عيد ميلاد روماني مكرم ٣

 

مر أسبوع كامل على الأحداث. أسبوع كانت جدران مستشفى الدمرداش فيه شاهدة على معركة صامتة وقاسية.

ندى بدأت تسترد وعيها بالكامل، ورغم ضعف جسمها وشحوب وشها، إلا أن نظرة عينيها كانت اتغيرت.. مابقاش فيها الخوف والانكسار اللي عاشت بيهم مع كريم، حل محلهم قوة غريبة، قوة أم حاربت الموت عشان ترجع لابنها.

اللواء أحمد كان قاعد جنب سريرها، ماسك إيديها وبيقرا لها قرآن بصوت واطي وخاشع. ندى فتحت عينيها وبصت لأبوها، وابتسامة ضعيفة اترسمت على شفايفها:

— بابا.. البيبي عامل إيه؟ شوفته؟

اللواء أحمد باس إيديها وطمنها بصوت حنين:

— شوفته يا قلب بابا.. بطل وزي أمه، الدكاترة شالوا من عليه خراطيم الأكسجين النهاردة، ورئته بقت تمام.. نقلوه أوضة الرعاية العادية، ويومين تلاتة كدة ويخرج في حضنك.

دموع الفرحة نزلت من عين ندى، وحاولت تتعدل في سريرها. اللواء أحمد سندها بالراحة، وبعدين سكت شوية، ملامحه وقرت وبص في عينيها مباشرة وقال بنبرة هادية بس فيها فضول الأب:

— ندى يا بنتي.. وأنتي في أصعب لحظات الإفاقة والغيبوبة، شفايفك مكنتش بتنطق غير اسم واحد.. كنتي بتنادي على “سيف”.. مين سيف يا ندى؟ وليه الاسم ده بالذات اللي كان حبل النجاة ليكي وأنتي بين الحياة والموت؟

ندى اتنهدت نفس طويل، وبصت للبعيد وكأنها بتسترجع ذكريات قديمة مدفونة، وقالت بصوت هادي:

— سيف المنشاوي يا بابا.. زميل دراستي في حقوق، وأول قصة حب في حياتي.. الشخص اللي كريم عمل كل المكايد عشان يبعده عني ويقنعني إنه سافر وسابني.. سيف اللي اكتشفت بعد جوازي بكام شهر إن كريم زور رسايل باسمه وهدده بنفوذ عيلته عشان يختفي من طريقي.. سيف كان الراجل اللي بجد يا بابا، اللي كان بيخاف عليا من الهوا، وفي عز وجلوسي على بلاط المطبخ والدم حواليا، م جاش في بالي كريم.. جه في بالي سيف وهو بيقولي “أنا ضهرك وأمانك”.. حسيت روحي بتنده عليه.

اللواء أحمد سمع الكلام وعينيه وسعت بالدهشة، لكنه ضغط على إيد بنته وقال:

— كل شيء بأوان يا بنتي.. المهم دلوقتي صحتك، والماضي هنعرف نفتش فيه كويس.. بس الأول، لازم ننضف حياتنا من القذارة اللي كانت فيها.

في نفس الوقت، في قاعة تجديد الحبس بمحكمة مصر الجديدة، كان المشهد يقطع القلب.. بس لأي حد غير اللي يعرف حقيقة كريم.

كريم كان واقف في قفص الاتهام، دقنه نبتت وبقت سودا ومشوهة، هدومه بقت دبلانة وريحتها حجز، ووشه بقى خالي تمامًا من الكبرياء والغطرسة.

على الناحية التانية، كانت الحاجة سهير واقفة برا القفص، بتعيط وتندب حظها، وتزعق في المحامي رفعت اللي كان واقف بكل برود ووقار.

سهير صرخت في المحامي:

— يعني إيه التجديد 15 يوم كمان؟ إنتوا مش واخدين ملايين عشان تخرجوا ابني؟ كريم هيموت جوة! كريم مهندس محترم مش بتاع سجون!

المحامي رفعت بصلها ونزل نظارته الطبية وقال بنبرة قانونية حاسمة:

— يا مدام، ابنك متهم بجناية إهمال طبي جسيم وترك شخص في حالة خطر داهم أدى لشروع في قتل جنين وإصابة مستديمة للأم.. التقرير الطبي الشرعي المبدئي وصل النيابة النهاردة، ومكتوب فيه إن ندى عبد الرحمن جالها تهتك جزئي في جدار الرحم بسبب تأخر التدخل الجراحي والنزيف الحاد، وده ممكن يمنعها من الخلف تاني.. إنتي مستوعبة حجم الكارثة؟ المحكمة مش هترحم ابنك، والقاضي حالًا هيصدر قرار التجديد، والنيابة بتجهز لـ إحالته لمحكمة الجنايات محبوسًا!

كريم سمع كلمة “محكمة الجنايات” و”إصابة مستديمة”، ومسك في قضبان القفص الحديدية وبدأ يصرخ بهيستريا:

— لاء! أنا ماليش دعوة! أمي هي السبب! هي اللي قالت لي سيبها دي بتموت في الدلع عشان تبوظ الحفلة! أمي هي اللي كانت بتكرهها وعايزاني أكسر مناخيرها! يا سيادة القاضي أنا بريء.. أمي هي اللي دمرتني!

الحاجة سهير اتصدمت، لفت وشها لابنها وحطت إيدها على صدرها ومش مصدقة إن ابنها، حبيبها اللي ضيعت مراته عشان خاطره، بيبيعها في أول محطة عشان ينقذ نفسه:

— إنت بتقول إيه يا كريم؟ أنا السبب؟ ده أنا كنت بعمل كل ده عشانك وعشان أحافظ على برستيجك قدام الناس! بتبيع أمك يا كريم؟

العساكر جوة القاعة صرخوا: “بس يا متهم! هدوء في القاعة!”، ودخل الحاجب ونادى: “محكمة!”.

القاضي قعد على منصته، وبص في الأوراق، وبعدين بص لكريم الشناوي بنظرة كلها حزم وقرف، وقال كلمته اللي نزلت زي الصاعقة:

— بعد الاطلاع على الأوراق، وتقرير الطب الشرعي، وتوافر أركان الجريمة وثبوت علم المتهم بالخطر الداهم.. قررت المحكمة تجديد حبس المتهم كريم الشناوي خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيقات، مع سرعة إحالة القضية إلى محكمة الجنايات بدائرة قضايا أمن الدولة والطوارئ. رُفعت الجلسة!

صوت الشاكوش خبط على المنصة، ومع الخبطة دي كريم انهار تمامًا على أرضية القفص، وبدأ يلطم على وشه زي الحريم، والعساكر بيسحبوه لكلبش الترحيلات وهو بيصرخ باسم أمه اللي دارت وشها عنه وخرجت تجري من القاعة وهي بتعيط من قهرتها وصدمتها في ابن عمرها.

بعد يومين، ندى كانت واقفه قدام مراية أوضتها في المستشفى، لابسة هدوم خروج واسعة ومبتسمة.. دخل اللواء أحمد وهو شايل في إيده “البيبي”، الولد الصغير اللي بقى زي القمر، وعينيه واسعة وذكية. ندى أخدته في حضنها، وشمّت ريحته، ودموعها نزلت من الفرحة.. خلاص، كابوس كريم انتهى، وابنها في حضنها.

اللواء أحمد بص لندى وقال بابتسامة فيها سر كبير:

— ندى.. في حد برة مستأذن يدخل يشوفك ويطمن عليكي.. وأنا الصراحة مقتنع إن وجوده مهم ليكوا إنتوا الاتنين دلوقتي.

ندى عقدت حواجبها باستغراب:

— مين يا بابا؟ الدكتورة دينا؟

اللواء أحمد ما ردش، فتح الباب وشاور للشخص اللي واقف برة..

دخل شاب طويل، أسمر، ملامحه رجولية وجادة، ولابس بدلة أنيقة.. أول ما ندى شافت وشه، قلبها دق بسرعة جنونية، وعينيها وسعت من الصدمة، والموبايل اللي كان في إيدها وقع تاني على الأرض.. بس المرة دي مش من الوجع، المرة دي من المفاجأة.

كان سيف المنشاوي.. واقف قدامها بشحمه ولحمه، وعينيه مليانة دموع ولهفة! ملحوظه مهمه لو عاوزه القصص كامله بدون مقاطعه اعملو متابعه لصفحه رومانى مكرم

الجزء السابع:

سيف كان واقف عند باب الأوضة، عينه منزلتش من على ندى. ملامحه اللي كانت دايماً قوية وجادة، دلوقتي كانت مهزوزة ومليانة مشاعر مكبوتة بقالها سنين. ندى كانت بتبص له وهي مش مصدقة، حاسة إنها في حلم أو إن الغيبوبة لسه مأثرة على مخها. حضنت ابنها أكتر كأنها بتستمد منه القوة عشان تتأكد إنها صاحية.

سيف أخد خطوة واحدة لجوة الأوضة، صوته طلع دافي ومتحشرج:

— حمد الله على سلامتك يا ندى.. كدة تخضيني عليكي؟

ندى دموعها نزلت من غير ما تحس، وبصت لأبوها اللواء أحمد اللي كان واقف مبتسم بهدوء، وبعدين رجعت بصت لسيف وقالت بصوت يادوب مسموع:

— سيف؟ إنت بجد هنا؟ أنا مش بحلم؟ إنت سافرت وسبتني.. كريم قالي إنك..

سيف قاطعها بسرعة وهو بيقرب من السرير، وعينيه لمعت بالندم والغضب:

— كريم كداب يا ندى.. كريم وعيلته عملوا عليا فخ مطلعش منه غير وأنا برة البلد وممنوع أدخلها. زوروا قضايا وشغلوا نفوذهم عشان يهددوا أبويا الله يرحمه في لقمة عيشه وصحته. أنا مسافرتش بإرادتي، أنا اتهجرت من حياتي ومنك.. وكنت فاكر إنك بقيتي مبسوطة وعايشة حياتك، لحد ما سيادة اللواء كلمني من يومين وحكالي على كل حاجة.

اللواء أحمد حط إيده على كتف سيف وبص لندى:

— سيف مسبكيش يا ندى. سيف لما عرف باللي حصل، ساب كل شغله في دبي ونزل على أول طيارة. الراجل بيبان في الشدائد يا بنتي.. وكريم الشناوي كان لازم يتعرى قدامنا كلنا عشان الحقيقة تظهر. أنا هسيبكم دلوقتي تتكلموا، وعندي مشوار مهم في النيابة لازم أخلصه.

اللواء أحمد خرج وقفل الباب وراه، وساد الهدوء في الأوضة. سيف قعد على الكرسي اللي جنب السرير، عينه راحت للطفل الصغير اللي في حضن ندى، وابتسم بحنان:

— ما شاء الله.. شبهك جدًا يا ندى. مسميتيهوش إيه؟

ندى مسحت دموعها وابتسمت وسط دموعها:

— لسه مسميتهوش.. كنت مستنية أقوم بالسلامة. بس شكلي هسميه “أحمد” على اسم بابا.. هو اللي أنقذ حياتنا.

سيف هز راسه بالموافقة:

— عاشت الأسامي.. يتربى في عزك وعز سيادة اللواء. ندى.. أنا مش جاي عشان أفرض نفسي على حياتك دلوقتي، أنا عارف إنك خارجة من كارثة. أنا بس جاي أقولك إن الضهر اللي كريم هدهولك، أنا موجود عشان أبنيه من تاني.. ومش هتحرك من مصر غير وأنا مطمن إن حقك رجع بالكامل، وإنك بقيتي في أمان.

في نفس الوقت، في مكان تاني تمامًا.. وتحديدًا في سجن طره.

كريم الشناوي كان قاعد في زنزانة الترحيلات وسط المجرمين والمسجلين خطر. شكله بقى يصعب على الكافر؛ وشه متبهدل، ودقنه كبرت، وعينيه بقت حمرة من قلة النوم والخوف.

دخل السجان وخبط على الحديد بصوت عالي:

— المتهم كريم الشناوي! عندك زيارة.. اخلص.

كريم قام بيجري كأنه غريق وشاف قارب نجاة. افتكر إن أمه جابت واسطة كبيرة عشان تخرجه، أو إن المحامين لقوا ثغرة في القضية. خرج بسرعة وراه العسكري لحد أوضة الزيارة اللي يفصلها سلك حديد ضخم.

أول ما دخل، لقى اللي قاعدة مستنياه مش أمه.. دي كانت الدكتورة دينا فؤاد، وبجوارها الأستاذ رفعت محامي اللواء أحمد، ومعاهم ضابط تنفيذ أحكام.

كريم اتصدم ورجع لورا:

— إنتي؟ جاية ليه؟ فين أمي؟ فين المحامين بتوعي؟

الدكتورة دينا بصت له بنظرة احتقار شديدة، وطلعت من شنطتها ورق وحطته على السلك:

— مفيش أم ومفيش محامين يا كريم. أنا جاية هنا بصفتي الطبيبة اللي كانت متابعة حالة ندى، وبصفتي شاهدة إثبات رئيسية في القضية الجنائية اللي مرفوعة عليك. أنا جيت أقولك إن شهادتي في النيابة النهاردة اتقفلت.. وأنا قدمت كل الرسايل والتحذيرات اللي بعتهالك على تليفونك، وقدمت تقرير الطوارئ اللي بيثبت إنك كنت قاصد تسيبها تموت.

المحامي رفعت اتدخل بصوت جهوري وهادي:

— ومش بس كدة يا باشمهندس.. أنا جاي أسلمك الإعلان ده بصفتي وكيل عن الأستاذة ندى أحمد عبد الرحمن.. قضية خلع وتنازل عن الولاية التعليمية والوصاية على الطفل، مع حرمانك من الرؤية لحين صدور حكم نهائي في قضية الشروع في القتل والإهمال. إنت انتهيت يا كريم.. رسميًا وقانونيًا.

كريم بدأ يضرب على السلك الحديدي بهيستريا ويصرخ:

— مش هطلق! مش هسيبها تاخد ابني! دي مراتي! أنا معملتش حاجة.. أمي هي اللي قالتلي! روحوا قبضوا على أمي!

الضابط اللي واقف جنب المحامي قاله ببرود:

— والدتك الحاجة سهير متقدم فيها بلاغ حاليًا بالتحريض والمشاركة في جريمة تعريض حياة مواطنة وجنينها للخطر، وقوة من مباحث مدينة نصر رايحة تفتش شقتها دلوقتي عشان تطلبها للتحقيق.. يعني مفيش حد برة هيشيلك يا كريم، إنتوا الاتنين هتحصلوا بعض جوة.

كريم ركبه سابت تماماً واقعد على الأرض جوة القفص وهو بيصرخ ويبكي، والعساكر سحبوه لداخل الزنزانة وصوت صريخه مالي الممرات.

بعد يومين.. ندى خرجت من المستشفى أخيرًا.

العربية وقفت قدام فيلا اللواء أحمد في التجمع الخامس.. المكان اللي هتبدأ فيه حياتها الجديدة. سيف كان هو اللي سايق العربية، ونزل بسرعة فتح الباب لندى، وشال عنها الشنط وهو بيطمن عليها في كل خطوة.

ندى دخلت الفيلا وهي شايلا ابنها “أحمد”، وحست لأول مرة بنسمة هوا نضيفة تدخل صدرها بعد سنين من الخنق والتحكم والإهانة.

اللواء أحمد جمعهم كلهم في صالون الفيلا، وبص لسيف وندى وقال بنبرة حاسمة:

— القضية هتنزل أول جلسة جنايات الأسبوع الجاي.. وكريم وأمه هيتحاكموا محاكمة عادلة وهياخدوا جزاءهم. بس أنا عايز يقين نفسي لبنتي.. عايزها تبدأ حياتها وهي عارفة إن اللي جاي ملوش علاقة باللي فات.

سيف بص لندى وقال وعينيه مليانة صدق:

— وأنا مستعد أستنى العمر كله يا سيادة اللواء.. المهم ندى ترجع تقف على رجليها وتفتح مكتبها من تاني.. وأنا هكون أول واحد واقف في ضهرها.

ندى بصت لسيف، ولأول مرة تحس إن قلبها بيطمن بجد، وإن الوجع اللي عاشته على بلاط المطبخ كان هو التمن الباهظ عشان تخرج من سجن كريم وترجع لحضن الأمان.

لكن.. في نفس اللحظة دي، وتحديدًا في شقة الحاجة سهير في مدينة نصر..

القوة الأمنية كانت واقفة قدام الباب المقفول، والضابط بيخبط بعنف: “افتحي يا مدام سهير.. معاكي أمر ضبط وإحضار من النيابة!”.

جوة الشقة.. كانت الحاجة سهير قاعدة في الضلمة، وشها شاحب كأنه جثة، وفي إيدها تليفونها وبتبص على صور ابنها كريم وهي بتترعش. فجأة، سمعت صوت كسر الباب الخارجي ودخول العساكر.. الست قامت مفزوعة، وبصت من شباك البلكونة لقت عربيات الشرطة مالية الشارع والناس بتبص لفوق.

سهير مسكت قلبها وحست بوجع رهيب، نفس الوجع اللي ندى حست بيه وهي في المطبخ.. وجع غريب ومفاجئ، ووقعت على سجادة الصالون وهي مش قادرة تاخد نفسها، وعينيها بتلف في الأوضة الفاضية.. وهي بتهمس باسم ابنها اللي ضيعته وضيعها معاها.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *