بهدوء: “التكنولوجيا س*لاح يا ست الكل.. ومريم بنتك كانت مجرد (كود) دخلته في النظام عشان أستدرجك وأستدرج الملفات اللي كانت مع جوزك.”
أحمد فقد أعصابه، زق الكرسي اللي كان قاعد عليه وطلع “البلطة الصغيرة” من جيبه وحطها على المكتب بقوة لحد ما الخشب اتشطب: “البلطة دي يا حضرة المحامي، هي اللي قطعت الشوك اللي أنت زرعته في طريقنا.. وهي اللي هتقطع خيوط لعبتك دي للأبد.”
المدير أخد التابلت والملفات اللي على الهارد، وبدأ يطابق البيانات اللي فيها بقضايا فساد ومحاضر تزوير قديمة، وبدأ يظهر اسم المحامي ده في كل ملف. اتضح إن الشبكة دي كانت بتستخدم “الذكاء الاصطناعي” عشان تزور مستندات ملكية أراضي وشركات لرجال أعمال متوفيين أو خارج البلاد، وتستولي عليها وتبيعها بعقود مزورة باستخدام “توقيعات إلكترونية” متفبركة.
التحقيقات استمرت ساعات طويلة. خرجنا من المديرية والشمس كانت بتميل للغروب، كأنها بتطوي صفحة سوداء من حياتنا. مريم كانت واقفة جنبي، ماسكة إيدي بقوة، وبصتلها لقيت فيها قوة جديدة.. قوة اللي مرّ بموت وخرج منه للحياة.
بعد أسابيع، القض*ية اتنظرت قدام المحكمة، والحكم كان قاسي وعادل. المحامي والشبكة اللي معاه اتسجنوا لفترات طويلة، ومدحت أخد جزاءه، وعرفت إن فيه ناس تانية كتير كانت ضحية ليهم بدؤوا يرجعوا حقوقهم بعد ما الشرطة فكت شفرات الدفتر ده.
رجعنا لبيتنا في طنطا.. البيت اللي كنت فاكراه ضيق، بقى واحة أمان. أحمد رجع لشغله، وبدأ يخطط لفتح مشروع صغير، ومريم رجعت لحياتها الهادية، وبدأت تتعافى نفسياً، وبمساعدة دكاترة، بدأت تطلع طاقتها في الرسم، لوحاتها كانت جميلة ومليانة ألوان حياة.
أنا.. بقيت أم تانية. بقيت أم عندها “بلطة” بتدافع بيها عن حقها، وأم اتعلمت إن الخوف عمره ما كان حامي، وإن الحقيقة مهما اتخبت ورا شاشات وذكاء اصطناعي، لازم في يوم تظهر وتكسر قيدها.
آخر يوم قبل ما نبدأ حياتنا الجديدة، طلعت البلطة الصغيرة من الشنطة، مسحتها بقطعة قماش، وحطيتها في درج المكتبة اللي جوزي كان بيسيب فيه أوراقه القديمة.. جنب صورة جوزي.
بصيت للصورة وقلت بصوت واطي: “أنا حاميتهم يا أبو أحمد.. أنا و”البلطة” رجعنا حقنا، ورجعنا الأمان لبيتنا.”
مريم دخلت عليا، حضنتني وقالت: “يا ماما، إحنا لسة عندنا حياة طويلة.. كفاية وجع، خلينا نبدأ نعيش.”
هزيت راسي وابتسمت. الشمس كانت بتغرب في الأفق، ونورها كان بيملى البيت، ونور حياتنا.. اللي مفيش “ذكاء اصطناعي” في الدنيا يقدر يزوره، كان لسة بيزيد ويحلى.
النهاية.
